ماذا يقول كتاب:" مواطن" من وجهة جمالية؟ تأملات في أضمومة محمد الشقحاء السردية – الشعرية
عبدالله السمطي
ما الذي يجعل الكاتب محمد المنصور الشقحاء يلجأ إلى تشكيل كتابه الإبداعي الجديد عبر مكونات فنية تتأسس على مجريات وعي ثلاثة أنواع أدبية هي: القصة القصيرة، والقصة القصيرة جدا، وقصيدة النثر؟
لقد كانت الرؤية الفنية الأولى الماثلة في ذهنية الشقحاء هي إصدار أعماله في سياق بعدها النوعي الفني، إصدار في القصة الأخيرة، وآخر في الرواية، وثالث في الشعر، بيد أن الإصدار الأخير يثير تساؤلا مبدئيا حول ضم ثلاثة أنواع أدبية جنبا إلى جنب، فهل هي رسالة رائية تنظر للكتابة من طرف الوحدة التعبيرية الجمالية بين الفنون القولية؟ وهل يعطينا الشقحاء أن نتبصر بالسرد والشعر متجاورين معا في كتاب واحد؟ وهل يلقي أحدهما بظلاله على الآخر؟ هل يتكاملان، أم أن كل فن يجري في وعي خاص به؟
هنا سيظل سؤال الكتابة النوعية ماثلا، لأن كتاب:" مواطن" ( النادي الأدبي الثقافي بالطائف، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت ، الطبعة الأولى 2018) الذي يصفه الكاتب ب:" أضمومة سرد وشعر" يجعلنا نتحفز لاستنطاق أسئلة كثيرة من جهة الدلالة الكلية للنصوص وعلاقتها ببعضها البعض، وتشكيلها لسياق نوعي، ومدى تداخلها أو افتراقها لأنها بمثابة أضمومة في كتاب واحد.
تتضمن الأضمومة ( 31), نصًّا ، تتوزع كالتالي : ( القصة القصيرة: 4 نصوص / القصة القصيرة جدا : 16 نصًّا / قصيدة النثر : 11 نصًّا ) في كتاب يقع في (70) صفحة، فما هو الرابط الجمالي بين هذه النصوص؟
إننا حين ندمج وعينا بمجرى النصوص نجد أن الرابط الأول يمثل حيالنا من خلال حضور الذات المبدعة، وهو حضور رؤيوي في الجوهر يشكل العمق الدلالي الأول للنصوص وإن اختلفت نوعيتها، لكن تبقى الذات الرائية هي الماثلة حيالنا، خاصة في نصوص القصة القصيرة جدا والنصوص الشعرية، ذلك لأن همّ المفارقة، وهم استشراف الحلم، والتذكر والتخيل الزمني تبقى دلالات ناهضة بتوجهات النصوص ومستوياتها التعبيرية.
فالأنا المعذبة / الحالمة معا حاضرة منذ النص الأول :" مواطن" وهو قصة قصيرة تستشرف العذابات اليومية، وفيها يتساءل الكاتب عبر شخصية النص:" لماذا أنا؟ كلمة واحدة دفعتني إلى التفكير في اختيار نفسي، وإن كنتُ ألاحق أفكارًا تنهش ما تبقى من العمر، جعلتني فريسة سهلة للمرض الذي هربتُ منه في العقود الخمسة الماضية من حياتي التي كيّفتُها حسب الحلم الذي أعيشه بعبث وعدم مبالاة عبر أني موجود" / ص 7
في القصص القصيرة مواقف ومشاهد يومية ، يستخدم فيها القاص ضميري المتكلم والغياب، كعادة أساليب هذا الفن المكثف الذي يرتكز على الإيجاز الشديد والمفارقات والدخول مباشرة إلى جوهر الحدث، فيسرد عن الباحث عن الصك في المحكم، ثم يخرج لتصدمه سيارة عند البوابة، ثم عن العذابات الداخلية لبعض الشخصيات، عن الانكسار، واليأس، والتطلع للأمل ، واسترجاع الذكريات في لقطات مكثفة، والإشارة إلى بعض ملامح مواقع التواصل كإلغاء الصداقة، ومشهد من توقيع بمعرض الكتاب، وفي هذه القصص القصيرة جدا تلعب الأفعال الدور الأكبر في بدء الحدث وسريانه وتغيير دفته ووجهته صوب الصدمة الفلاشية البرقية السريعة في النهايات.
وتتراوح القصص القصيرة جدا ما بين رصد الهموم اليومية، عبر مفارقات عدة، تطل فيها دالة الموت حينا، ودالة : الظلام حينا آخر، بوصفهما تعبيرا عن الفقد والانكسار والغياب والتلاشي، وما بين تشعير اللقطة السردية كما في نص :" نحت" : " شيء ما حجب الضوء، ومعه توقف خرير الماء وحفيف الشجر، تنبهت على اسمي سمعته مرات عديدة، ولما وصلتُ عجزتُ عن الكلام" . / ص 17
وتنطوي الأضمومة على ( 11), قصيدة، منها: السؤال، حديث حميم للحظة هاربة، أمثولة التحولات الخادعة، الكابوس، مقاطع من أحزان الصدى، بقايا أثر، أنت كما ظل الفجر، وفيها يعبر الشقحاء إلى فضاء الشعر، وهو عنده فضاء يتقارب بشكل أو بآخر من الشعرية السردية التي لا تتوغل كثيرا في تخليق الصور والمجازات، والتركيبات التي يتطلع إليها فن الشعر بعرامته وكثافته، ولهذا فإن الأسئلة الشعرية تأتي بشكل مباشر:
لماذا
الأشياء الجميلة عمرها قصير
ولماذا كلما تقدم بنا العمر
نحتكم للصمت،

