تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

صور ومشاهد من الحج

حجاج سلامة

"الحج في أدب الرحلات" هو لون من ألوان الأدب العربي والإسلامي، كتب فيه كثيرون على مر الأزمنة، وجذب أدباء ورحّالة وكُتّاب كثيرون من المشرق والمغرب، حيث تذخر المكتبة العربية بالكثير من المؤلفات في ذلك الحقل الأدبي، فنجد رحلات الحج الهندية، ورحلات الحج الأندلسية والمغربية وغيرها.

وفي كتابه الصادر عن دار السويدي للنشر والتوزيع بأبوظبي، وحمل عنوان "صور ومشاهد من الحج"، جمع لنا الشاعر والأديب الإماراتي المعروف محمد أحمد السويدي، من حصيلة قراءاته في أدب الرحلة و "رحلات الحج" بشكل خاص، صورا شتّى من مشاهد الحج وعظاته وطرائفه.

وفي مقدمة الكتاب الذي تجاوزت صفحاته الـ 400 صفحة، يقول "السويدي" بأن أداء فريضة الحج على مدى الأجيال لم يكن رحلة عادية إنما هي ، تجربةً إنسانية فريدة واستطلاع فكري ممتع للطرق والأمكنة وغبطةً روحية لا تضاهيها أية غبطة أخرى. 

ويأخذنا المؤلف عبر صفحات كتابه، في رحلة نصحبُ فيها العديد من الحجّاج ونسمع منهم غرائب شتَّى، فيحدِّثنا عن صاحب الموصل جمال الدين الذي صنع من باب الكعبة القديم تابوتاً وطلب أن يُحمل فيه بعد وفاته ليحج ميتا. وينقل لنا عن محمد حسين هيكل أن "البار" في سفينة "كوثر" تحوّل إلى مسجد بعد تطهيره، ويروي قصةَ  َأوَّلِ رحلةِ حجّ بالسيارات، وقد استغرقت 58 يوماً بين دمشق ومكة، ووينوّه إلى استغراب المازني وكيف أمضي ستَّةَ أيام في الحجاز دون أن تقع عينه على جنازة .. إلى آخر ما هنالك من غرائب الأحداث التي تسجلها لنا كتب الرحلات الشهيرة لعلماء وأدباء ومؤرخين ورحّالة كبار لبلاد الحجاز. 

وهكذا يأخذ الكتاب بيد القارئ في التجوال مع حجّاج البيت العتيق مستمتعين بتفاصيل اللوحة التي رسموها كلُّ بما أوتي من تبحر وإلهام.

 وإذا كان الإنسان مولعًا بالسفر وارتياد الآفاق القصيَّة واكتشاف كلَّ جديد في الأمكنة والعصور وأنماط الحياة الاجتماعية، فإن القاريء لكتاب "صور ومشاهد من الحج" – كما يقول مؤلفه الشاعر والأديب الإماراتي محمد أحمد السويدي، يجد  غبطة روحية وفائدة معرفية وسكينة نفسية في جميع هذه الصور والمشاهد المختارة من متون الرحلات المكيّة.

وقد اخترنا لقراء مجلة "أحوال المعرفة" تلك الأخبار والقصص والحكايات التي أوردها لنا "السويدي" في كتابه الذي بين أيدينا.

دخول مكة

عنوان الرحلة: (تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار (1183-1185م).

 المؤلف: محمد بن أحمد بن جبير الأندلسي)

