تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

سوق المسكية في دمشق.. كتبة ووراقون بدون مسك

سوق المسكية في دمشق.. كتبة ووراقون بدون مسك

لم تكن تجارة بيع الكتب المستعملة في تاريخنا الحديث غير معروفة في حياة المسلمين بوصفها تجارة وبابا من أبواب الرزق، فقد كانت هذه التجارة رائدة ونشيطة في المجتمعات الإسلامية، وكانت في وجودها دائما إنما تكون جانب المرافق التعليمية من مدارس ومساجد، كالأزهر في مصر، و الأعظمية في بغداد، والأموي في دمشق، والقيروان في المغرب، و الزيتونة في تونس، وكان أهل تجارتها هم الوراقون والكتبة، وبشكل دائم، ومن طرائف بيع الكتب عند هذه الطبقة هو أنهم غالبا ما يسرقونه نسخة ثانيه مما استنسخوا، وربما يضعون عليه اسما لغير اسم صاحبه أو مؤلفة، لكن علماء التحقيق استطاعوا التعرف على مثل تلك السرقات، على أنها كانت الفعل الناسخ والكاتب،  ومن أصحاب بيع الكتب، وما نشهده اليوم في ظاهرة بيع الكتب هذه سواء كانت مستعملة أو جديدة، إنما كانت بسبب وفرة المطابع، التي هيأت للناس امتلاك الكتب بأرخص مما كانوا يشترونها في أيام النسخ على اليد، بس تحدث لها الأسواق هذه الأيام، وكثرت محلات بيع الكتب بجديده والمستعمل منه.

أما الحديث عن سوق المسكية في دمشق، الرابطة على أرض معبد جوبتير، وبين أعمدة المنتصبة، التي تعود إلى العهد الأرامي، لقد كانت هذه السوق تعرف بالسوق الكتبة والوراقين، والقارئ لخريطة موقع هذا السوق يجد على أنها وصلت لنا قاعدة كبيرة لعدد من المدارس الإسلامية التي لا زالت آثارها قائما إلى اليوم تتحدث عن الحياة العلمية في العهد الزنكي والعهد الأيوبي وما تلاهما من عقود إسلامية باهرة، بالقرب من هذا السوق توجد المدرسة الظاهرية، والمدرسة العصرونية والمدرسة النورية، وغيره من المدارس، وقعت عرفت هذه السوق بموقعها في باب البريد، فقد جاء ذكرها في كتب القدماء والرحالة الذين زاروا دمشق ومساجدها الأموية، في السوق هذه هي بوابة الداخل إلى الجامع الأموي من الباب الغربي له، وأفضل كنت ب عالج موضوع الأسواق بمدينة دمشق هو كتاب (نزهة الرفاق في شرح الأسواق) د كاتبه يوسف بن عبد الهادي، الذي فرغ من تأليفه سنة 813هـ - 1473م، فقد استطاع فيه إحصاء دمشق وأرياضها، وقد بلغت عنده (150) سوقا بين كبير وصغير، لكن ابن المبرد استطاعة حصر هذه الأسواق فبلغت عنده (139) سوقا، والذي يهمنا من كل ما كتبه هذين الإثنين هو الحديث عن سوق الكتبة الوراقين في باب البريد، والعبارة كما وردت عند ابن الهادي هي قوله (سوق الوراقين في باب البريد)، وذهب محمد سعيد القاسمي في كتابه الذي أسماه (قاموس الصناعة الشامية) إلى تسمية السوق بالاسم نفسه الذي جاء على لسان ابن الهادي، وهو قوله (سوق الكتبيين في باب البريد، ويسمى أيضا سوق المسكية، وتباع فيها الكتب).

في السوق باقي على ما كان عليه وعرف فيه، ولو تغير اسمه إلى سوق المسكية، والقاسي من هو خير من تناول في دراسة هذه مسألة أسواق تقدم شق في ماضيها الذي كانت عليه، وحاضرها الذي آلت إليه في فترة معاصرة القاسمي، فيقول معلقا على كلمة (الصحاف) بقوله (الصحاف مخصوص يعرف المسكية، خاطئا طبعا، ولي بائعي الكتب في دمشق سوق مخصوص تعرف ب المسكية وهي غربي جامع بني أمية الشهير، يتعاطون فيه بيع الكتب)، و ويذكر محمد سعيد القاسمي في مكان آخر (الكتبي هو بائع الكتب، والكتب سوق في دمشق تعرف ب المسكية، عند باب الجامع الأموي الشهير، المعروف بباب البريد، يبيعون فيه الكتب، وهي حرفة قديمة شريفة، وقد ازداد رواجها بواسطة كثرة المطابع الحديثة في هذا العصر، ولي بعدها أسلوب فيه الإتجار بها، والربح منها).

وقد قال العلاف في كتابه (دمشق في مطلع القرن العشرين) عند حديثه عن سوق الحميدية وأعلامها: (إلى أن ينتهي -أي سوق الحميدية- عنده سوق المسكية أمام الجامعة الأموي، حيث دكاكين بيع الكتب والقرطاسية)، وفي استطلاع لمجلة الجمعية الجغرافية الأمريكية في أعدادها الصادرة سنة 1946م، لقد صورت هذا السوق وحفظت لنا أجمل الصور عنها، بما يفيد مكاناتها في بيع الكتب في ذلك العهد، ولا زالت هذه السوق معلم من معالم دمشق السياحية لكونها تقع في أفضل الأمكنة التي تجذب السواح والزوار، ولازالت محلاتها تباع فيها الكتب المستعملة والجديدة، وان عرف اليوم عن وجود المحلات لبيع الكتب المستعملة خارج هذا السوق، لكن السوق حافظت على هوايتها المعنية في بيع الكتب.

أما عن سبب تسميتها بسوق المسكية -نسبة إلى المسك الذي يؤخذ من ذيل نوع معين من الظباء- فقد غلب على كثرة أصحاب المباسط فيه بيع المسك والعطور في جوار محلات بيع الكتب، وكذلك بجوار أعمدة معبد جوبتير، الجميع قوات هذا السوق من أصحاب شراء العطورات من هذا المكان، وهم السبب المباشر وراء تحويل اسم السوق هذا إلى سوق المسكية في أواخر العهد العثماني، فعلى بالرغم من عدم وجود بائعين للمسك والعطورات اليوم في السوق، مع بقاء باعة الكتب، إلا أن هذه السوق ظلت تحمل اسم المسكية، بعيدا عن سوق الكتبة والوراقين، الاسم الذي عرف فيه منذ تاريخ نشأته.


سوق المسكية في دمشق.. كتبة ووراقون بدون مسك
Ehsan Logo