إطلالة على المعالم الثقافية بمملكة البحرين
حجاج سلامة
يرجع تاريخ الاستيطان البشري على أرض مملكة البحرين إلى أكثر من 4000 سنة مضت، حيث تتالت عليها حضارات مختلفة كان لها دور مهم في تشكيل هوية البحرين وإرثها الإنساني بداية مع حضارة دلمون ثم تايلوس وأوال والحضارة الإسلامية.
وتفخر البحرين بكونها قطبًا جاذبًا للزوار من مختلف أنحاء العالم، نظرًا لما تتمتع به من مقومات حضارية ونهضة في مختلف القطاعات، كما يساهم التعدد الثقافي والتنوع العرقي الذي تشهده المملكة، إضافة إلى انخفاض تكلفة المعيشة وتوافر الخدمات التعليمية والصحية، في جعل البحرين إحدى الوجهات المفضلة.
وتحظى المنامة وهي عاصمة مملكة البحرين وكبرى مدنها بسمعة إقليمية وعالمية مميزة كوجهةٍ للسياحة الثقافية، وقد اختيرت المنامة كعاصمة للثّقافة العربية 2012م، عاصمة للسّياحة العربية 2013م، وعاصمة للسّياحة الآسيوية 2014م. بينما تم تسمية المحرّق وهي العاصمة الأقدم للبحرين وأكبر جزرها المأهولة كعاصمةٍ للثقافة الإسلامية 2018.
وفي هذا الإطار تعمل حكومة مملكة البحرين، ممثلة في هيئة البحرين للثقافة والآثار، على تحديث وتطوير البنى التّحتية الثّقافية بشكل دائم، إضافة إلى تفعيل دور الثّقافة في التّنمية الاجتماعية والاقتصاديّة الشّاملة.
وتتبنّى هيئة البحرين للثقافة والآثار دعم الحركة الثقافية البحرينية من خلال تعزيز دور المتاحف والتراث الشعبي والمكوّنات الثقافية الأخرى للمجتمع البحريني، من أجل إثراء معرفة المجتمع المحلي بأصوله وحضارته التي يقدر عمرها بآلاف السنين.
وتسعى إلى الانفتاح على الثّقافات الأخرى حول العالم عن طريق استقطاب الفعاليات الثّقافية العالميّة المتنوّعة، إضافة إلى عملها المستمر لتوسيع قاعدة جمهور الثّقافة في المملكة، إضافة إلى الترويج للبحرين ورسم صورتها كبلد حضاري متميز يتّسم بالحيوية والنشاط الإنساني المتنوّع، والمنفتح على ثقافات العالم.
وتضم المملكة العديد من المعالم الثقافية التي تجذب جموع الزوّار.. هنا وعبر هذه السطور نقوم بجولة بين أهم المعالم والمنشئات الثقافية على أرض البحرين.
مسرح البحرين الوطني
ونبدأ جولتنا من مسرح البحرين الوطني، الذي افتتح في نوفمبر 2012م، برعاية كريمة وسامية من صاحب جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد.
وقد استضاف مسرح البحرين الوطني العديد من العروض العالمية في فنون المسرح والغناء والأوبرا وغيرها. فعلى صعيد الحفلات الغنائية والموسيقى، استقبلت خشبة المسرح فرقة أوركسترا القرن الروسي، أسطورة العزف "ياني"، حفل مغني الأوبرا الإسباني بلاسيدو دومينغو، وعرض الباليه الروسي لفرقتي البولشوي والمارينسكي، وفرقة إلديفو.
كذلك فإن المسرح يوفّر مساحة للفعاليات الثقافية، حيث استقبل في سنة 2013 معرض البحرين السنوي للفنون التشكيلية 39 وعرض الأزياء الشعبية الكورية، وعدد آخر من المؤتمرات الصحفية وحفلات توزيع الجوائز.
وأقيم مسرح البحرين الوطني على مساحة تقدّر ب 12 ألف متر مربّع. ويقع المسرح الذي يتّسع في قاعته الرئيسية لألف مقعد ومقعد إلى جانب متحف البحرين الوطني بإطلالة بحرية مميزة. وتعد تصاميمه الهندسية وجدرانه الداخلية الخشبية محاولة لمحاكاة أجواء حكايات "ألف ليلة وليلة".
