تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

الملكة كليوباترا.. تاريخ من السحر والغموض

الملكة كليوباترا.. تاريخ من السحر والغموض

حجاج سلامة 

ارتبط اسم الملكة كليوباترا بالسحر والغموض، فقد عُرفت بجمالها الساحر، كما عرفت بالكثير من الغموض الذي أحاط بها في حياتها وبعد مماتها، حيث امتد أثر ذلك السحر والغموض من كتب التاريخ إلى الأعمال الأدبية والفنية القديمة والمعاصرة.

وبالطبع فإن تساؤلات كثيرة يبحث الآثاريون عن إجابات لها، لحسم الجدل الدائر هو كليوباترا.. وحياتها.. وقبرُها الذي يمثل لغزا كبيراً حتى اليوم.. والعلاقة التي جمعتها بيوليوس قيصر، والقائد مارك أنطونيو.. وهل كانت جميلة كما رسمتها لنا السينما، وهل تعرضت لحملات لتشويه مكانتها كملكة تحكم البلاد.. فروجوا الشائعات حول جمالها الأخاذ لتبدوا للناس كامرأة استخدمت جمالها لإغواء الرجال المحيطين بها.. وهل كليوباترا الحقيقة غير كليوباترا التي عرفناها.. وهل سيتمكن العلماء قريبا من رسم صورة حقيقية لها...؟

ويعكف آثاريون وعلماء مصريات، على دراسة حياة الملكة كليوباترا.. آخر ملوك الأسرة المقدونية، التي حكمت مصر بعد وفاة الإسكندر الأكبر في عام 323 قبل الميلاد، وحتى احتلال مصر من قِبَل روما عام 30 قبل الميلاد – والتي لقبت بكليوباترا السابعة، وكانت الأكثر شهرة في زمانها.

لكن يبدوا أن التوصل لحقائق تحسم الجدل الدائر حول كليوباترا، هو أمر صعب المنال، حيث يواجه الآثاريون وعلماء المصريات، عقبات عدة لتحقيق غرضهم، وتتمثل تلك العقبات في العديد من المعلومات التي سرعان ما تتغير نتيجة لظهور معلومات تهدم ما قبلها من أدلة قد تبدوا منطقة حينا، وحينا آخر تبدوا أقرب إلى الخيال، وبعيدة كل البعد عن الحقيقة.

مجموعات الآثاريين وعلماء المصريات، امتد عملها من الإسكندرية شمالي مصر، إلى تركيا التي يقال بأن شقيقة كليوباترا دُفنت بها داخل مقبرة شُيدت على الطراز المعماري المصري.

وتتزامن جهود رسم صورة للملكة كليوباترا.. وحسم كل ما يدور من جدل حولها، مع جهود فريق آخر من الآثاريين وعلماء المصريات، الذين يواصلون البحث عن مقبرة كليوباترا في منطقة أبو صير قُرب العاصمة المصرية القاهرة.

وفيما يرى فريق من العلماء أن كليوباترا دُفنت في الإسكندرية، يرى آخرون بأنها مدفونة في مقبرة قُرب القاهرة، وأن مكتشفات أثرية عثر عليها في معبد مصري، كانت بمثابة دلائل على وجود القبر قرب القاهرة، داخل موقع قديم مليء بالممرات والمقابر المخفية.. ويُشبه في تكوينه إحدى مدن الموتى، وأنه " نظرا لوضعها كسجينة لروما في وقت وفاتها، فمن المرجح أن كليوباترا قد دفنت بهدوء في مقبرة بسيطة جدا.. وذلك بحسب ما نشرته مؤخرا صحيفة ذي غارديان البريطانية.

