مخطوطات تمبكتو.. إرث حضاري يبحث عن صيانة وحماية!
بقلم / حسني عبدالحافظ
إذا أتاك خبر تمبكتو، فاستمع وتدبر، فأنت بحضرة مدينة فريدة، في قلب صحراء، في قارة سمراء، نعتها البعض بـ"أم المدائن"، وقال البعض بل هي"جوهرة الصحراء"، وأشار إليها آخرون بأنها"مدينة الـ 333 وليــًا من أولياء الله الصالحين"، ظلت لعدة قرون مركزًا للإشعاع الحضاري، وإلى جانب ثراء معالمها الأثرية، فإن مكتبات تمبكتو، التي تضم مئات الآلف من المخطوطات، التي دون جلها باللغة العربية، وكثير منها نادر ونفيس، وتصنف كإرث حضاري ذو أهمية بالغة في التأريخ العام للحضارة الإنسانية قاطبة، والمؤسف أن هذا الكنز الفريد، تعرَّض لعمليات حرق وإتلاف ونهب، خلال فترات استعمارية، وكذا أثناء الحرب الأخيرة التي شهدتها مالي، وقد تعالت الصيحات المطالبة بضرورة صيانة وحماية ما تبقى من هذا الإرث الحضاري.
فماذا عن مخطوطات تمبكتو.. ؟ والجهود المبذولة لصيانتها وحمايتها.. ؟
جدير بالإشارة، بادئ ذي بدء، أنه حتى أواخر القرن الحادي عشر الميلادي، لم تكن مدينة تمبكتو قد تأسست بعد، وكانت أولى بذور نشأتها العمرانية على يد قبيلة "ايمقشرن"، مع بدايات القرن الثاني عشر، وسرعان ما امتدت إليها حركة الاستيطان، ليس فقط بسبب موقعها على مفترق الطرق في الصحراء الجافة والوادي المركزي الخصيب لنهر النيجر، بل وأيضاً لكون النهر ذاته يشكل طريقاً سهلاً لنقل السلع والبضائع، من وإلى المناطق الأكثر استوائية، في غرب إفريقيا، وهكذا استقرَّ التُجار هناك في وقت مبكر، وبعد إقامتهم لمجتمع مستقر، وتبعهم في وقت لاحق الكثير من العلماء المسلمين..
وقبل زيارة الرحالة ابن بطوطة لها في حوالي العام 1325م، لم يرد ذِكر لمدينة تمبكتو في المصادر العربية.. قصدها حاكم مالي شهير منسي موسى، عند عودته من الحج، وأقام له سكنــًا، وبنى مسجدًا.
ويُعد القرن السادس عشر، وبخاصة إبان فترة حكم الحاج محمد أسكيا (1493 - 1528م)، العصر الذهبي للمدينة، سياسيــًا واقتصاديــًا وثقافيــًا.. ويُشير غير مصدر من المصادر التاريخية، ومنها كتاب (تاريخ السودان)، وكتاب (تاريخ الفتاش)، إلا أن حِرص ملوك سنغاي على احترام العِلم وإغداقهم على العلماء بالعطايا، ساهم بشكل كبير في انتشار المؤلَّفات الثقافية المتنوِّعة، والتي صارت جزءًا رئيسـًا من الثقافة المحليَّة، واتسع نطاق بيع ونسخ المخطوطات، حتى صارت تمبكتو مركزًا رئيســًا لتجارة الكتب، ليس في إفريقيا وكفى، بل والعالم الإسلامي قاطبة، ويشير الرَّحالة الحسن بن محمد الوزان الزياتي، المعروف بـ (ليون الإفريقي)، الذي زار المدينة، ومكث فيها بعض الوقت، إلى أن استيراد المخطوطات إلى تمبكتو، كان يتم من جهات عديدة، خاصة من شمال إفريقيا ومصر، وكان العلماء الذين يذهبون إلى مكة للحج، يقومون بنسخ نصوص كثيرة هناك، ليضيفوا هذه النصوص المنسوخة إلى مكتباتهم الخاصة، والتي سنأتي على ذكر أهمها لاحقـًا.. لقد انتشرت في تمبكتو مدارس العِلم، التي تخرَّج فيها مئات العلماء، الذين ذاع صيتهم في مجالات العلم المختلفة، وكانت جل هذه المدارس، والتي زاد عددها على 180 مدرسة، ملحقة بجوامع المدينة، التي من أشهرها جامع سناكوري، الذي يقع في القسم الشمالي في المدينة، وجامع جنكور ايير الذي بناه المعماري الأندلسي أبو إسحاق الساحلي، لأحد سلاطين مالي، وكان قد أُدِخل عليه تحسينات، ووسعت مساحته مرتين، خلال القرن السادس عشر، لكي يتسع للجموع الكبيرة من طلبة العلم، وجامع سيدي يحيى، نِسبة لأحد علماء المغرب، الذين سكنوا المدينة، وباشروا التعليم فيها.. وللأهمية التاريخية والمعمارية لهذه المساجد، فقد أدرجتها اليونسكو ضمن قائمة التراث العالمي عام 1990م، وخصص لها عشرات الملايين من الدولارات، لترميمها وصيانتها، إلاَّ أن النزاعات القبلية والحروب الأهلية التي تشهدها مالي لم تسمح بالبدء في عمليات الترميم والصيانة.
