العمارة التقليدية بالجزيرة العربية: سدوس أنموذجاً
حجاج سلامة
تميّزت العمارة التقليدية في شبه الجزيرة العربية بطابعها الجمالي وتنوّع أنماطها، مع ارتباطها بالتراث وبالهويّة العربية والإسلامية، وتناغمها مع البيئة المحيطة.
ووفقاً لدراسة علمية تناولت العمارة التقليدية بعدد من مناطق المملكة العربية السعودية، فإن العمارة التقليدية هي مصطلح يطلق على المباني التي أنشئت وفقا للتقاليد المعمارية المحلية التي تميزت بحلول تصميمية توازن بين احتياجات الإنسان الروحية والمادية و احتياجات المجتمع وعاداته وتقاليده مستخدماً ما يتوفر محلياً من مواد أولية وبذلك أصبح لها ملامح عامة وهويّة محددة معبرة عن المكان و البيئة المحلية.
وبحسب الدراسة التي أعدها الدكاترة سمر محمود أحمد محمد جمعة، ومحمد علي حسن زينهم، بكلية الفنون التطبيقية بجامعة حلوان بالعاصمة المصرية القاهرة، وحملت عنوان: "دراسة أثرية للعمارة التقليدية بالجزيرة العربية" والتي تناولت ثلاث مناطق في مقدمتها منطقة سدوس التاريخية الواقعة على بُعد 70 كم من العاصمة السعودية الرياض، فإن المؤرخين والباحثين لم يهتموا بدراسة العمارة التقليدية بالشكل الكافي، وبما يتناسب وقيمتها التراثية والتاريخية.
تقاليد موروثة
ومن بين ما توقفت عنده الدراسة في تناولها للعمارة التقليدية في شبه الجزيرة العربية والمملكة العربية السعودية والعالم العربي، هو تلك العوامل المؤثرة في تشكيلها وصياغتها والمستوى التقني الذي نفذت به، وتماثل العوامل البيئية والخامات الطبيعية والظروف الاجتماعية والعادات والتقاليد الموروثة.
وتناولت الدراسة أيضاً، ما تم الكشف عنه من آثار ومبان ترجع إلى فترات مبكرة في شبه الجزيرة العربية والمملكة العربية السعودية بوجه عام، ومنطقة سدوس بوجه خاص.
الدراسة تدلنا أيضاً على أن "الاعتبارات الجمالية والنفعية في العمارة التقليدية" كانت ذات أهمية لدى أهل المنطقة العربية من الناحية الفلسفية والجمالية التي يحتاجها الإنسان، وأن بيوتهم مثّلت قيمة فنية وحملت حساّ جمالياً.
وركّزت دراسة الدكاترة سمر محمود أحمد محمد جمعة، ومحمد علي حسن زينهم، دراسة العمارة التقليدية الأثرية، وبيّنت أن العمارة التقليدية ليست "نظام يخضع إلى الهندسة أو القواعد العلمية الإنشائية بقدر خضوعه إلى حقل المعرفة الإنسانية والاجتماعية والبيئية".
وعملت على دراسة وفهم العلاقة بين العمارة التقليدية و أهل سدوس والمناطق السعودية المختلفة، وكيف أسهمت العمارة التقليدية في تماسك وتناغم المجتمعات وصون عاداتها وتقاليدها وفي مقدمة ذلك مجتمع سدوس.
عمارة باقية
ونتعرف من الدراسة على أن منطقة سدوس واحة استقرار بشري موغلة في القدم، وتحتوي على الكثير من المعالم الأثرية، ومن الآثار الباقية التي لم تندثر، تشهد على تاريخ حدث، ووقائع كبرى مرت بها.
ومن بين معالم سدوس مسلّة أثرية وجد عليها نقوش وكتابات تعود للعصور القديمة، وكذلك قصر قديم يرجّح البعض أن سيدنا سليمان بن داود عليهما السلام، قد بناه إلى جانب معالم أخرى ونقوش كتابية منقوشة على الحجر. وهناك الأبراج الحالية التي تمثل جزءًا من العمارة التقليدية في سدوس ومنها: برج آل معمَّر وهو برج الزاوية الشمالية الغربية لسدوس، ويبلغ قطر هذا البرج (5) أمتار ويرتفع عن مستوى الأرض من 10-20 مترًا. وقد بني بالأسلوب نفسه والشكل المتبع ذاته في الأبراج الأخرى بالقرية، ويمتد السور الشمالي للقرية من هذا البرج حتى البرج الشمالي الشرقي ويبلغ طول السور الواصل بين هذين البرجين (54) مترًا. وكذا برج السلطان وبرج الجميعة.
