أسسه أحمد شوقي وبرع فيه أباظة وعبدالصبور والماغوط … هل انتهى المسرح الشعري العربي إلى الأبد؟
هل انتهى المسرح الشعري العربي ؟
ربما ينوّر السؤال ظاهرة إبداعية على قدر من الأهمية أخذت حيزًا كبيرًا طوال القرن العشرين سواء في العروض المسرحية أم في الدراسات الأدبية والنقدية، لكنها اختفت من المسرح العربي الذي انتقل في العصر الراهن إلى المسرحيات باللهجة العامية، وأحيانا إلى المسرح الارتجالي.
تأسيس شعري:
لم تكن الأفعى التي لدغت كليوباترا في مسرحية أحمد شوقي ( 1868- 1932) : ( مصرع كليوباترا ). سوى لدغة الإبداع التي أغرت أمير الشعراء أن يبتدع المسرح الشعري العربي من خلال تأليفه لعدد من المسرحيات الشعرية الرائدة مثل: مجنون ليلى , علي بك الكبير , قمبيز , ورقة الآس , عنترة , الست هدى , وعلى الرغم من أن أغلب هذه المسرحيات – كما تجمع المصادر النقدية- تفتقر إلى البعد الدرامي الفعال بسبب اهتمام شوقي بالغنائية والإنشاد على حساب بقية العناصر المسرحية , إلا أن هذه البداية الرائدة من شوقي مهدت الطريق لمن جاء بعده .. حيث أنتج عزيز أباظة ( 1898- 1973 م ) عدة مسرحيات منها : قيس ولبنى , والعباسة والناصر , وغروب الأندلس, وقافلة النور .. ثم انتقل المسرح الشعري نقلة جديدة بظهور الشعر الحر واتساع المساحة الدرامية حيال الشعراء , فكتب عبد الرحمن الشرقاوي ( 1920- 1987م ) : الفتى مهران , الحسين ثائرا وشهيدا , جميلة , أحمد عرابي , كما كتب صلاح عبد الصبور ( 1931 -1981), : مسافر ليل , الأميرة تنتظر , مأساة الحلاج , ليلى والمجنون , كما كتب محمد الماغوط ( 1934 - 2006م ) مسرحيات : المهرج , والعصفور الأحدب , وكأسك ياوطن , وكتب فاروق جويدة ( 1945- ) : الوزير العاشق , ودماء على أستار الكعبة , والخديوي . معظم هذه المسرحيات كان لها حظها في العرض والتمثيل , لكن هناك مسرحيات أخرى كثيرة ارتضى لها كاتبوها أن تبقى بين دفتي كتاب .
تحولات درامية:
تنبؤنا المصادر أن عددا كبيرا من الشعراء قد مارسوا كتابة المسرحية الشعرية في كل الأجيال في القرن العشرين , من بعد شوقي , فبالإضافة للأسماء السالفة هناك : عمر أبو ريشة , ,وسعيد عقل ( بنت يفتاح) , واسطفان فرحات ( ديدون) , ومحمد حسن علاء الدين ( امرؤ القيس) , ومعين بسيسو ( ثورة الزنج , وشمشون ودليلة) وسميح القاسم ( قرقاش) , وهارون هاشم رشيد ( السؤال) , ووليد منير ( بيت النجوم) تمثيلا .
لقد كان للمسرح الشعري بريقه , وكان عرض المسرحيات الشعرية أمرا مألوفا يلاقي استجابة جماهيرية واسعة , ففي مرحلة الستينيات مثلا كانت لمسرحيات صلاح عبد الصبور أصداء طيبة في الواقع الثقافي في مصر , حيث وصل المسرح الشعري إلى ذروته الفنية .
ولعل آخر مسرحية شعرية عرضت بالقاهرة ولاقت ذيوعا جماهيريا هي مسرحية : ( الخديوي ) للشاعر فاروق جويدة , في العام 1994م , حيث عرضت بالمسرح القومي , وكان قد عرض للشاعر من قبل مسرحيتان هما: الوزير العاشق , ودماء على أستار الكعبة , وعلى رغم من ضعف المستوى الفني لهما , إلا أن إنتاج مسرح الدولة لهما أحدث لهما حضورا لافتا .
إن غياب المسرح الشعري من الساحة الفنية العربية , جعل هذه الساحة تحتفي بالنتاج الاستهلاكي التجاري , وحول المسرح من مؤسسة ثقافية لها قيمها إلى كازينوهات ليلية , تقدم مسرح : الفرجة والاستعراض , أو ماكان يسمى في أوائل القرن العشرين ب ( المسخرة) , كما أثر هذا الغياب على ذائقة الجمهور من ناحية , وعلى طموحات الشعراء في استثمار التكنيكات المسرحية لتوصيل الأبعاد الدرامية للقصيدة المعاصرة .
العودة الغائبة:
على عاتق من تقع مسئولية تغييب المسرح الشعري من الساحة الفنية العربية ؟
يقينا لا تقع المسئولية على الشعراء , ولا على الممثلين ، فقضية المسرح الشعري .. مسألة مهمة لعودة الجمال والجلال للمسرح , الذي يؤثر بشكل مباشر في الجمهور , إنها قضية الذائقة والمتعة والفن التي تعلي من قيمة النص وبالتالي من قيمة الإبداع المسرحي ككل .
واليوم يوجد عدد كبير من المسرحيات المكتوبة ولا يوجد مسرح شعري حي وفعال ؟ هل يبقي فن العربية الأول منطويا على ذاته في تجربته الغنائية الفردية فحسب ؟ ومتى يستوفي بهاءه المتكامل بعناصر أخرى في العرض المسرحي .. من موسيقى ورقص وغناء وتمثيل ؟ متى يتكلم الشعر ويحاور مجتمعه ووجوهه الإنسانية ؟ هل اختفى المسرح الشعري , وهل تكمن المشكلة في المبدع أم في متطلبات السوق المسرحي ؟ وما هي دلالة هذا الغياب ؟