ويضم المسرح إلى جانب قاعته الرئيسية، كافيتريا وصالة خارجيّة تطلُّ على بحيرة المسرح. كذلك فإنه يحتوي على صالة صغيرة تتسع لمئة شخص مخصصة للتدريب، والمؤتمرات الصّحفية والاحتفالات الصّغيرة.
يعد مسرح البحرين الوطني أحد أكبر المسارح في العالم العربي، وهو ثالث أكبر دار أوبرا في الوطن العربي بعد دار الأوبرا المصرية ودار الأوبرا السلطانية العمانيّة.
ويعتبر مسرح البحرين الوطني أهم تتويج لجهود المملكة في سبيل إثراء الثقافة المحلية على مدى عقود ماضية، إذ شهد تاريخها الحافل بالإنجازات تأسيس اول مدرسة في الخليج في العام 1925م، وتأسيس أول إذاعة أيضا في العام 1941م، إضافة إلى عدد كبير من الصالات الثقافية ومراكز العمل الثقافي.
متحف البحرين الوطني
ومن معالم المملكة أيضا، متحف البحرين الوطنيّ الذي رسميّاً في 15 ديسمبر 1988 على يد المغفور له صاحب السمو الشّيخ عيسى بن سلمان آل خليفة أمير الباد. ويعتبر متحف البحرين الوطنيّ، والذي تمّ تصميمه من قبل مكتب "كرون وهارتفيغ راسميوسن"، من أرقى المتاحف في منطقة الخليج، وهو اليوم يعدّ أحد الصّروح الثّقافيّة الشّامخة في مملكة البحرين.
يقع المتحف على شبه جزيرةٍ اصطناعيّةٍ في موقعٍ استراتيجيٍّ مركزيٍّ مطلٍّ على جزيرة المحرّق، وتُميّزه واجهته الرّخاميّة البيضاء وفناؤه الخلّاب.
ويتكوّن مجمّع المتحف من بنائين متّصلَين تصل مساحة أرضيّتهما إلى حوالي 20 ألف مترٍ مربّع. يضمّ المبنى الرّئيسيّ قاعاتٍ العروضٍ الدائمة والمؤقتة بالإضافة إلى قاعة محاضرات، متجر هدايا، ومقهى. أمّا المبنى الإداريّ فيضمّ المكاتب الإداريّة، أماكن البحوث، مختبرات التّرميم، ومخازن المقتنيات.
ويختصر متحف البحرين الوطني ذاكرة البحرين وتاريخها الممتدّ عبر أكثر من 6 آلاف سنة ويتجلى من خال قاعات المدافن، دلمون، تايلوس، الإسلام، العادات والتّقاليد، المهن والحرف التقليديّة، والوثائق والمخطوطات.
وتتصل قاعات المتحف برّدهة رئيسيّة، وهي مساحةٌ متراميةٌ ودراماتيكيّةٌ تجمّلها أشعّة الضّوء الطّبيعيّة، وتضمّ معرض «الاستثمار في الثّقافة
متحف قلعة البحرين
وهناك متحف قلعة البحرين الذي افتتح في فبراير 2008م بهدف حماية الملامح التّاريخية للموقع الأثري، إضافة إلى توثيق الحقب الأثريّة عبر الحفاظ على القطع الأثريّة المكتشفة في موقع قلعة البحرين.
ويقع متحف قلعة البحرين مقابل قلعة البحرين التّاريخية، التي تعد واحدة من أهم الحصون السّياسية والعسكريّة التّاريخية المعروفة في منطقة الخليج العربي. هذه القلعة هي جزء من موقع قلعة البحرين، الذي أدرج على قائمة التّراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للثّقافة والتربية والعلوم (اليونيسكو) عام 2007م. ويشكّل المتحف من موقعه الذي يطلّ منه على أجمل المشاهد الطبيعية والعفوية التي تنسجم فيها البيئة البحرية مع الحزام الأخضر للمنطقة. ويعدّ ذلك من المساحات البيئية التي لم يطَلها التغيير العمراني.
وتتحدّث مقتنيات المتحف عن خمس حقب تاريخية مختلفة متواجدة في خمس صالات مختلفة، هذه الصالات توظّف الآثار المكتشفة في موقع قلعة البحرين لتقديم شرح تاريخي يعتمد على التسلسل التاريخي للقطع الأثرية ما بين الممرات.
وأما لتصميم الثلاثي لمتحف قلعة البحرين فيقع على طابقين، ويعمل على نسج علاقة قوية ما بين أجواءه في الداخل والطبيعة المفتوحة في الخارج. كما تسمح واجهة المتحف الخلفية المطلة على البحر بفتح معبرٍ ما بين القرية الداخلية حتى الشاطئ.