"أسرينا تلك الليلة من جدة إلى أن وصلنا القرين مع طلوع الشمس. وهذا الموضع هو منزل الحجاج ومحط رحالهم ومنه يحرمون وبه يريحون اليوم الذي يصبحونه. فإذا كان في عشية رَفَعَوا وأسروا ليلتهم وصبحوا الحرم الشريف زاده الله تشريفاً وتعظيماً، والصادرون من الحج ينزلون به أيضاً، ويسيرون منه إلى جدة. وبهذا الموضع المذكور بئر معينة عذبة والحجاج بسببها لا يحتاجون إلى تزود الماء غير ليلة إسرائهم إليه. فأقمنا بياض يوم الأربعاء المذكور مريحين بالقرين. فلما حان العشي رحنا منه محرمين بعمرة فأسرينا ليلتنا تلك فكان وصولنا مع الفجر قريب الحرم فنزلنا مرتقبين لانتشار الضوء. ودخلنا مكة حرسها الله على باب العمرة وكان إسراؤنا تلك الليلة المذكورة، والبدر قد ألقى على البسيطة ،شعاعه والليل قد كشف عنا قناعه، والأصوات تصلُّ الآذان بالتلبية من كل مكان والألسنة تضج بالدعاء وتبتهل إلى الله بالثناء، فتارة تشتد بالتلبية وآونة تتضرع بالأدعية، فيا لها ليلة كانت في الحسن بيضة العقر، فهي عروس ليالي العمر وبكر بنيات الدهر، إلى أن وصلنا في الساعة المذكورة من اليوم المذكور... فألفينا الكعبة الحرام عروساً مجلوة مزفوفة إلى جنة الرضوان محفوفة بوفود الرحمن، فطفنا طواف القدوم ثم صلَّينا بالمقام الكريم، وتعلَّقنا بأستار الكعبة عند الملتزم، وهو بين الحجر الأسود والباب، وهو موضع استجابة الدعوة. ودخلنا قبة زمزم وشربنا من مائها وهو "لما شُرب له" كما قال صلى الله عليه وسلم. ثم سعينا بين الصفا والمروة، ثم حلقنا وأحللنا.

الطقس في مكة

عنوان الرحلة: (الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف 1929)

المؤلف: شكيب أرسلان

"إن فصول مكَّة الأربعة تنحصر في فصلين أحدهما الشتاء، وهو في غاية اللطف وكأنه فصل الصيف في أعالي لبنان والثاني فصل القيظ المصادف ما يسمونه بأشهر السرطان والأسد والسنبلة، وهو فصل قد تصعد فيه الحرارة في الظل بميزان سنتيغراد إلى الدرجة 45 وإلى 49 وفي الليل يتعذر النوم حتى على سطوح المنازل. فإنّ الذي يبقى لاصقاً بتلك الصخور من لعاب الشمس يكفي لتسخين صفحة الليل إلى أن ينبلج الصبح". وإنَّ اليوم الذي تكون فيه الحرارة 38 أو 39 يعده المكيون معتدلاً ويقولون (اليوم براد) فإذا نزلت الدرجة إلى 35 قالوا (براد بالحيل) بفتح فسكون أي (برودة زائدة).

سكان مكة

عنوان الرحلة: (رحلة إلى مكة والمدينة 1814م)

المؤلف: جون لويس بيركهارت

"يمكنك أن تعتبر مكّة بلدة جميلة، لأن شوارعها أعرض من شوارع المدن الشرقية الأخرى بوجه عام. وبيوتها عالية مبنية بالحجر فيها عدد من الشبابيك التي تطلُّ على الشوارع فتسبغ عليها منظرًا مليئًا بالحيوية، بخلاف الدور في مصر وسوريا التي لا تطلّ على الطرق في الغالب وهي مثل جدة تحتوي على عدد من الدور ذوات ثلاثة طوابق. وهي مفتوحة من جميع الجهات، لكن الجبال المحيطة بها تشكلّ مانعًا حصينا ضد العدو. وقد كان لها في الزمن القديم ثلاثة أسوار تحمي جوانبها. يبلغ عدد سكان مكة في غير مواسم الحج خمسة وعشرين إلى ثلاثين ألف نسمة، ولكن بوسعها أن تسكن ثلاثة أضعاف هذا العدد من الحجّاج أيضاً. وأغلب السكان غرباء وأجانب عنها من أهالي اليمن وحضرموت. وكان يليهم في العدد أبناء الهنود والمصريين والسوريين والمغاربة والأتراك. وكان هناك أيضًا مكّيون من أصل إيراني وتاتاري وبخاري وكردي ومن كل بلد مسلم آخر تقريباً".