ومن معالم وأثار سدوس التي ورد ذكرها بالدراسة، كتابات ونقوش قديمة عثر عليها في السلسلة الجبلية شمال سدوس وهي أحرف مسند جنوبي يقدر عمرها ما بين 2000 إلى 3000 عام. وقد وُجدت في الجهة الشمالية من سدوس، قطعة حجرية مستديرة الشكل، مأخوذة من أعمدة بعض الدور التي أُقيمت في القرية قديمًا. وهناك كذلك، تحصينات سدوس التي تحيط بالبلدة من جهاتها الأربع، وهذه الأسوار كانت مزودة بأبراج دفاعية، إضافةً إلى البوابة الرئيسة (الدروازة) التي بمنتصف السور الجنوبي. وأيضًا برج المراقبة في الجهة الجنوبية الذي يبعد عن السور الجنوبي المسمى بالمرقب حوالي 250م.
وتؤكد الدراسة على أن أهل سدوس استخدموا الحجر والطين اللبني في تشييد منشآت المنطقة، حيث كانوا يشكلون الطمي على هيئة مداميك منتظمة، أما الحجر المستخدم في البناء فهو منحوت نحتاً جيدًا، إضافة إلى استخدامهم للدبش وهو يأخذ إلى حد ما شكل منتظم مربع بحيث يسهل رصها في شكل مداميك منتظمة، وأنه غالباً ما استخدم الدبش في بناء أساسات المنازل والأسوار باعتبار قوة تحمله للضغط والشد أقوى من الحجر ومن المداميك المشيدة من الطمي.
وبحسب نصوص الدراسة، فقد استخدم الحجر الجيري والجص في بناء المنشآت في مواضع محدودة مثل المساجد، أما الجص فقد استخدم في تكسية الجدران، ونفذت على هذه التكسيات الجبسية زخارف هندسية ونباتية كمظهر تجميل كما استخدم في السقف جذوع النخيل والأخشاب والخوص وطلائها بعد ذلك بطبقة من الطين والجبس.
العوامل البيئية والسياسية
وتوضح لنا الدراسة مدى تاثر عمارة سدوس التقليدية بالعوامل البيئية، ومدى انعكاس الظروف السياسية أيضاً على هذه العمارة، لاسيما في الاهتمام بتحصيناتها التي انعكست بصورة مباشرة على نسيجها المعماري انعكاساً مباشراً سواء فيما يتعلق بتخطيط طرقها أو تكويناتها العامة أو السكنية الخاصة.
وتُبيّن الدراسة أنه عند التحليل المعماري للمنشآت المعمارية السكنية في سدوس، نجد أنها قد تأثرت بالأعراف والتقاليد كمحور مهم للتكوينات، كما كان للمحور الديني أثره الواضح في هذا التشكيل، خاصة وأن التمسك بالقيم والمبادئ أصبح سمة من سمات المجتمع، وبتطبيق التعاليم والمبادئ الإسلامية تطبيقاً واقعياً صار مع الالتزام بمثابة السلوك والعادة مما انعكس مباشرة في النسيج المعماري لتلك المنطقة.
ولفتت دراسة الدكاترة سمر محمود أحمد محمد جمعة، ومحمد علي حسن زينهم، حول العمارة التقليدية بالجزيرة العربية، والتي اضاءت على عمارة سدوس، إلى الخبرة التي اكتسبها أهل المنطقة في إنشاء التحصينات الدفاعية، وهي الخبرة التي انعكست – بحسب الدراسة - في تخطيط الدروازة وبناء الأسوار والأبراج، والآبار وتخطيط الشارع الرئيسي وما يتفرع منه من طرق جانبية، الأمر الذي عكس مدي تقدم مستويات التخطيط والإنشاء الحربي، والتي تأثرت إلى حد كبير بأساليب الهجوم والدفاع في منطقة نجد.
أصالة وتفرّد
وشددت الدراسة على أن توارث الأجيال لفنون العمارة التقليدية بسدوس، جاءت كدليل عى أصالة تلك العمارة التي من بين ما تفرّدت به أسلوب بناء الأبراج التي يقل قطرها كلما ارتفع وهو أسلوب عربي شهير، حيث استوعبت سدوس هذه النوعية من المنشآت استيعاباً يوافق متطلبات وحاجات المجتمع المادية وبناء الآبار التي تحافظ على مياه الأمطار والمياه الجوفية التي تميزت بها منطقة سدوس.
وحول استخدام العناصر الزخرفية في العمارة التقليدية بسدوس، بيّنت لنا الدراسة ان استخدام تلك الزخارف اعتمد من بين ما اعتمد عليه على الزخارف الهندسية والنباتية التي ترجع أصولها إلى عهود سابقة على الإسلام، مما يدل على مدى توارث الأجيال في المنطقة للزخارف التجريدية بعد انقراض دلالاتها الأصلية مع بقاء الرموز، ولاحظت الدراسة وجود توافق وتكرار بين زخارف عمارة سدوس والزخارف المستخدمة على السجاد والكليم والملابس الشعبية التي بقيت نماذجها إلى الآن.