مـكـتـبـات.. ومـخـطــوطـــات
بحسب بعض المصادر، تخطي عدد مخطوطات تمبكتو الـ 100 ألف مخطوطة، أشار إلى ذلك الباحث والمؤرخ المالي المعروف محمد الزبير، وغيره.. وفي مصادر أُخرى هي أكثر من ذلك بكثير، بحسب إشارة إديك أنتونسون في كتابه الموسوم (إلى تمبكتو.. رحلة عبر غرب إفريقيا)، حيث قال"هناك 700,000 مخطوطة في تمبكتو، وقد سمي اكتشافها بالاكتشاف الأثري الأعظم منذ مخطوطات البحر الميت، إن هذه المخطوطات كان يُمكن أن تُعتبر من عجائب العالم في قائمة المراجع، إذا ما كانت قد حفظت على نحو جيد". ومخطوطات تمبكتو، لم تُجمع ضمن مكتبة واحدة، وإنما وزِّعت على عِدة مكتبات خاصة، وكثير منها احتفظت به مكتبات الجوامع.. وفي الوقت الحاضر، يُمكن تحديد مكتبات بعينها، تحتوي على القدر الأكبر مما تبقى من هذه المخطوطات:
المكتبة الملحقة بمركز أحمد بابا للتوثيق والبحوث التاريخية، ويُعرف أيضـًا باسم "سيدراب"، وهي الأحرف الأولى من اسمه باللغة الفرنسية، تم إنشائه عام 1973م، بدعم من المملكة العربية السعودية والكويت وجنوب إفريقيا، وقد أُحصي في مكتبته ما يزيد على 30 ألف مخطوطة، تم جمعها بفضل جهود بعض الشخصيات البارزة، من أمثال الدكتور محمود الزبير، أول مدير للمركز.. وتتنوع المجالات التي تحتويها هذه المخطوطات، لتشمل الفلك والطب والجغرافيا والفيزياء والكيمياء والرياضيات والقانون وعلم الفقه والنحو والأمثال والبلاغة والمنطق والفلسفة والاجتماع، إلى جانب معاجم السير، والرسائل الشخصية (المذكِّرات)، ويحسب تقيمه لها يقول عبدالقادر حيدره، الذي بدأ عمله في المركز، قبل أن يُشرِع بإنشاء مكتبة عائلة الخاصة، فإن" المخطوطات التاريخية منها، كانت الأكثر قيمة بشكل عام، تليها المخطوطات المزخرفة، والأعمال الكاملة القديمة جدًا، وبعدها أعمال المفكرين والعلماء المحليين، ثم المراسلات التاريخية، وأخيرا المخطوطات غير المؤرَّخة والمجهولة".. ويشير المدير المالي الحالي للمركز الدكتور محمد غاله ديكو، إلى أنه أمكن شراء عدد كبير من المخطوطات الهامة، من موريتانيا والسنغال والنيجر وغينيا والجزائر وساحل العاج.
مكتبة وانكاري للمخطوطات: أسسها وجمع المزيد من المخطوطات لها، الشيخ محمد بغيغ الوانكاري، منذ أن استقر في تمبكتو، وحتى وفاته (عام 1594م)، وقد أولاها أبناؤه وأحفاده بالرعاية، وتزويدها بالمخطوطات، إمــَّا عن طريق ما كان يأتي على سبيل الهدايا، أو عن طريق الشراء، وفي فترة متأخرة تنازع عليها أحفاد الأحفاد، وتقاسموا ما بها من مخطوطات، فصار قِسم منها في (جن)، وآخر في (جندام)، وظل القِسم الأكبر منها في تمبكتو.. وبجهود المختار بن يحيى الوانكاري، أمكن إعادة إحياء المكتبة الأُم من جديد، بتجميع شمل مخطوطاتها، التي ظلَّت مبعثرة لسنوات طويلة، وأسس لها مبنى خاص، تم افتتاحه رسميــًا في 26 سبتمبر 2003 م، وهي تحتوي على عدة آلاف من المخطوطات، بعضها نفيس ونادر، وبالإضافة إلى النصوص الدينية، تضم المكتبة بعض الوثائق التاريخية الهامة، ومجموعات نصية لعلماء من السودان والمغرب والشام ومصر، تشتمل على موضوعات متنوعة، أكثرها يتعلَّق بالفقه وتفسير القرآن والنحو.