رجل من القيروان

عنوان الرحلة: "كتاب الفتوحات المكيَّة".. (1164م – 1240 هـ)

المؤلف: محيي الدين بن عربي

"أراد رجل من أهل القيروان الحج فبقي يتردّد هل يمشي في البحر أو في البر وما ترجح عنده واحد منهما، فقال أسأل أول رجل أجتمع به فحيثما قال لي سلكت ذلك الطريق. قال فأول من لقيه يهودي فحار في أمره، هل يسأله؟ فعزم على سؤاله فشاوره فقال له يا ،مسلم أليس الله يقول: هوَ الذّي يُسَيِّرُكُمْ في البَرِّ والبحر ... فقدَّمَ البر؟ فقدم ما قدم الله، هذا هو الطريق نبدأ بما بدأ الله به ونقدم ما قدم الله، فإنه من التزم ذلك رأى خيراً في حركاته".

هلال ذي الحجة

عنوان الرحلة: "تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار".. (1183-1185م).

المؤلف: محمد بن أحمد بن جبير الأندلسي

"الحديث عن هلال ذي الحجة بالنسبة إلى الحجّاج حديث مهم؛ لأنه يكشف عندهم عن سر يُعَلِّقُ الحجاج عليه آمالاً كبرى تعني الرغبة في الوقوف بعرفات يوم الجمعة، وكأن الحج لا يرتبط إلا بهذا اليوم بعينه! كانت السماء مملوءة بالغيوم (15) مارس، ومع ذلك كَبَّر أحد الحاضرين فكبر الناس لتكبيرته، وانطلقوا نحو القاضي حرصاً منهم على تثبيت الوقفة يوم الجمعة، لكن القاضي جرح شهادتهم أسوأ تجريح قائلاً، لو أن أحدكم يشهد برؤيته للشمس تحت ذلك الغيم الكثيف لما قبلته فكيف برؤيته هلاله".

ياسين الروّاف

عنوان الرحلة: ( رحلة علي الطنطاوي 1935م).

المؤلف: علي الطنطاوي

"عندما اكتملت سكة الحديد الحجازية سنة (1326ھ ، 1908م) انتھی عصر درب الحج الشامي بالإبل إلى غير رجعة وكان ياسين الروّاف هو أول من شق الدرب من جديد بواسطة السيارات سنة (1353ھ : 1935م) . كم قابل ياسين من رجال وكم أقام من حجج، وكم تعب وكم بذل من وقته ومن راحته حتى استطاع إقناع شركات السيارات أعدوا لهذه الرحلة 4 سيارات من طراز بويك وواحدة ،(ناش)، وحملوا صفائح البنزين معهم لانعدام المحطات وكان بصحبتهم ميكانيكي خبير، يجب أن نتذكر أنه في هذه الفترة لم تكن السيارات منتشرة في السعودية، ولم تكن الطرق مسلوكة كما نتوقع باستثناء ما بين مكة وجدة والرياض. استغرق الطريق من دمشق إلى مكة 58 يوماً في رحلة هي الأولى لهذه المراكب الجديدة على دروب تستنكر هذا الغزو ويقول الشيخ : كنا نعتسف البوادي نسير في أرض نبصر أولها، ولا ندري أين تنتهي نطأ الحجارة ونواجه الصخور نغرق في كثبان الرمل الناعم، فنخرج من سياراتنا ونربط الحبال بأكتافنا وأعناقنا لنخرج السيارة الغارقة فيها. مما زاد في صعوبة الرحلة أنه لا سابقة لها، وبالتالي تنعدم الخبرة، فباستثناء الروّاف فإن الباقين من أهل دمشق المتحضرة لم يألفوا سفر الصحراء ومستلزماتها، ليس معهم خرائط، ولا فكرة عن التضاريس الصحراوية، ولم يتم ترتيب القيادة ترتيباً جيداً. كانت رحلتنا كما قلت مثلاً مفرداً في باب التنظيم. أقصد عدم التنظيم، أي أنها المثل الكامل للفوضى انطلق الوفد من دمشق ومن الطريف أنهم أجّلوا سفرهم 10 أيام".

إخلاء مكة

عنوان الرحلة: (وصف أمين لديانة وأخلاق المحمديين.. 1704م ).

المؤلف: جوزيف بتّس.. الحاج يوسف).)