معبد أرتيميس

آمال العلماء في التمكن من رسم صورة للملكة كليوباترا، ذهبت بهم إلى تركيا، وتحديدا بمعبد أرتيميس في مدينة أفسوس، حيث عُثر هناك على مقبرة يُعتقد أنها لـ "ارسينوي" شقيقة الملكة كليوباترا.. وقال علماء أن التحاليل الأولية تشير إلى أن العظام التي عثر عليها في قبر بمعبد أرتيميس، تؤكد أنها لشقيقة كليوباترا التي تعرضت للأسر والنقل من الإسكندرية إلى روما، ثم النفي ثم نفيها إلى معبد مدينة أفسوس التركية، حيث تم قتلها ودفنها هناك.

وتقول صحيفة الديلي ميل البريطانية، ان العلماء استخدموا تكنولوجيا متطورة من أجل التوصل إلى شكل " ارسينوي ".. وأن نتائج تحليل الحمض النووي – دى. إن. إيه – تشير إلى أن العظام التي عثر عليها في تلك المقبرة، تؤكد على أن أنها لامرأة ولدت من أم أفريقية، مثل الملكة كليوباترا، الأمر الذي يُدلل على أن القبر لشقيقة كليوباترا بالفعل.

ومن المعروف أن كان علماء الآثار، كانوا قد عثروا على قبر ارسينوي في عام 1929، أي قبل قرابة 92 عاما، وقد جرت بحوث عدة للتأكد من نسب صاحبتها وعلاقتها بالملكة كليوباترا.

ويعتقد العلماء من نجاحهم من تحديد شكل ارسينوي، سيساعد في رسم صورة للملكة كليوباترا.

وحتى يتمكن العلماء من تحقيق آمالهم.. يبقي الجدل دائرا بشأن شخصية كليوباترا.. وهل هي المرأة الجميلة.. التي استخدمت جمالها سلاحا في مواجهة من حولها.. أم كانت تتمتع بدهاء سياسي مكنها من حكم مصر.. وكيف كانت علاقتها بيوليوس قيصر، والقائد مارك أنطونيو.. وهي أمور تتباين فيها آراء الآثاريين وعلماء المصريات.

أعمال فنية

وعلى الرغم من جهود العلماء للوصول لصورة الملكة كليوباترا، فإن السينما من جانبها، قدمت صورة لكليوباترا معتمدة على المصادر التاريخية الرومانية.. وقد قامت الكثير من النجمات العالميات بتجسيد شخصية الملكة كليوباترا، وأظهرنها في صورة المرأة ذات السحر الذي لا يقاوم.. وربما كان فيلم كليوباترا، الذي انتح في العام 1963، وقامت ببطولته النجمة العالمية إليزابيث تايلور.. هو الفيلم الأكثر شهرة من بين الأفلام التي تناولت حياة الملكة كليوباترا.

وقد شهد العام 2020 جدلاً واسعا في الأوساط المصرية، بعد الإعلان عن قيام ممثلة إسرائيلية بتجسيد شخصية كليوباترا في أحد الأفلام الأمريكية، ورأى البعض بأن الساحة الفنية في مصر، وفى اليونان أيضا، غنية بالفنانات القادرات على القيام بدور كليوباترا، وأن المصريات واليونانيات هن الأحق بذلك الدور نظرا لأن جذور كليوباترا هي جذور يونانية ومصرية.

محبة للثقافة والموسيقي

وفي كتابه "ملكات مصر".. يرسم عالم المصريات، ووزير الآثار المصري الأسبق، الدكتور ممدوح الدماطي، صورة اخري لكليوباترا، ويقدم لنا الكثير من المعلومات عن حياتها.

"الدماطي" يشير إلى أن كليوباترا كانت محبة للثقافة والموسيقي، ومجالسة العلماء والفلاسفة، الذين كانت تدعوهم لزيارتها وتلتقي بهم في البلاط الملكي، وتفتح نقاشات معهم.. وذلك سيرا على خطي والدها بطليموس الثاني عشر.

وكليوباترا هي أول حاكم من الأسرة البطلمية تجري في عروقه دماء مصرية، حيث أنها ولدت في الإسكندرية من أمٍ مصرية كانت بنت كبير كهنة بتاح في منف.