مكتبة تمبكتو الأندلسية: والتي يُشار إليها محليــًا باسم "فوندو كعتي" أسسها إسماعيل ديادي حيدرة، من سلالة محمود كعتي، مؤرِّخ تمبكتو الشهير، وصاحب كتاب "تاريخ الفتاش"، والذي يروي أن أجداده رحلوا عن الأندلس، عقب سقوط قرطبة بيد الإسبان، وأن جدُّه الأكبر على بن زياد، استقر في قرية جومبو، على الحدود بين موريتانيا ومالي، وتزوج من السيدة خديجة، شقيقة حاكم قبيلة "السنغاي" أسكيا محمد، وانتقل إلى تمبكتو، جالبــًا معه أكثر من 7 آلاف من المخطوطات الأندلسية الأصلية، والتي تُسمى اليوم بمجموعة إسماعيل حيدرة، جلها من أملاك جدِّه الأكبر، والتي تم مؤخرًا وضع فهرست لها، بترتيب من الأقدم إلى الأحدث، وإلى جانب هذه المجموعة تضم المكتبة مجموعات نصيَّة أخرى، موجودة حاليـًا في مبنى المكتبة، الذي افتتح رسميــًا عام 2003م.
مكتبة ماما حيدة التذكارية: أسسها محمد حيدرة في القرن السادس عشر، وتناقلتها من بعده الأجيال التي تلت من عائلة حيدرة، التي اشتهرت بعلمائها وقضاتها.. جُلِبت جل مخطوطاتها من مصر والسودان والشام وبلاد المغرب، إضافة إلى نصوص دو َّ نها ع ُ لماء عائلة حيدرة، وقد أشرف على تنظيمها في مبناها الجديد عبدالقادر حيدرة، الموظف السابق في مركز أحمد بابا، الذي أشرنا إليه سلفــًا، لقد كرس عبدالقادر عقب مغادرته المركز كل وقته وطاقته في جمع آلاف المخطوطات، وأودعها في المبنى الجديد، الذي أطلق عليه اسم والده "ماما حيدرة"، وهو قاضٍ وعالم، له مؤلَّفات في الفقه وقواعد اللغة العربية توفى عام 1981م .
نماذج من المخطوطات النادرة
ومن بين مخطوطات تمبكتو القيِّمة والنادرة، نذكر على سبيل المثال لا الحصر:
مخطوطة "ميثاق ماندي"، وضعت في أواخر القرن الثالث عشــر، في عهد الإمبراطور ســونغاتا كاتيــا، وهــي بحسب المؤرِّخ الفرنسي جان ميشال جيـان، " وثيقــة اعتبرت طويــلاً أســطورة إفريقية، إلى أن عُثِــر على الدلائل الكتابية عــلى وجودها، وقد كانت ترجمتها ثمرة تعاون المكتبة الوطنية الفرنسية مع باحثين من مالي وفرنسا"، ويُضيف: " إن هذه المخطوطة تتحدث عن حقوق الإنسان والحريات واحترام الآخر".
مخطوطة " المبـادئ اللائقة في الحكم"، لمؤلِّــف مجهول، وهي محفوظة بمكتبة أحمد بابا، وتعود إلى القرن الخامس عشر، ترجمها إلى الفرنسية باحث مــالي يُدعى حســين تراوري، وتضم فصولاً تكشــف عن نُضج كبير للمؤسسات السياسية، وعلاقتها بالمجتمع، وهيئات العمل الإنساني، التي كانت قائمة آنذاك.. ورد في فصلها الأوَّل"صفــات الحاكـم الــذي يجــب أن يتحلَّى بالنزاهة والاعتدال، ويبتعد عن افتعال الأزمات"، وفي فصلها الأخير، تتحدث عن "صفات مجلس المستشارين، الذين يُساعدون الحاكم في إصدار أحكامه، وهم يُمثلــون كل فئات الشعب، الفقيرة والغنية على السواء، وكيف يُنظـم الحكــم في حالة أزمة، أو عند ســفر الحاكـم، وكيفية اختيار القُضاة".. ويرى غير واحد ممن درسوا هذه المخطوطة، أنها "أرست دعائم الحكم الديمقراطي، الذي عرفه الســاحل الإفريقي، قبل قرن كامل من كتابة مكيافيللي حرفــًا واحدًا في كتابه "الأمير".
