الفنان والمصور حسن داود: “الفوتوغرافيا التشكيلية” تغزو العالم العربي!
حوار: مروة رسلان
التشكيلي والمصور حسن داود قامة من قامات الفن والإبداع في عالمنا العربي فهو يملك ناصية الريشة والعدسة وتتميز أعماله بالمزج بين الرسم والصورة فيما أصبح يعرف بالفوتوغرافيا التشكيلية، وكان لكاميرا حسن داود دورًا بارزًا وكبيرًا في إضفاء جمالياته على كوادر تصويره المختارة والتي عكست جوانب وجدانية كثيرة، وارتبطت مع بقية عناصر التكوين والتشكيل الضوئي، لتشكل نسيجًا وعامًلا خاصًا من السحر تقفز من خلاله أعماله الإبداعية لتحتل مكانة بين نجوم الفوتوغرافيين الكبار في عالم الفوتوغرافيا.
مجلة “أحوال المعرفة” أتيح لها أن تلتقي الفنان التشكيلي ومؤسس أكاديمية حسن داود للفنون والآداب، فكان هذا الحوار معه حول آفاق الفن التشكيلي في الوطن العربي.
حسن داود هو فنان تشكيلي ومصور في الوقت ذاته، فما العلاقة بين الرسم والفوتوغرافيا؟
الرسم هو ترجمة ما يخطر بالعقل وما يجول بالوجدان من أحاسيس ومشاعر ومضامين وأشكال تراها العين وتخزن بالدماغ وهو لغة عالمية يقرؤها المتعلم والأمي، لها أصولها وقواعدها الرصينه والتي لا غنى عنها لأي فنان تشكيلي.
وعند دراسة الرسم نتعلم دراسة التكوين، ونتعلم اختيار الزاوية الأفضل لما نرسم، ونتعلم دراسة الإضاءة من أين وعلى أي منطقه فيما نرسم وسواء إضاءة طبيعية أو صناعية.
وهناك تشابه كامل بين مجالات الرسم والتصوير فالتصوير هو رسم ولكن بلغة الضوء والظلال ومن أراد أن يقدم على ممارسته لزم عليه دراسة علوم الرسم ومدارسه وفنونه. وأؤكد أن من يمارس الفوتوغرافيات ولم يتشبع بفنون الرسم هو فاقد لمعاٍن كثيرة ولن يستطيع التقدم أو الإبداع.
حدثنا عن معرضك الأخير” من.. إلى “ والذي افتتحه رئيس الوزراء الأســبق الدكتور عصام شرف.
في الحقيقة.. عنوان المعرض يرمز إلى محتواه فقد كان هذا المعرض نقلة نوعية لأعمالي من الفوتوغرافيا التقليدية إلى الفوتوغرافيا التشكيلية، فكل ما قدمته هو نتاج تجارب لدراسات امتدت لعامين كاملين.
وقد عرضت أكثر من ثلاثين عملا بقياسات كبيرة 100x100، 70x70، 70x50 بموضوعات مختلفة لتوصيل رسالتي بأن الفوتوغرافيا مجالها واسع وبحرها كبير لا حدود له، وكل فنان يتبحر في عالم الفوتوغرافيا سيجد أن الفوتوغرافيا ليست قاصرة على الصور المباشرة، ورغم أن هذا الخط مختلف تماما عن خطوط الفنانين الذين يشتغلون بالفوتوغرافيا التشكيلية أو فن Digital art لازلت أطور في تلك الأفكار، وسأقدم بإذن الله في المعرض القادم نتاجا أكثر عمقا وأكثر تطورا.
بوصفك محكمًا دوليًا، وشاركت في 35 معرضا دوليا حول العالم.. كيف ترى الأعمال الخليجية وخاصة في المملكة العربية السعودية، وهل ترتقي للمستوى العالمي؟
يجب أن تعلمي أن الفن جزء لا يتجزأ، فأي عمل ذو قيمة فنية يهدف لتقديم رسالة سامية، فالفنان لسان مجتمعه يعبر عن مجتمعه ويبرز الثقافة العامة للمجتمع ويعبر عن قضاياه، فمن الطبيعي أن يكون متأثرا ببيئته.
