الأفق الأندلسي القصي .. الْخِطَابُ السردي في رحلتي الغساني والورداني
حجاج سلامة
تُجمع المصادر العربية على أن أدب الرحلة يتميّزُ بخصوصيَّة وتَفَرَّد، وأن الخطاب الرَّحلي يتأسس على مجموعة من العلاقات القائمة بين الرَّحالة والزمان والمكان، ومن ثمّ تُفصح هذه العلاقات عن خطاب خاص تُدمج فيه ذاتية الرحالة بموضوعية الواقع والتاريخ من جهة، والمظاهر الاجتماعية والسياسية من جهة أخرى.
وتؤكد لنا مُقدمة كتاب "الأفق الأندلسي القصي: الْخِطَابُ السردي في رحلتي الغساني والورداني"، لمؤلفته الباحثة القطرية عذبة المسلماني، على أن أدب الرحلة يُعد جنساً أدبياً مفتوحا، وذلك بالنظر إلى اشتباكه مع أجناس أدبية متباينة.
وتغوص بنا "المسلماني" عبر فصول وصفحات كتابها الصادر عن دار السويدي للنشر والتوزيع بأبوظبي، والمؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت - والحاصل على جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة 2024، في فرع الدراسات – تغوص بنا في عوالم أدب الرحلة ورحلتي الغساني والورداني، من خلال مقاربة نقدية في ضوء نظرية ما بعد الاستعمار.
وكما يبدوا من عنوان الكتاب، فقد اختارت الكاتبة أن تتناول في كتابها بالدراسة والنقد رحلة محمد بن عبد الوهاب الغساني الموسومة بـ (رحلة الوزير في افتكاك الأسير: 1690م 1691م)، ورحلة علي بن سالم الورداني الموسومة بـ (الرحلة الأندلسية : 1887م).
وهكذا ذهبت المؤلفة لدراسة نمط من أنماط الأدب الرَّحلي، المتمثل في (الرّحلة السفاريَّة)، وهي بحسب الكتاب، رحلة يوكل لصاحبها القيام بسفارة لدى دولة أجنبيَّة؛ لتحقيق غايات سياسيّة مختلفة، إضافة إلى اختيار (الأندلس) بوصفها فضاء استشكال ثقافي بالنسبة للرحالة المسلم، وتتناول المؤلفة بالدراسة سقوط الأندلس ( 897 هـ / 1492م ) بوصفه حدثًا بارزًا في الثقافة والأدب الإسلاميين خلّف آثاراً كبيرةً في الذات العربية ستبقى ماثلة في الذاكرة والمُتخيَّل الأدبيين.
وقد رأت مؤلفة كتاب "الأفق الأندلسي القصي: الْخِطَابُ السردي في رحلتي الغساني والورداني"، أن خطاب الرّحلة الأدبي وسياقها الثقافي يُمثل أحد أبرز الخطابات التي جسدت معالم تلك الآثار والمعاني العميقة، وأن تلك الآثار والمعاني تعززت في تجربتين مختلفتين في الزمن والمرجع ، ومُتماثلتين في الهدف والغاية ومتقاربتين في المسارات والمسالك هما رحلتي "الغساني" و"الورداني".
وقد سعت الباحثة عذبة المسلماني، من خلال كتابها، إلى التأكيد على أن خطاب الرّحلة يُعد حقلاً معرفيّاً غنيّاً لرصد سياسات الهوية، والذاكرة، والأرشيف عبر تحليل مستويات الخطاب وتحديد مفاصله الأساسية، وتعيين مفاهيمه الدقيقة، واستجلاء أنساقه الثقافة عن الذات العربية التي عاينت أفول أندلسها، وتداعي ذاكرة حضرت في الأندلس ما يُقارب من ثمانية قرون.
وتُناقش كذلك، منطلقات متعددة تحتاج إلى فحص وتمحيص في خطابي رحلتي "الغساني" و"الورداني"، أهمها الوجهة التي قصدها الرحالتان المتمثلة في إسبانيا والوجود العربي التاريخي فيها.
وكما نطالع على صفحات كتاب "الأفق الأندلسي القصي: الْخِطَابُ السردي في رحلتي الغساني والورداني"، فإن الرّحلة إلى إسبانيا تُشكّل رحلة واقعية - متخيَّلة إلى الأندلس العربية الإسلامية. ومن ثم، فالرّحلة الأندلسية تقوم على خطاب مناهض للاستعمار بوصفه فعل رد بالكتابة يكشف عن الأنساق المعرفية التي استندت عليها ذات الرحالتين في صياغة تصوراتهما عن الآخر لا سيما أنَّ زمن الرّحلة السفارية لا ينشأ إلا بعد استحضار الظروف التاريخية السابقة التي قامت السفارة لأجلها.
وقد عملت المؤلفة من خلال فصول كتابها على تحليل الصور السردية في الرحلتين المستهدفتين بالدراسة، ذلك أن رحلة الوزير في افتكاك الأسير والرحلة الأندلسية قدمتا خطابًا رحليّاً يُرى من عمومه أنه بحث في معرفة الآخر وتمثيل صور الأنا في مراياه، إلا أنه يمتاز عن كونه تدوينا لصور إنساناً وثقافة في أنه يبوح بصور ذات الرحالة وأناه الجمعية، ويكشف عن طريقة تفكيره في الآخر استناداً إلى مرجعيات عدة شكلتها ذاكرة الرحالة الأدبية وبصيرته المعرفية وحساسيته الثقافية.
