تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

إحياء ليالي شهر رمضان في مكة المكرمة قديما كما وصفها ابن بطوطة

إحياء ليالي شهر رمضان في مكة المكرمة قديما كما وصفها ابن بطوطة

حجاج سلامة

كانت مكة المكرمة محط أنظار الرحّالة والمؤرخين على مر الزمان، حيث احتفظت لنا المصادر التاريخية بالكثير مما دونه هؤلاء من كتابات تناولت مظاهر الحياة في تلك المدينة وبقاعها المقدسة، وقدوم الحجاج والمعتمرين إليها على مدار العام بوجه عام، وشهر رمضان بوجه خاص.

ومن بين الرّحالة الذين زاروا مكة المكرمة، ووثّقوا لنا مظاهر إحياء أيام وليالي شهر الصوم فيها، الرحالة العربي أبوعبدالله محمد بن عبدالله بن محمد اللواتي الطنجي – نسبة إلى مسقط راسه في مدينة طنجة بالمملكة المغربية - وهو أعظم الرحالة المسلمين قاطبة، وأكثرهم طوافًا في الآفاق، وأوفرهم نشاطًا واستيعابًا للأخبار، وأشدهم عناية بالتحدث عن الحالة الاجتماعية في البلاد التي تجول فيها وذلك كما تصفه لنا الكثير من المصادر العربية.

حيث زار ابن بطوطة مكة المكرمة، وشاهد حلول شهر رمضان الكريم في تلك المدينة المقدسة، وروى لنا كيف كان شهر رمضان بمكة المكرمة قديما فقال: 

 إذا أهلَّ هلال رمضان تضرب الطبول والدبادب عند أمير مكة، ويقع الاحتفال بالمسجد الحرام من تجديد الحصر وتكثير الشمع والمشاعل حتى يتلألأ الحرم نورا، ويسطع بهجة وإشراقا، وتتفرق الأئمة فرقاً… من القُرّاء يتناوبون القراءة ويوقدون الشمع ولا تبقى في الحرم زاوية ولا ناحية إلاّ وفيها قارئ يصلي بجماعته، فيرتج المسجد لأصوات القُرّاء، وترقّ النفوس وتحضر القلوب وتهمل الأعين. ومن الناس من يقتصر على الطواف والصلاة في الحجر منفرداً، والشافعية أكثر الأئمة اجتهادا، وعاداتهم أنهم إذا أكملوا التراويح المعتادة، وهي عشرون ركعة، يطوف إمامهم وجماعته، فإذا فرغ من الأسبوع ضربت الفرقعة التي ذكرنا أنها تكون بين يدي الخطيب يوم الجمعة وكان ذلك إعلاما بالعودة إلى الصلاة ، ثم يصلي ركعتين ثم يطوف أسبوعاً، هكذا إلى أن يتم عشرين ركعة أخرى، ثم يصلون الشفع والوتر، وينصرفون، وأضاف بالقول: وسائر الأئمة لا يزيدون على العادة شيئاً، وإذا كان وقت السحور يتولى المؤذن الزمزمي التسحير في الصومعة التي بالركن الشرقي من الحرم، فيقوم داعياً ومذكراً ومحرضاً على السحور ، والمؤذنون في سائر الصوامع، فإذا تكلم أحد منهم أجابه صاحبه، وقد نصبت في أعلى كل صومعة خشبة على رأسها عود معترض قد علق فيه قنديلان من الزجاج كبيران يتّقدان، فإذا قرب الفجر، ووقع الأذان بالقطع مرة بعد مرة حطَّ القنديلان، وابتدأ المؤذنون بالأذان، وأجاب بعضهم بعضاً. ولديار مكة، شرّفها الله، سطوح فمن بَعُدَت داره بحيث لا يسمع الأذان يبصر القنديلين المذكورين فيتسحر حتى إذا لم يبصرهما أقلع عن الأكل. وفي ليلة وتر من ليالي العشر الأواخر من رمضان يختمون القرآن، ويحضر الختم القاضي والفقهاء والكبراء، ويكون الذي يختم بهم أحد أبناء كبراء أهل مكة، فإذا ختم نصب له منبر مزين بالحرير، وأُوقِدَ الشمع، وخطب، فإذا فرغ من خطبته استدعى أبوه الناس إلى منزله فأطعمهم الأطعمة الكثيرة والحلاوات.  