مخطوطة " نيل الابتهاج بتطوير الديباج"، لأحمد بابا التنمبكتي، أحد أشــهر عُلماء الفقه المالكي في الساحل الإفريقي، والمخطوطة بمثابة تكملة لكتاب "الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب المالكي"، الذي ألَّفه قاضي المدينة المنورة أبو إســحاق برهان الدين إبراهيم بن عــلى بن فرحون اليعمري، المتوفَّى عام 799هـ (1396م).
مخطوطة " المواهب القدسية في المناقب السنوسية"، لأبي عبدالله محمد بن إبراهيــم بن عمر بن على الملالي، المتوفى عام 897هـ (1492م).
مخطوطة " الكشف والبيان لأصناف مجلوب السودان"، لأحمد بابا التمبكتي، وهذه المخطوطة تقع ضمن أربعة مجاميع.
مخطوطة " تفسير فاتحة الكتاب "، للمختار بن أحمد بن أبي بكر الكنتي، تقع في 240 ورقة، كتبت بخط مغربي جيِّد.
مخطوطة " أوثق عُرى الاعتصام للأمراء والوزراء والحكام"، لأبي عبدالله محمد بن المختار بن أحمد بن أبــي بكر الكنتي التنبكتي، تقــع في 73 ورقــة، كُتبت بخط مغربي جيِّد مزيَّــن بالألوان، وهي مصنَّفة ضمن مخطوطات السياسية.
مخطوطة " الجرعة الصافية والنفخة الكافية "، لنفس المؤلف السابق، تقع في 120 ورقة بخط مغربي جيد مزين بالألوان.
برغم أن ما هو موجود حاليــًا من مخطوطات تمبكتو، لا يُمثل سوى القليل، قياســًا بما كان موجودًا بالفعل، في فترات زمنية سابقة، إلاَّ أن هذا القليل يُقدَّر بعشرات الآلاف من المخطوطات.. لقد ضاعت
الكثير من هذه المخطوطات، لسببين رئيسيين:
أوَّلاً: الإهمال وعوامل بيئية متباينة، أشار إلى ذلك غير واحد ممن أرَّخوا لتمبكتو ومخطوطاتها، يقول إريك أنتونستون " إن عدد ليس بالهيِّن من هذه المخطوطات، أراد أصحابه حِفظه في مخابئ أرضية، تفتقر لأبسط اشتراطات السلامة، والنتيجة تحلل تجليدها، بفِعل الحشرات، وبخاصة حشرة النمل الأبيض، أو تعجنـَّها بفِعل الرطوبة".
ثانيــًا: السرقات، والتي كانت تتم عادة في أوقات الضعف السياسي، والانفلات الأمني، نتيجة الصراعات القبلية المحليِّة، كما كانت تتم بشكل منظم خِلال الفترات الاستعمارية، حيث شهدت المدينة أكثر من احتلال خارجي، منذ أواخر القرن السادس عشر الميلادي.. وقد رُصدت آلاف من هذه المخطوطات المسروقة، في مكتبات غريبة، وعلى وجه الخصوص المكتبة الوطنية بباريس، ومكتبة الكونجرس الأمريكية، وجامعة هارفارد الأمريكية، وأيضــًا في مكتبة جامعة نورث ويستزن بالولايات المتحدة، ونُقل بعضها إلى مكتبة جامعة كيب تاون في جنوب إفريقيا، وهذه الأخيرة أعلنت أنها طورت برنامجـًا لحفظ المخطوطات العربية في إفريقيا الغربية.. وبحسب تقديرات وزارة الثقافة في مالي، فإن نحو 10% على الأقل من مخطوطات تمبكتو، تعرضت للتلف والإحراق نتيجة الحرب الأخيرة، التي شهدتها البلاد.