ولهذا نجد أن لكل فنان طابعًا خاصًا، وقيمة فنية معينه يقدمها، فكل فنان يمثل نفسه، ويمثل خلفيته الثقافية، وتجاربه، وفلسفته، وفكره، ورؤيته، لذلك لا أستطيع أن أحكم على فنانون منطقة بأكملها من خلال مجموعه فنانين، فهناك فنانين في الخليج بشكل عام والسعودية بشكل خاص لهم مشاركات عالمية، ورغم هذا نستطيع أن نقول إجمالا إن المستوي العام في الخليج يرتفع ويتطور، خاصة في المملكة العربية السعودية، وقد قمت بالتحكيم في مسابقتين محليتين بالمملكة وكان مستوي المشاركين مبشرا بشكل كبير، لكن أنصح الفنانين الخليجيين الذين مازالوا متأثرين بالتراث المحلي أن يخرجوا من دائرة المحلية مثل أعمال بعض الفنانين الذين عبرت أعمالهم الحدود.
لاحظنا في أعمالك الأخيرة أنك قدمت الفوتوغرافيا بثوب مدرسة تشكيلية سريالية تعبيرية.. فما هي فلسفة تلك المدرسة؟
هذا صحيح.. فقد اعتمدت هذه المدرسة على التجديد المدروس والتركيز على المعنى والمضمون، وتقديم مشاهد تناقش قضايا الإنسان وذاته، والإنسان ومجتمعه، وبعض الأمور التي تؤثر على فكره وفلسفته ونقاط قوته وضعفه أمام نفسه وأمام الآخرين ومجتمعه، والأهم من ذلك هو تبسيط الأفكار والتركيز علي المضمون وتقديم قيم فنية تحمل رسائل ظاهرة ورسائل مخفية تجعل المتلقي يتحاور مع العمل ويجد بداخلها تفاسير مختلفة تنبع من رؤيته وثقافته وحسه.
استخدمت التكنولوجيا في ابتكار نوع جديد من الفوتوغرافيا وهي الفوتوغرافيا التشكيلية.. فكيف ساهمت التكنولوجيا في تطور هذا الفن؟
التكنولوجيا متاحة للجميع.. لكن الفكرة تكمن في استغلال هذه التكنولوجيا لإنتاج فكرتك وصناعة أسلوبك الخاص، حتى يكون العمل أكثر عمقا من ناحية القيمة الفنية، ولذلك استخدمت التكنولوجيا الحديثة المتطورة للمزج بين عمق التشكيل والفوتوغرافيا، فقمت بدراسة الفنون التشكيلية ومزجت بين التشكيل وما أمتلكه من علوم وفنون الفوتوغرافيا لأقدم أعما ًلا جديدة تمزج بين الفوتوغرافيا والتشكيل بشكل متوازن.
يــرى البعــض أن كل مــن يملك كاميــرا أصبح “مصورا”.. ما رأيك في انتشار هذه الظاهرة؟
أي عمل فني ليس مبنيا على دراسة هو عمل فاشل، فالموهبة وحدها لا تكفي وإذا لم تصقل بالدراسة تموت قبل أن تحيا، ورسالتي للجميع أن الفوتوغرافيا مجال واسع وبحر كبير علمها لا حدود له، فيجب على كل مصور أن يقوم بعمل دراسات أو يثقف نفسه أكثر ليقدم الجديد دائما، والمصور الذي لا يدرس ولا يتعلم سيبقى بمكانه ولن يتقدم، ولن يصل للمكانة التي وصل إليها المصورون في العالم.
لماذا يلجأ المصور إلى التصوير الأحادي اللون في بعض أعمالهم، ولماذا يفضلونه على الصورة الملونة؟
نحن نعلم أن الصور الفوتوغرافية التي تنتجها الكاميرات الحديثة والتي نستخدمها الآن هي صور ملونة بتقنية ألوان حديثة، وكثير من المصورين يفضلون عرض صورهم بعد تحويلها من الألوان الكاملة إلى الأحادي أو الأبيض والأسود (Black and White) اعتقادا بأنها أكثر رسوخا، أو التشبه ببعض المصورين الكبار المتمرسين الذين يفضلون هذا النوع من التعديل للصور. أما في اعتقادي الشخصي فأعتبر الصور الأحادية هي صور مجردة من الألوان تعطي انطباعا مباشرا للمضمون خاليًا من تشويش الألوان، فتأخذ البصر بيسر وسهولة لموضوع الصورة، كما أن التكوين الأحادي دائما ما يكون قويا لأنه لا يعتمد علي التشبع اللوني والتنافر بين درجات الألوان مما يؤثر على الصورة الملونة بالسلب أو بالإيجاب.