وحرصت المؤلفة – كذلك – على الكشف عن الذاكرة الثقافية المناهضة للاستعمار في الرحلتين، على افتراض أن خطاب الرّحلة يشكّل خطاب مقاومة أو فعل رد بالكتابة ناهضاً بمقاومة القوى الاستعمارية، وهذا يعني أنه خطاب يتجاوز مقاصد الرّحلة في لحظتها التاريخية ومقاصدها السياسيّة إلى الخطاب المقاوم.
وتؤكد لنا صفحات الكتاب على أنَّ الرَّحالتين - في خطابي رحلتيهما - أنتجا صورةً للآخر المستعمر شكلت نسقيّة مضمرة لإيديولوجيا الاستعمار، بُنيت على أساسها منظومة قيميَّة طبعت بسمتها المواقف التي عُبِّر عنها في الرحلتين.
ومن ثمَّ، فقد ارتكزت فصول الكتاب على تصوّر مُفاده أنَّ الرّحلة إنباء عن ذهنيةِ الرّحالة وتصويرُ مكونات وعيه الثقافي وخطابه السردي.
ومن هذا المنطلق، فقد سعت مؤلفة كتاب "الأفق الأندلسي القصي: الْخِطَابُ السردي في رحلتي "الغساني" و"الورداني"، إلى إثارة أسئلة عدة منها ما يتصل بالمرجعيات الثقافية التي استند عليها الرَّحالتان في التعبير عن ذاتهما وعن الآخر، خاصة بعد فحص هذه المرجعيات بالنظر إلى سقوط الأندلس الذي يمثل بدوره نموذجًا استعماريًا في متخيَّل المسلمين، فالرحالتان يستدعيان في الرحلتين، ذاكرتهما التاريخيَّة، حاشدين في ذهنهما وقائع مختلفة تتصادم فيها الأنا المستعمرة بالآخر المستعمر ، وهما بهذا التداعي يعيدان تقدير ذاتهما الحضارية وتوكيد أمجاد أسلافهما.
ويحاول الكتاب الإجابة عن بعض الأسئلة، مثل ما المواقف التي عبر عنها الرَّحالتان عن الآخر المستعمر داخل الأنساق المضمرة في الرحلتين؟ وما أفعال الذاكرة الثقافية التي انطلق منها الرحالتان في رؤيتهما للآخر؟ وهل عَمِلَ الرَّحالتان مُخْبرَين محليين يعرضان في الرّحلتين أحوال وطنهما؟ وما مكوّنات الخطاب السردي التي اعتمد عليها الرَّحالتان في نقل تجربتهما من ذاكرة الأرشيف إلى ذاكرة السرد؟ وكيف وظفها الرَّحالتان داخل الخطاب الرَّحلي؟
وللإجابة على تلك الأسئلة، فقد عملت المؤلفة على الكشف عن الخصوصيات الخطابية للرّحلتين، والخصوصيات العامة التي تشترك فيها كونها رحلات سفاريَّة. فـ "السرد يُعَدُّ فاتحا لعتبات الانتقال من مكان إلى آخر، إذ من خلاله ينطلق الرحالة معلنا عن سفره، ودوافعه وغيرها من مقومات الخطاب الرّحلي بما يتضمنه من الأوصاف والإخبار واستحضارات أفعال الذاكرة وانثيالاتها".
ويبحث كتاب "الأفق الأندلسي القصي: الْخِطَابُ السردي في رحلتي الغساني والورداني"، لمؤلفته الباحثة القطرية عذبة المسلماني، في موقع الأندلس الثقافي وأثره في الذات العربية، ويرصد تمثيلات التابع الثقافي والمخبر المحلي في خطاب رحلتي "الغساني" و"الورداني".
ويكشف الكتاب عن تمثيلات التابع، ومقاومته آليات الهيمنة والإخضاع التي مارستها القوى الاستعمارية من تحقير للآخر المُسْتَعْمَر بتنميطه والسيطرة على إمكانياته بغية إعادة بنائه ثقافيّاً. ويُحدثنا الكتاب عن موقع الأندلس الثقافي وأثره في الذات العربية والإسلامية، وما حظيت الأندلس من مكانة سامية في التاريخ العربي والإسلامي، وكيف أن فتحها كان باكورة مرحلة مشرقة ومزدهرة من الحضارة والثقافة والعلم.
ويستعرض الكتاب ما توفر للأندلس من أسباب التقدم والتطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي حصدت على إثره موقعاً مؤثراً في الذات العربيَّة والإسلامية. وكيف أنه بالقدر الذي نالت به منزلة رفيعة على مدار قرون من الزمن كان سقوطها مدويّاً خلَّفَ آثاره العظيمة في الوجدان العربي والإسلامي.
ويتوقف الكتاب عند هذا التجاذب حول رمزيّة الأندلس، هذا الإسم الذي عندما يذكره العرب فإنهم يذكرون جنّة الله على الأرض، ورمز العزة والمجد حينًا ورمز الهزيمة والهوان حينًا آخر.

