صبا نجد : أشهر رياح في جزيرة العرب وملهمة الشعراء الأوائل
لعلها واحدة من أشهر الرياح التي فتنت الشعراء ، فسجلوا نسماتها في أشعارهم، وبالتالي سجلوا اتجاهاتها المناخية، والمكان الذي تهب فيه، وهو واحد من أعرق وأجمل أماكن الجزيرة العربية كما وصفه الشعراء والأدباء، وهو (نجد) التي تحتضن حاضرة اليمامة والممتدة على مساحة جغرافية كبيرة من مساحة المملكة العربية السعودية، وبها العاصمة : الرياض .
لقد تعددت رؤى الشعراء في استلهام نسيم صبا نجد، التي شكلت واحة للراحة ومرتعا للخيال الشعري فكتب عنها ما كتبه من قصائد حفظتها دواوين الشعراء على مدار التاريخ.
ومن أشهر ما كتب عنها هذه القصيدة التي تستهل بـ:
ألا يا صبا نجد متى هجتِ من نجدِ ؟
لقد زادني مسراك وجدا على وجدِ
والقصيدة تنسب للشاعر يزيد بن الطثرية، وأحيانا للشاعر عبدالله بن الدمينة الخثعمي، لكنها بكل الأحوال ولدت في قلب الجزيرة العربية في نجد واصفة نسماتها بشعر وثّق هذه الرياح التي أصبحت رياحا رائقة يتنسمها الجميع، وتتحول فيما بعد إلى رياح عاشقة ومعشوقة معا.
ومن أبيات القصيدة :
أَإِن هَتَفَت وَرقاءُ في رَونَقِ الضُحى
عَلى فَنَنٍ غَضِّ النَباتِ مِنَ الرَندِ
بَكَيتُ كَما يَبكي الحَزينُ صَبابَةً
وَذُبتُ مِنَ الحُزنِ المُبَرِّحِ وَالجَهدِ
وَقَد زَعَموا أَنَّ المُحِبَّ إِذا دَنا
يُمِلُّ وَأَنَّ النَأيَ يُشفي مِنَ الوَجدِ
بِكُلٍّ تَداوَينا فَلَم يُشفَ ما بِنا
عَلى أَنَّ قُربَ الدارِ خَيرٌ مِنَ البُعدِ
هَوايَ بِهَذا الغَورِ غَورِ تَهامَةٍ
وَلَيسَ بِهَذا الجَلسِ مِن مُستَوى نَجدِ
فَوَاللَهِ رَبِّ البَيتِ لا تَجِدِينَني
تَطَلَّبتُ قَطعَ الحَبلِ مِنكِ عَلى عَمدِ
وعبد الله بن عبيد الله ابن الدمينة الأكلبي هو عبد الله بن عبيد الله أحد بني عامر بن تيم اللات بن مبشر بن أكلب شاعر بدوي من قبيلة أكلب من العصر الأموي، وقد يقال الخثعمي نسبةً للحلف القبلي فقط، ، وينادى تلقيبا بأمه الدمينة بنت حذيفة من بني سلول وكنيته «أبا السري"».