جهود للصيانة والحماية
وفي إطار الجهود لصيانة وحماية مخطوطات تمبكتو الباقية، عقِد في مقر وزارة الخارجية الألمانية في برلين، أواخر 2013م، مؤتمرًا دوليــًا، استمر على مدى يومين، ناقش وضع إستراتيجية دائمة لحفظ وحماية مخطوطات تمبكتو، التي تم نقل جانب منها إلى العاصمة باماكو، وقد افتتح هذا المؤتمر وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر، بمشاركة منظمة الأمم المتحدة للثقافة والعلوم (يونسكو)، وعدد من الوزراء الماليين، وخبراء بحماية التراث من دول عربية وإفريقية وأوروبية، ومجموعة المانحين الدوليين.. وقد اختُتِم المؤتمر بتوصية عاجلة، لتوفير وسيلة للحفظ الدائم، لأكثر من 285 ألف مخطوطة، معرَّضة لخطر التلف، نتيجة ارتفاع نِسبة الرطوبة، وانتشار الحشرات التي تُهاجم الورق.. وكان انجاي رحمة الله جالو، وزير الثقافة في مالي، قد دعا إلى سرعة البدء في تنفيذ المشروع " لحماية المخطوطات في تمبكتو، والتي صنـَّفها اليونسكو ض ِ من الإرث الحضاري للإنسانية، كونها ذات أهمية بالغة لبلادنا وهويتها، ولتاريخ إفريقيا، والإنسانية". وكانت اليونسكو أطلقت مشروعــًا لرقمنة مخطوطات تمبكتو، يستهدف تحويل ما تضمه مكتبات أحمد بابا، وماما حيدرة، وتمبكتو الأندلسية، ودوانكاري، من هيئة نصوص ورقية، إلى الشكل الرقمي.. وخطت في ذلك شوطــًا كبيرًا حتى الآن، وفي إطار المشروع ذاته تم تشكيل عِدَّة فِرق بحثية، لدراسة هذه المخطوطات على نحو تفصيلي، والعمل على ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية.. وفي الثامن من محرم (1436هـ)، الموافق الأول َّل من نوفمبر 2014م، أعلنت اليونسكو فوز مؤسسة " أطراف "، وهي مؤسسة سعودية تعمل في مجال تجهيز وتوريد معدَّات ترميم المخطوطات والوثائق والأرشفة الالكترونية، بمناقصة دولية دعت إليها، وشارك فيها العديد من المؤسسات والشركات العالمية، وذلك من أجل تجهيز معامل لترميم مخطوطات تمبكتو.. وثمة جهود أُخرى تُبذل من قِبل مؤسسة " أغاخان"، ومؤسسة جمعة الماجد الإماراتية، ومركز الفرقان للتراث بلندن، ووقفية غيردا هينكل الألمانية، وكلها جهود محمودة لإنقاذ مخطوطات تمبكتو.
خاتمـة
ظلَّت تمبكتو على مدى عدة قرون، واحة للعِلم والثقافة جنوب الصحراء الكبرى، قصدها العلماء والطلاَّب على السواء، وإلى جانب ازدهارها التُجاري، ازدهرت بالمكتبات الخاصة، التي ضمت آلاف المخطوطات، دوِّن معظمها باللغة العربية، حتى إن كثيراً مِما كتِب منها باللغات المحليِّة، كان أيضـًا بأحرف عربية.. لقد تلف الكثير منها، وتم إحراق الكثير، وضاع وسرق الكثير، وما تبقى بحاجة إلى الحفظ والصيانة، فهو يُعد جزءاً لا يتجزأ من التراث الثقافي العالمي، يُشير ديمتري بوانداريف الأستاذ بمعهد دراسة المخطوطات بجامعة هامبورج الألمانية، والذي يُشارك حاليـًا في مشروع حِفظ مخطوطات تمبكتو، قائلاً: " إن هذه المخطوطات تُمثِل توثيقًا للتاريخ والعلوم والآداب في مالي، وجوارها الأفريقي والعربي، من القرن الثاني عشر حتى القرن العشرين الميلادي، إن جلها مكتوب بالعربية، وجزء منها باللغات الإفريقية، كالسونغاي، والتامشيك، والبامبارا، وقد غطت موضوعات متنوِعة، مثل العلوم الدينية والطبيعية والفلسفة ورسائل دبلوماسية وكتب رحلات وسياحة وطب وفلك وشعر وموسيقى وتقارير اقتصادية وغيرها"، ويُضيف لازارا أونلاند ممثل اليونسكو في مالي، " إن هذه المخطوطات دلَّلت على مدى الازدهار العلمي والثقافي، وأثبتت أن ريادة إفريقيا حاصلة في ثقافة التدوين، وليس ثقافة المشافهة وحدها"..