وهناك أجزاء أخرى من المتحف فهي الباحة الرئيسية له والمقهى المتصل بها، والذي يطل على واجهة البحر بشكل يقابل قلعة البحرين، كما يضم المتحف كذلك قاعة محاضرات ودكّان هدايا.
مركز الفنون
كما تضم قائمة المعالم الثقافية على أرض مملكة البحرين، مركز الفنون الذي افتتح في مايو 1992، ويعد هذا المركز من أحدث وأهم صالات العرض في مملكة البحرين، ويعكس مدى الاهتمام والرعاية التي توليها مملكة البحرين للثقافة والفنون، وما صلت إليه حركة الفن التشكيلي في مملكة البحرين من تطور وازدهار.
ومن خلال برنامجه السنوي المكثف يقدم مركز الفنون العديد من الفعاليات الثقافية كورش عمل ومحاضرات ومعارض فنية وفوتوغرافية.
المكتبة الخليفية
وهناك المكتبة الخليفية التي تقع المكتبة الخليفية في قلب مدينة المحرق القديمة، حيث تم إعمار المبنى الأصلي للمكتبة التي تعد إحدى أقدم المكتبات العامة في البحرين. يحتوي المبنى الجديد على قاعة للقراءة، مركز أبحاث، مختبر كمبيوتر، عدد من المكاتب، كما وتوفر المكتبة المفتوحة أمام الجمهور برامج وأنشطة ثقافية عامة باستمرار.
مركز الجسرة للحرف
وتضم مملكة البحرين أيضاً، مركز الجسرة للحرف الذي افتتح في عام 1991 بقرية الجسرة الواقعة على الساحل الغربي للبحرين، ويحتضن المركز عدداً من الحرفيين الممتهنين بالصناعات التقليدية. ويهدف المركز لاطلاع الزوار والمهتمين بالجوانب الإبداعية والجمالية للحرف اليدوية والمنتجات التقليدية والمطوّرة التي يصنّعها الحرفيين بشكل يوميّ، كما يضمّ مركز الجسرة ورشاً مجهزة بأحدث الوسائل التدريبية والمعدات الفنيّة الخاصة بالحرف التقليدية والصناعات اليدوية، وتستقطب هذه الورش العديد من البرامج التدريبية طوال العام.
دار البارح للفنون التشكيلية
ونجول أيضا في دار البارح التي تُعد مساحة لاستضافة المعارض الفنية لفنانين إقليميين، كما تحتضن برامج فنية مختلفة التوجهات على مدار السنة، الأمر الذي يمنحها طابع التجديد من فترة لأخرى. إلى جانب ذلك، يخصّص معرض "أبكاد" مساحة غير ربحية كحقل فني تجريبي.
مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث
وننتقل إلى مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث، الذي استحوذ على المنطقة ذاتها التي احتضنت مجلس الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة، إذ يضمّ عددًا من البيوت التراثية المتفرقة في المحرق إلى جانب بيت تراثي في المنامة. وتبرز من هذه البيوت أهم الملامح البحرينية التراثية والتقليدية إذ تستضيف الحلقات الحوارية، المحاضرات، برامج الفلسفة، الأدب، الشعر، الثقافة والفنون.
بيت الشعر – بيت إبراهيم العريّض
ومن مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة، نتحول إلى بيت الشعر، وهو ملتقىً للشعر والشعراء، وكان فيما مضى منزل إبراهيم العريّض الذي كان ولأكثر من نصف قرن أهمّ شاعرٍ وأديبٍ في البحرين. يستطيع الزوار استكشاف محتويات مكتب العريّض الخاص والاطلاع على مجلدات دواوين الشعر الكثيرة التي تحتويها مكتبة البيت. البيت متفرع عن مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث.
قاعة محمد بن فارس لفن الصوت
ونختتم جولتنا وسط المعالم الثقافية على أرض مملكة البحرين، بزيارة لقاعة محمد بن فارس، الواقعة على مقربةٍ من بيت محمد بن فارس لفنّ الصوت، وهي متفرعة عن مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث. تقام فيها بشكلٍ منتظمٍ أمسياتٌ موسيقيةٌ مجانيةٍ تُحييها فرقة محمد بن فارس الشعبية التي تحافظ على التقاليد الخليجية العريقة والأَصيلة.