شاعر وفارس التحق بالجيش، يقال أنه كان جميل الخلقة، فصيح اللسان، شديد الغيَرة، من شعراء الغزل العفيف العذري، وكل شعره يتغنى بنجد وصباها ونسائمها العليلة، وفي شعره ما يدل على فصاحته وفطرته العذرية. توفي مغدوراً جنوب مكة عام 130هـ
الشعراء بين نجد وصبا نجد:
هذه الرياح الرائعة التي تتجلى في نجد ، كانت ملهمة للشعراء فعبروا عنها كثيرا في قصائدهم، في مناخ قاري يتسم بالحرارة في الصيف مع طقس يميل إلى البرودة لمدة ثلاثة أو أربعة أشهر في الشتاء، وقد ينزل البرد أو الثلوج في النصف الشمالي من الهضبة في فصل الشتاء، مع ذلك تأتي نسماتها لتشكل أجمل طقس صحراوي ، والدليل هذه الحفاوة الشعرية:
يقول الصمة القشيري:
أقول لصاحبي والعيس تهوي بنا بين المنيفة فالضمار
تَمَتَّعْ مِنْ شَميمِ عَرَارِ نَجْدٍ فما بَعْدَ العَشِيَّة ِ منْ عَرَارِ
ألا حبذا نفحات نجد ورَيَّا رَوْضِهِ غِبَّ القِطَارِ
ويقول الشاعر ابن الخياط:
خُــذَا مِــنْ صَــبَــا نَـجْـدٍ أَمَـانًـا لِـقَـلْـبِـهِ فَـــقَــدْ كَــادَ رَيَّــاهَــا يَــطِــيــرُ بِــلُــبِّــهِ
وَإِيَّـــاكُـــمَـــا ذَاكَ الـــنَّـــسِــيــمَ فَــإِنَّــهُ إِذَا هَــبَّ كَــانَ الْــوَجْـدُ أَيْـسَـرَ خَـطْـبِـهِ
صبا نجد
وتعلقُ نجد دائما بقلوب الشعراء، حتى كأنما لا فكاك من تفاصيلها عند المرور بها، وما أشوق القلب إلى شميم صَبا نجد! فقد حببه إلينا الشعراء حتى لنجد (صردُر) يرى المرور بنجد شركا من أشراك الهوى، حين يقول:
النجاءَ النجاءَ من أرض نجدِ قبل أن يعلق الفؤاد بوجدِ
ويقول الطغرائي:
يا حبذا نجد وإعراق الثرى لُدنٌ وأنفاس النسيم رقاقُ
فهواؤه خَصِرُ النسيم وتربهُ حالي الأديم وماؤه رقراق
وبساكنيه إن استقربنا النوى تشفي النفوس وتُمسك الأرماق
وقال ابن التعاويذي:
يا رفيقي هل لذاهب أيَّا مٍ تقضَّت حميدةً من مَرَدِّ
أنجداني بوقفة في مغاني الـ ـحي إن جزتما بأعلام نجدِ
ولعل البيت الأشهر كذلك الذي يأتي على ذكر نجد، قول سعيد بن حميد المنبجي الشهير ب" الدوقلة" وهو يخاطب محبوبته:
إن تتهمي فتهامة وطني
أوتنجدي يكن الهوى نجد
أي أنني أهوى من الأماكن حيث تكونين، وقد اختار الشاعر نجدا وتهامة لارتباطهما في الوجدان الشعبي العربي بالهوى والعشق مثل ارتباط اسمي ليلى وسعاد قديما بالمحبوبة
أقاليم نجد:
تتسم الجهات الغربية والشمالية من نجد بأقاليمها الواسعة الصالحة للرعي، ومن أهم المراعي في نجد عالية نجد الواقعة بين الحجاز وجبل طويق، ومناطق الصمان والدبدبة المتاخمة للعراق والتي يخترقها وادي الباطن أحد أطول أودية الجزيرة العربية، وفي القرون المتأخرة اعتاد أهل نجد على تقسيم حواضرها إلى عدة أقاليم أهمها: سدير، الجبلين، الوشم، إقليم السر، الزلفى، القصيم، عالية نجد، سافلة نجد، المحمل، الشعيب، العارض، العرض، الخرج، الفرع، الأفلاج، تثليث، ومعظم هذه الأماكن وردت بالشعر العربي لتصور لنا جماليات الأمكنة الصحراوية وجماليات التنقل والارتحال الذي كان سائدا في العصور الأولى، وفي نجد أنشد عبدالله بن عجلان النهدي، وهو شاعر حجازي لكن قلبه تعلق بنجد لأن فتاته كانت نجدية، قائلا:
بكى، فرنت له أجبال صبح
وأسعدت الجبال به مروت
حجازي الهوى علقٌ بنجد
جويٌ لا يعيش ولا يموت
كأن فؤاده كفّا غريق
تنازعه بشط البحر حوت
ويكرر الشاعر مروان الأصغر ابن أبي الجنوب كلمة «نجد» ست مرات في بيتين فقط ، كأنه يهيم بذكر الاسم والتلذذ بسماع كلمة (نجد) حيث يقول:
سقى الله نجدا، والسلام على نجد
وياحبذا نجدا على النأي والبعد
نظرت إلى نجد وبغداد دونها
لعلي أرى نجدا وهيهات من نجد
ونجد بها قوم هواهم زيارتي
ولا شيء احلى من زيارتهم عندي
وتظل قصيدة:" ألا يا صبا نجد " واحدة من أبرز القصائد التي احتضنت كلماتها نسمات نجد، وحولت رياحها إلى أشهر ريح عبقة بجغرافيا المكان في الشعر العربي.