وكانت كليوباترا مقربة لأبيها وأغلب الظن أنها رافقته في فترة نفيه من مصر، وعايشت معه فترات صعبة في المنفي.. حتى عاد لمصر واستعاد حكمه للبلاد.. وبعد وفاته ترك بطليموس الثاني عشر، وصية بأن بجلوس ابنه الأكبر بطليموس الثالث عشر، وابنته كليوباترا السابعة، على العرش.. وبالفعل جلس الشريكان على عرش ابيهما وحكما معا.

واعتبر الدكتور ممدوح الدماطي، أن كليوباترا هي أشهر ملكات مصر والعالم القديم، واكثرهن إثارة للجدل بين المؤرخين والمتخصصين.. وأنها جمعت بين صفات من عدة ملكات حكمن مصر، فأخذت من صفات الملكة حتشبسوت، والملكة نفرتيتي.. و " هي الشابة القوية، الذكية، الطموحة، المحبة، الرقيقة، التي تجيد استخدام كل الحيل للوصول لهدفها ".

في قصر الحكم

ومن المعروف تاريخياً، أن الملكة كليوباترا شاركت ستة حكام ممن حكموا مصر، هم أبيها بطليموس الثاني عشر، وشقيقيها بطليموس الثالث عشر، وبطليموس الرابع عشر، وابنها قيصرون، بجانب عاشقيها يوليوس قيصر، ومارك أنطونيو.

وفي روايته لقصة حياتها لا يستعبد عالم المصريات، والوزير الأسبق، الدكتور ممدوح الدماطي، ميل كليوباترا لاستخدامها لسلاحيها المتمثلين في انوثتها وذكائها، وأنه بهما مكنت كليوباترا لنفسها في قلوب عاشقيها.. ثم في السلطة والحكم.

وحاولت كليوباترا أن تحكم وحدها منذ اليوم الأول من جلوسها على عرش مصر بجوار شقيقها بطليموس الثالث عشر، ونجحت في ان تسود وأن تكون هي الحاكمة الفعلية، واعتبرت نفسها امتدادا للأسرة البطلمية.. كما سعت لكسب تأييد شعبي أوسع بالتودد والتقرب للمصريين وكهنتهم، وذلك من خلال اهتمامها بالمعابد المصرية، فوضعت مشاريع لعمارة المعابد الكبرى، وأولت اهتماما لمعابد الصعيد، واستكملت بناء معبد دندرة المكرس لعبادة الربات ايزيس وحتحور، بل واعتبرت كليوباترا نفسها الصورة الأرضية للربة ايزيس، وأعلنت أنها " إيزيس الجديدة ".

وكان نسب الملكة كليوباترا المزدوج، كونها بطلمية الأب، ومصرية الأم، - كان ذلك – سببا في افتخارها بأنها تجمع بين العرقين الكريمين: الهلينستي، والمصري، وقد زادت من افتخارها بمصريتها، وبحسب علماء المصريات، فإنه ربما كان ذلك سببا في الاستزادة في تعليمها، وثقافتها التي تفردت بها، كحفيدة لكبير كهنة منف، وقد تميزت بين الحكام البطالمة بإجادتها للغة المصرية آنذاك.

وفى السنوات الأولي من حكمها، نقشت لها لوحة محفوظة الآن في متحف اللوفر بالعاصمة الفرنسية باريس، صورت عليها كليوباترا في صورة رجل يرتدى التاج المزدوج، والمئزر الملكي، وهي تقدم القرابين للربة إيزيس، متبعة في ذلك الأسلوب الذي سبقتها إليه الملكة حتشبسوت.. وفي تلك اللوحة أظهرت كليوباترا نفسها كحاكمة منفردة كملك رجل.


الملكة كليوباترا.. تاريخ من السحر والغموض
Ehsan Logo