     أما عن الاحتفال بليلة القدر المباركة، وختم القرآن الكريم في رمضان بمكة المكرمة فقال ابن بطوطة: إن أعظم ليالي شهر الصوم عند أهل مكة وزوراها هي ليلة السابع والعشرين، وكان احتفالهم لها أعظم من احتفالهم بسائر الليالي، ويختم بها القرآن العظيم خلف المقام الكريم، وتقام إزاء حطيم الشافعية خشب عظام توصل بالحطيم، وتعرض بينها ألواح طوال، وتجعل ثلاث طبقات، وعليها الشمع وقنديل الزجاج، فيكاد يُغَشِّي الأبصار شُعاع الأنوار، ويتقدم الإمام فيصلي فريضة العشاء الآخرة، ثم يبتدئ  قراءة سورة القدر، وإليها يكون انتهاء قراءة الأئمة في الليلة التي قبلها، وفي تلك الساعة يمسك جميع الأئمة عن التراويح تعظيماً لختمة المقام، ويحضرونها متبركين، فيختم الإمام في تسليمتين ثم يقوم خطيباً مستقبل المقام فإذا فرغ من ذلك عاد الأئمة إلى صلاتهم وانفض الجمع، ثم يكون الختم ليلة تسع وعشرين في المقام المالكي في منظر مختصر، وعن المباهاة مُنزّه موقر، فيختم ويخطب. 

وتحدث ابن بطوطة عن عادة أهل مكة خلال شهر شوّال فقال في ذلك:

عادتهم في شوال، وهو مفتتح أشهر الحج المعلومات، أن يوقدوا المشاعل ليلة استهلاله، ويُسرِجوا المصابيح والشمع على نحو فعلهم في ليلة سبع وعشرين من رمضان، وتوقد السّرُج في الصوامع من جميع جهاتها، ويوقد سطح الحرم كلّه، وسطح المسجد بأعلى أبي قُبيس- جبل بمكة - ويُقيم المؤذّنون ليلتهم تلك في تهليل وتكبير وتسبيح، والناس ما بين طواف وصلاة وذِكرٍ ودُعاء، فإذا صلّوا صلاة الصبح أخذوا في أهبة العيد، ولبسوا أحسن ثيابهم وبادروا لأخذ مجالسهم بالحرم الشريف به يصلّون صلاة العيد لأنّه لا موضع أفضل منه. ويكون أوّل مَنْ يُبَكِّر إلى المسجد الشّيبيون، فيفتحون باب الكعبة المُقدّسة ويقعد كبيرهم على عتبتها، وسائرهم بين يديه إلى أن يأتي أمير مكة فيتلقونه ويطوف عليهم بالبيت أسبوعاً، والمؤذن الزمزمي فوق سطح قبّة زمزم على العادة رافعاً صوته بالثناء والدعاء له ولأخيه كما ذكر، ثم يأتي الخطيب بين الرايتين السوداوين والفرقة أمامه، وهو لابسٌ السواد، فيصلّي خَلف المقام الكريم، ثمّ يصعد المنبر ويخطب خطبة بليغة، ثمّ إذا فرغ منها أقبل الناس بعضهم على بعض بالسلام والمصافحة والاستغفار، ويقصدون الكعبة الشريفة فيدخلونها ثمّ يخرجون إلى مقبرة باب المعلّى تبرّكاً بمن فيها من الصحابة وصدور السلف، ثم ينصرفون.  

وتحظى مكة المكرمة وكل البقاع المقدسة بالمملكة العربية السعودية، بحضور كبير في المكتبة العربية والأجنبية التي كانت وما تزال غنية بآلاف المؤلفات والمخطوطات التي وضعها رحّالة ومؤرخون ومستشرقون حرصوا على زيارة تلك البقاع المقدسة والتأريخ لها، ووصف الحياة بين ربوعها، ومشاهد الحج والعمرة وتوافد والحجاج والمعتمرين على بلاد الحجاز قديما.

إحياء ليالي شهر رمضان في مكة المكرمة قديما كما وصفها ابن بطوطة
Ehsan Logo