"قد يتساءل بعض من عرفوا مكة المكرمة أو على الأقل سمعوا بها أو قرأوا عنها، كيف يمكن لبلدة صغيرة فقيرة أن تستقبل هذه الأعداد الهائلة من الحجّاج وتقدم لهم ولدوابهم المأوى والإعاشة ؟ وإني أجيبك إن أهل مكة المكرمة يخلون أماكنهم للحجاج، فهذا الموسم بمثابة سوق لهم، فالمكي يؤجر الغرفة في هذا الموسم لفترة لا تزيد عن ستة عشر أو سبعة عشر يوماً، بمبلغ يزيد ثلاث مرات عن إيجارها طوال العام. وإذا غصَّت مكة المكرمة بحجّاجها وأهلها، نصب الحجّاج خيامهم حولها حيث يقيمون إلى أن يرحلوا لديارهم. أما بالنسبة للمؤن فالحجّاج يجلبون معهم ما يكفي إلا اللحوم التي يتحتم عليهم الحصول عليها من مكة المكرمة، أما الزبد والزيت والزيتون والأرز والبقسماط.. إلخ فالحجاج يحضرون معهم".

شوارع مكة

عنوان الرحلة: (الأيام المبرورة في البقاع المقدسة 1940م).

المؤلف: محمد لطفي جمعة

"شوارع مكة ذات ذكريات عالمية بما بلغته من الشهرة ومن كرّمها الله بالبعثة النبوية واختارها لتكون مجلى الأنوار المحمدية. لقد دونت ما فيه الكفاية... يدهشك أولاً أنها تظهر لك فجأة ولا تبدو لك أطرافها وأنت قادم عليها، ذلك أنها واطئة محصورة بين جبال، وإن كانت تعلو على سطح البحر بضعة مئات من الأمتار لأن الأرض في صعود من جدة إلى بقية برّ الحجاز شمالاً، وهذا سبب المشقَّة في الذَّهاب وقلتها نسبياً في العودة سواء في ذلك ظهور الجمال أو مقاعد السيارات. وكذلك يلفتك حرارة الجو فأنت لا تشعر ببرد في أشد أشهر الشتاء، فنحن في آخر ديسمبر، وكأننا في حلوان في أواخر الربيع فما بال أهل البلد في أغسطس، ولم نسمع أن هذا الحر الشديد منع أحداً من الحج وما قتل أحداً منهم، ولكن الذين سافروا إليها في الصيف من أصدقائي، وصفوا لي لياليها وصفاً يضيق الصدر، ويزيد في ضيق الصدر شعور المقيم بأنه محاط بالجبال التي تمنع عنه النسيم، وهذه الجبال كلها بركانية التكوين وإن أنافت على جبال الشام في الارتفاع، فإنها لوقوعها في المنطقة الحارة لا ينزل عليها الثلج مثل جبال الشام، ولذا لا نجد في الجزيرة الأنهار الكبار التي نجدها في الأراضي الضارية في الشمال، ويقول بعض علماء الفرنجة: إنه كان في جزيرة العرب أنهار عظيمة وعمران عظيم قبل عصر التاريخ ويدلُّ على ذلك وجود الوديان العميقة. وقد أبدى هذا الرأي علماء أعلام ممن درسوا طبائع الأرض وتواريخ الحضارات في عرض البحث في أصول الخيل العربية ولا سيما النجدية منها".

أهل مكة

عنوان الرحلة: ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار 1325 م).

 المؤلف: ابن بطوطة، شمس الدين الطنجي

"لأهل مكَّة الأفعال الجميلة والمكارم التامة والأخلاق الحسنة والإيثار إلى الضعفاء والمنقطعين وحسن الجوار للغرباء ومن مكارمهم أنهم متى صنع أحدهم وليمة يبدأ فيها بإطعام الفقراء المنقطعين المجاورين، ويستدعيهم بتلطف ورفق وحسن خلق، ثم يطعمهم. وأكثر المساكين المنقطعين يكونون بالأفران، حيث يطبخ الناس أخبازهم. فإذا طبخ أحدهم خبزه واحتمله إلى منزله فيتبعه المساكين فيعطي لكل واحد منهم ما قسم له ولا يردهم خائبين ولو كانت له خبزة واحدة فإنه يعطي ثلثها أو نصفها طيب النفس بذلك من غير ضجر". 


صور ومشاهد من الحج
Ehsan Logo