تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

الحياة العلمية عند المسلمين في العصور الوسطى

الحياة العلمية عند المسلمين في العصور الوسطى

 د. عبدالكريم السمك


ذهب جميع الكتاب الغربيين ممن أنصفوا الحضارة الإسلامية في جميع جوانبها وقضاياها، في الحديث عن المدارس والتعليم في المجتمعات الإسلامية، حيث أشاروا إلى هذا الواقع النهضوي في مسيرة بناء المجتمع الإسلامي كأصل من أصول تكوين هذا المجتمع وقيامه في العصور الوسطى، في الوقت الذي كانت أوروبا تغط في سبات عميق، ومن هؤلاء المنصفين: الكاتبة الألمانية (زيغريد هونكه) في كتابها النفيس (شمس العرب تسطع على الغرب .. أثر الحضارة الإسلامية في أوروبا) فتقول في مقارنتها عن الواقع بين المجتمعين: 

«وبينما كان (شارل الأكبر) يجهد نفسه في شيخوخته لتعلم القراءة والكتابة، وبينما أمراء الغرب يعترفون بعجزهم عن الكتابة أو القراءة وفي الأديرة يندر بين الكهنة من يستطيع مسك القلم، إلى درجة أنه عام ١٣٩١ ميلادي لم يكن في دير القديس جالينوس من الكهنة والرهبان من يستطيع حلّ الخط، بينما هذا كله يحدث في الغرب، كانت آلاف مؤلفة من المدارس في القرى والمدن تستقبل ملايين البنين والبنات يجلسون على سجادهم الصغير يكتبون بحبر يميل إلى السواد فوق ألواحهم الخشبية، ويقرؤون مقاطع من القرآن حتى يجيدوها، ويجودون ذلك معاً بلحن جميل عن ظهر قلب، تم يتدمون خطوة تلو الأخرى في المبادئ لقواعد اللغة. وكان الدافع إلى كل هذا هو رغبتهم الصادقة في أن يكونوا مسلمين حقاً كما يجب أن يكون المسلم، فلم يجبرهم أحد على ذلك، بل اندفعوا إليه عن رغبة وإيمان؛ لأن من واجب كل مسلم أن يقرأ القرآن. وهنا تتسع الهوّة بين الشرق والغرب أيضاً، فالكتاب المقدس لا يجد إليه سبيلاً إذا استثنينا الكهنة ورجال الدين، فهم وحدهم يستطيعون قراءته وفهم لغته. ولم تكن هناك حاجة تدعو الشعب في تلك العصور إلى تعلم اللاتينية، بل لم تكن هناك أي رغبة في تعليم الشعب أو تثقيفه، وعلى خلاف ذلك كان الحال في العالم الإسلامي، لقد اهتمت الدولة بتعليم الرعية، ولم تلبث أن جعلت من التربية واجباً ترعاه».

وهكذا مضت (هونكه) فميا أشارت له من حديث شهادة الإنصاف في كتابها المذكور، في الفصل الثامن منه، والذي عنونته (شعب يذهب إلى المدرسة)؛ لتصف فيه واقع النهضة العلمية والتقدم الثقافي والتطور التربوي في المجتمع الإسلامي، في الوت الذي كان فيه الغرب يعيش جهالة جهلاء، وأُميّة عمياء.

وثمة كتاب آخر مؤلفه (السير جون دوانبورت) وعنوان هذا الكتاب (العرب عنصر السيادة في القرون الوسطى)، وقد أورد فيه وثيقة رائعة تتكلم عن واقع العلم ومكانته في المجتمع الإسلامي الأندلسي، من خلال بعثة رسمية بريطانية قصدت الأندلس للدراسة فيها، وقد حملت هذه البعثة رسالة من (الملك جورج الثاني) ملك إنكلترا والسويد والنرويج إلى خليفة المسلمين في الأندلس وهذا نصها: إلى الخليفة هشان الثالث الجليل المقام، بعد التعظيم والتوقير نفيدكم أننا سمعنا عن الرقي العظيم الذي تتمتع بفيضه الضافي معاهدُ العلم والصناعات في بلادكم العامرة ...، فأرونا لأبنائنا اقتباس نماذج من هذه الفضائل لتكون بداية حسنة في اقتفاء أثركم...؛ لنشر أنوار العلم في بلادنا التي يحيط بها الجهل من أركانها الأربعة، وقد وضعنا ابنة شقيقنا (الأمير دوبانت) على رأس بعثة من بنات الأشراف الإنكليز؛ لتتشرف بلثم أهداب العرش والتماس العطف؛ لتكون مع زميلاتها موضع عناية عظمتكم، وقد زودت الأميرة الصغيرة بهدية متواضعة لمقامكم الجليل، أرجو التكرم بقبولها مع التعظيم والحب الخالص.

الإمضاء خادمكم المطيع 

جورج الثاني

وقد كان ردُّ الخليفة (هشام الثالث) – الذي حكم بين سنتي (٤١٦-٤١٩هـ ، ١٠٣٧-١٠٤٠م)- :

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه سيد المرسلين، وبعد:

إلى ملك إنكلترا وإيكوسيا وإسكندنافية الأجلّ، اطلعت على التماسكم، فوافقت على طلبكم بعد استشارة من يعنيهم الأمر من أرباب الشأن، وعليه؛ نعلمكم أنه سوف ينفق على هذه البعثة من بيت مال المسلمين دلالةً على مودتنا لشخصكم الملكي.

أما هديتكم فقد تلقيتها بسرور زائد، وبالمقابل أبعث إليكم بغالي الطنافس الأندلسية، وهي من صنع أبنائنا هدية لحضرتكم وفيها المغزى الكافي للتدليل على التفاتتنا ومحبتنا والسلام. 

خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ديار الأندلس

هشام الثالث

 

تلك هي الصورة، وهذا هو الواقع الذي عاشه المجتمع الإسلامي، في الوقت الذي كانت أوروبا تعيش في عصور الجهالة والظلام بشهادة المنصفين من الكتاب الغربيين. 


الحياة العلمية عند المسلمين في العصور الوسطى
Ehsan Logo