إذن لابد أن يمتلك المصور ميزانا بصريا ليحدد كون العمل ملونا أو أحاديا؟
بالتأكيد.. فليست كل الأعمال تصلح أن تكون أحادية اللون وعليه أن يأخذ قراره بذلك وعلى مسؤوليته، فأحيانا تكون الألوان عنصرا رئيسيا في العمل يجب ألا نتنازل عنها، كالتفاصيل الزاهية الألوان والتي يعتمد عليها التكوين لا يصح إخفاؤها بحذف الألوان، ولا ننسي أن الأحادية لا تعني فقط الأبيض والأسود، بل يوجد ألوان أخرى تعطي نفس التأثير وذات الإحساس.
برعت في فن “البورتريه” ولكن كثيرا من الناس يعتقد أن “البورتريه” هو رســم الأشخاص أو تصويرهم.. كيف ترى ذلك؟
البورتريه ليس مجرد تصوير شخص فهو يحتاج إلى الخبرة الفنية لاستخراج الشق النفسي الذي يعبر عن شخصية “الموديل” الذي تقوم بتصوره واختيار قصة أو موضوع قوي يثير مخيلة المتلقي كما يحتاج إلى الإبداع لاختيار الإضاءة والزاوية المناسبين مع ارتباطهم بالخلفية والملابس والإكسسوارات، لاستخراج كل الجماليات من الحالة لتحقيق الإبهار البصري وبالتالي ليس تصوير أي شخص يطلق عليه فن تصوير البورتريه.
بصفتك مهندسًا معماريًا..هل التصويرالمعماري يحتاج إلى مهارات خاصة؟
في اعتقادي.. إن التصوير المعماري الحديث له مواصفات خاصة بموهبة وخيال وإحساس المصور بالفراغات والكتل وزوايا التصوير والمنظور الخاص بتكوين المبني وخطوطه الخارجية وتركيبته المعمارية، والتي تظهر جماليات العمل وفنونه وكذا نسب المبنى المراد تصويره، والإضاءة الواقعة عليه، والتوقيت المناسب للالتقاط النهاري، وكذلك خبرة الإعدادات للحصول على التعريض المناسب وكيفية التصوير الليلي واستغلال الإضاءة المتاحة لإضافة جماليات للعنصر المعمارية، كلها مهارات توحي بثقافة المصور المعماري وفكره وإحساسه بعناصر العمل وتكوينه.
إلى أي مدى تتفق مع مقولة “بابلو بيكاسو” أن الرسم طريقة أخرى لكتابة المذكرات؟
أتفق تماما.. لأن الصورة هي توقيف جزء من الزمن في ذاكرة الإنسان فعندما ترى الصورة سيرجع بك الزمن إلى أحداث الصورة، وهذه اللحظات بشكل عام هي ذاكره وذكرى، وبالتالي أنا كإنسان أفضل تجربة التعبير عن ذاتي من خلال الفن، فالفن يساعدنا علي اكتشاف أنفسنا والارتقاء بها وبالتالي سأكون متصالحًا مع ذاتي، لذلك نجد أن أسلوب الفنان دائم التغيير، ولا يستمر علي وتيرة واحدة على اختلاف المرحلة التي يمر بها الفنان ولذلك هي أقرب لكتابة المذكرات لأنها تصف ما نشعر به في كل مرحلة من حياتنا.
للفن دور هام للارتقاء بالذوق العام ورغم ذلك لم يصل الفن إلى العامة.. ما تفسيرك لذلك؟
أتفق معك.. لذلك كان من أهم أهداف مؤسسة حسن داود للفنون والآداب والتي قمت بتأسيسها عام 2016 الارتقاء بأذواق الناس عن طريق الفن، فعندما أعلم الناس الفن سيكون التعامل المجتمعي بينهم أرقى وهذا سيؤثر على أذواقهم.. وللأسف الشديد نحن مجتمعات استهلاكية، لا نهتم كثيرا بالفنون والآداب على عكس البلاد الأوروبية رغم أننا أمة اقرأ.

