المنمنمات والتوثيق التاريخي بين الخيال والأبعاد الفنية وتصوير الأحداث

المنمنمات والتوثيق التاريخي بين الخيال والأبعاد الفنية وتصوير الأحداث

أحوال المعرفة – خاص 

 

هل يمكن للمنمنمات أن تشكّل مصدرًا ومرجعًا معتمدًا لتسجيل التاريخ وتوثيقه؟ 

لقد ارتكز العلماء والمؤرخون ، من وجهة منهجية، على عناصر متعددة من التوثيق، منها : الكتب والمخطوطات، والوثائق، والصور، وربما بعض العناصر الأخرى كالفنون الأدبية والشعر والروايات الشفهية والسير والحكايات والأمثال الشعبية، وربما اقتربت قليلا من الآثار والنقوش والعملات المسكوكة ثم الفن التشكيلي، بيد أن المنمنمات ، نظرًا لرؤاها الفنية، وتشكيلها الزخرفي ربما نأت بشكل أو بآخر عن كونها تمثل مصدرًا جوهريًّا للتوثيق التاريخي، خاصة أنها عبارة عن لوحات صغيرة دقيقة تفاصيلها، تُزين المخطوطات والكتب القديمة، لكنها مع ذلك تظلُّ راصدةً لوقائع وأحداث اجتماعية وتاريخية وطقسية وفولكلورية، وقد يعدها بعض الباحثين من أهم أدق وثائق التاريخ المرئي للشعوب الإسلامية، والآسيوية، والأوروبية خلال العصور الوسطى وما بعدها، وهذا ربما ما يدفع إلى الإشارة إليها أحيانا كأحد المصادر للتسجيل والتوثيق، وإن ابتعدت في ترتيب حضورها في هذا المجال عن المصادر الأخرى. 

 

المنمنمات والتوثيق:

والسؤال هنا : كيف يمكن للمنمنمات أن توثّق التاريخ؟ وبعضها يدخل فيه الخيال والبعد التشكيلي الفني في تكوين عناصرها؟ 

يرى بعض الدارسين أنه يمكن تخدم المنمنمات المؤرخين كشاهد عيان على تفاصيل الحياة اليومية والسياسية التي قد تغفل عنها النصوص المكتوبة، ففي مجال الحياة الاجتماعية، تقوم المنمنمات  بتصوير الأزياء، قصات الشعر، أدوات الطبخ، والآلات الموسيقية، كما أنها في لوحات عدة يقوم راسموها بتوثيق احتفالات الأعياد، ومواسم الحج، وطرق العبادة، فيما إنها تتضمن رسم شكل المساجد، القصور، الأسواق، والحدائق بدقة، وتنقل أشكال العمارة وتطورها، كما تقوم بتوثيق المعارك، ومراسم تنصيب الحكام، واستقبال البعثات الدبلوماسية، وفي مجال الطب والعلوم تقدم شرح العمليات الجراحية، و التركيبات الكيميائية، والخرائط الفلكية، ويحمل التراث الفني الإسلامي الكثير من المنمنمات متعددة الموضوعات كالسفر والحروب ومواسم الحج وطرقه، كما أنها تصور الشخصيات الشهيرة في أحداث متنوعة، كما أنها تزخرف الكتب الأدبية والعلمية بشكل قد يعرّج إلى شرح مضامينها ومحتوياتها ، وهو الأمر الذي يجعلها تتضمن ما يمكن أن يفيد منه المؤرخ أو الباحث في التاريخ، أو في مجال البحث عن ظاهرة أو موضوع تاريخي قديم، ولعل منمنمات الحروب والوقائع التاريخية القديمة هي أكثر ما يبرز في هذا المجال، حيث تقدم رسوما للمعارك والخطط العسكرية، وتظهر الأدوات الحربية كالسيوف والدروع والرماح والنبال، كما تظهر الخيول والملابس العسكرية، وقد اعتنى خلفاء الدول الإسلامية بتسجيل الغزوات والمعارك والفتوحات عبر المنمنمات. 

 

آفاق فنية: 

 يعدُّ يحيى بن محمود الواسطي ، وهو رسام وخطاط عربي من القرن الثالث عشر الميلادي (القرن 7 هـ) من أشهر رسامي المنمنمات الإسلامية والعربية  وقد اشتهر بتزيين نسخة : (مقامات الحريري) عام 1237م بمائة منمنمة دقيقة تعكس تفاصيل الحياة اليومية في العصر العباسي، ويُعد مؤسس مدرسة بغداد للتصوير، كما يعد كمال الدين بهزاد: أعظم أساتذة المنمنمات في هيرات (أفغانستان حالياً) خلال العصر التيموري؛ لُقب بشبه الأسطوري في فنون الزخرفة وتصميم المخطوطات لدقة تفاصيله وحيويّة ألوانه، ويأتي بعدهما: إسماعيل الجزري: عالم ومبتكر عربي، أبدع في رسم منمنمات هندسية وميكانيكية دقيقة لتوضيح اختراعاته وآلاته في كتابه الشهير : (معرفة الأجهزة الميكانيكية المبتكرة) 

أما في أوروبا فإن أشهر رسامي المنمنمات فهو : جان كلويه، وهو رسام فرنسي من عصر النهضة (القرن السادس عشر الميلادي)، اشتهر ببراعته في رسم البورتريهات الملكية والمنمنمات في البلاط الفرنسي، وإسحاق أوليفر، وهو:  رسام إنجليزي بارز في العصر الإليزابيثي، اشتهر بدقة لوحاته المنمنمة الشخصية الصغيرة. 

أما عن أشهر المخطوطات التاريخية المدعومة بالمنمنمات فهي : ( مقامات الحريري) التي رسمها الواسطي وتوثق تفاصيل المجتمع العراقي في العصر العباسي، و كتاب: ( الترياق) وهو عبارة عن مخطوطة طبية تظهر طرق العلاج والصيدلة في العصور الوسطى، كما توثق السير العثمانية (هنرنامه): فتوحات السلاطين العثمانيين، ومعاركهم، وقصورهم، وهاك منمنمات شهيرة في هذا المجال. 

المنمنمات والتوثيق التاريخي بين الخيال والأبعاد الفنية وتصوير الأحداث
Ehsan Logo