تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

الفنون الزائلة.. والمبدع المجهول!

الفنون الزائلة.. والمبدع المجهول!

العنود محمد

اشتغل الإنسان بالحرف اليدوية، وأنتج ألوانًا من الفن الموسمي غريزيًا منذ أن صنع لوازم حياته، وأدوات الحفاظ على وجوده وبقائه، والدفاع عن نفسه في مواجهة الضواري والأعداء الطامعين في ملكه ومكانه ومراعيه. وتطّورهذا الفن تاريخيا مع تطّور حرفية الإنسان في منتجه، حتى ظهر وقتها مايشبه التخصص الحرفي، وذاعْت شهرة الصّناع المهرة خارج حدود إقامتهم، فجاءهم أصحاب الحاجة من أماكن قصّية طلبًا لمشغولات يحتاجونها مثلهم، فتبادلوا معهم السلع، وتعاونوا معهم في توفير المواد الخام، وفي صناعتها.

ومع مرو ر  الزمن؛ أصبحْت تلك الحرف الدقيقة من الاتجاهات الفنية برع فيها قّلة من الناس، وتوارثوها وطّوروها جيًلا بعد آخر، كما انضّمْت إليها أشكال أخرى من الإبداعات الموسمية دعْت إليها الحاجة في العصور المتعاقبة، وساعد على تطّورها وتنّوعها الاكتشافات المتتالية،  وتطّور العلوم والمعارف، ووسائل التواصل بين الشعوب، إلى أن أملْت ضرورات العصر الحديث رغبات جديدة أفرزْت مواهب إبداعية تواكب روح العصر، وتعتمد على إدخال مواد وأشياء مختلفة في حّيز محّدد،ُ يصار إلى إزالته بعد انتهاءعرضه على جمهور المكان. من هنا جاءت إحدى تسميات هذا النوع من الإبداع بـ “الفن الزائل”. ويهتم هذا الفن بمشاركة الجمهور، ويتناول مواضيع مختلفة عبر الاستعانة بالتقنيات التكنولوجية الحديثة.

إّن الفنون الزائلة لا أب لها، وصانعها مجهول، وتقديرها مؤقت، ويتلاشى الإعجاب بها بمجرد زوالها من المكان، وينتهي بها الأمر إلى أيدي المقّلدين دون حماية لحقوق مبتكرها، ولكن منها ما يدوم عقودًا أو قرونًا طويلة، كالسجاد ولوحات الفسيفساء والنقش على القماش، ومنحوتات الرخام والصخر والحجارة، والأسلحة والدروع والأواني والأدوات النحاسية، ومنها أيضًا ما يزول بعد إنجازه بساعات أو أيام، كالتشكيلات الرملية والثلجية، وتنسيق الزهور والعروض الضوئية والديكور، وفنون السيرك، والرسم على الجدران.. وغيرها. ومايفّسرضعف الأثر الذي تتركه تلك الفنون، ونسيان مبدعيها، وعدم ذيوع شهرتهم، وضعف دوام قيمتها؛ نجده في قول الفيلسوف الفرنسي هنري مالديناي: «إّن ما يجعل أي عمل، عملاً فنيًا قّيمًا ليس ارتباطه بسياق تاريخيأ واجتماعي محّدد، والثبات ليس مرادفًا للوجود الفعلي».

ونتيجة لما سبق تقديمه؛ فقد اتخذ هذا الفن مسمّيات متعّددة فرضتها النظرة إليه، والترّدد في قبوله والاعتراف به. ومماُ أطلق عليه من أسماء هي: الفن الزائل والهشو العابر والموسمي والموازي والتخصصي، ولكّل جماعة مبّررها في اختيار الاسم أوالصفة. ويعزو نّقاد الفن عدم تصنيفه كفن أصيل، ورفض ضّمه إلى الفنون السبعة الأساسية؛ كونه أقرب للمهارة والموهبة، وغلبة الفوضى على إنتاجه، وغياب المعايير الدقيقة التي تؤسس لديمومته، إضافة إلى أنه لا يخضع لمدرسة أو مذهب أو تقاليد فنية، وليس له منهج أو رّواد لتكريسه وحوكمته. وتكاد هذه المنظومة الفنية تختفي من الفن المعاصر لضعف الدعم والاهتمام بها، وفي قول النقاد حوله بعض الحقيقة، ولكن رؤيتهم لا تنطبق على كّل أشكال هذه الفنون، والتي تحتاج بعضها إلى مهارة وذائقة فنية عالية.

ولو تتّبعنا أعمال الفسيفساءً كمثالً على روعة هذا الفن وعراقته، لوجدنا فنا قديما يرجع لأيام السومريين ثم الرومان، حيث شهد العصر البيزنطي تطّورًا كبيرًا في صناعته؛ وقدأدخلوا فيه الزجاج والمعادن، واستخدموا الفسيفساء بشكل كبير في القرن الثالث والرابع الميلادي باللون الأبيض  والأسود، فبرعوا في تصوير حياة البحر والأسماك والحيوانات والطبيعة، حتى جاء القتبانيون العرب اليمانية الذين صنعوا أشكاًلا هندسية، قلدتها جماعات أخرى في مناطق مختلفة حول العالم، كما تأّلقْت بعدها الفسيفساء الإسلامية، كالتي تزّين الجامع الأموي بدمشق، وقّبة الصخرة في القدس. وقد مّر تطّور الفسيفساء بمراحل عديدة حتى بلغ قمته في العصر الإسلامي في عصوره المزدهرة، حيث اهتم بالتفاصيل الصغيرة للأشياء.

إّن العمل الفني الزائل لا يتواجد إّلا لمّرة واحدة يمكن إعادة إنتاجها لمّرات متعّددة، ويكون زواله إما إثر عامل طبيعي بحكم المادة المستعملة فيه، كالتشكيلات البنائية الرملية على الشواطئ، أو المجسمات الثلجية، وإما عبر تحطيم الفنان لعمله بنفسه بطريقة تكتمل بها اللوحة أو النحت، وذلك بعد أن يقّدمها للمتلقين، وقد يكون فعل التحطيم عنصرًا من عناصر العمل الفني، بحيث يكون فعل التحطيم خيارا تشكيليًا لازمًا. ويبحث الفّنان (العابر) عن المواد الخفيفة التي تزول بسرعة وتعلن زوال العمل الفّني، وأحيانا يلجأ الفنان إلى تحطيم عمله بنفسه، ليختفي أثره المادي، وتبقى الصورة في ذهن الفنان والمتلقي لبعض الوقت، وتنتقل الدهشة إلى ذاكرة الأجيال التي لم تشهد إنجاز العمل الفني عبر الصورة أو رواية الشهود، أما الأثر الذي تتركه الأعمال الفنية التاريخية القديمة فهو أكبر وأعمق بسبب التفاعل النوستالجي المشحون برائحة الأمس العتيقة، والفخر الفطري بعظمة الأجداد الأولين وصبرهم، ولذا فهم يسهموا بحمايتها وتوثيقها وحفظها من عوامل التلف والخراب الذي تسّببه تقّلبات الطبيعية على مّر الزمن، وذلك عن طريق الصور الفوتوغرافّية، أوالأفلام المصّورة، أوالتدوين، أوغيرها من وسائل الّتوثيق المتوّفرة. ولذلك فقد وسّم «فولتون Fulton» هذه الأثار الفنية بـ «المنحوتات الذهنّية».


الفنون الزائلة.. والمبدع المجهول!
Ehsan Logo