تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

القراءة النقدية بين الحيادية والانطباعية

القراءة النقدية بين الحيادية والانطباعية

د. وليد إبراهيم القصاب


يتبنى أصحاب نظرية التفكيك وأصحاب نظرية القراءة والتلقي عمومًا، فكرة خطيرة جدا، وهي فكرة ( عدم حيادية القراءة) وذلك من منطلق أن القارئ – كما يقولون- ليس مستهلكًا أو مستقبلًا للنص فحسب، ولكنه منتجٌ يعيد تشكيل النص، أو قل كتابته إن شئت فهو القارئ الكاتب يستنطق النص، ويستخرج الدلالات الكامنة فيه، وهي دلالات لا تنتهي دلالات غير نهائية، ولا سيما بعد أن أنكرت هذه البدعة وجود أي مركز للنص، وصار هذا النص – بتعبير – بارت- " لا يمكن أن يعني أي شيء، وليس ذلك الموضوع الذي ينبغي للنقد أن يتقيد به، بل هو فضاء يمكن للنقد أن يلهو فيه ويلعب" وهذا اللعب الذي يتحدث عنه بارت هو لعب القارئ الناقد الذي لم يعد للنص وجود إلا به . 

وإن القارئ- في هذه البدعة الغريبة الخطيرة – لا يقوم فقط بعملية استحضار " الغائب" من " الحاضر" أي استحضار " المدلول" الغائب من " الدال" الحاضر، استنادًا إلى المفهوم المتداول المتمثل في أن معرفة " الدال" تحدده أعراف اللغة، وأساليب الاستعمال، ولكن القارئ عندهم يتدخل – بفكره وعقيدته وذوقه – في استنطاق النص، فتمتزج في العمل الأدبيّ، أو – إن شئتَ – بقصدية المؤلف، فيخرج هذا النص عن الحياد، ويصبح له من القراءات والقراء .(1),

وهذا القارئ – عند أصحاب التفكيك والتلقي – أهم من النص ذاته ومن أية ملابسة تتعلق به وأهم من المؤلف ومن اللغة ودلالتها المعرفية، إنه هو السلطان وحده، ولا سلطان فوقه.

ومن منطلق رفض كل قراءة سابقة، والاستهانة بها، أصبح كل قارئ يسعى إلى ابتداع قراءة جديدة تخالف المألوف، لذلك يصبح النص مسيسًا للقارئ أو – كما يرى جاك دريدا – " مرتبطا بنوع من ممارسة سياسية ومحاولة لتعرية المنطق الذي يصون قوة نظام محدد من الفكر وقوى نظام كامل من البنى السياسية والمؤسسات الاجتماعية" (2). إن قراءة التفكيك والتلقي هي ممارسة يقوم بها القارئ الذي هو السلطان ، فقد انتهى – في رأي الناقد الأمريكي بول دي مان، أحد أقطاب التفكيك – بشكل قاطع زمن تسلط العمل الأدبي (3)– أي " سلطة النص" التي نادت بها البنيوية، وصار الأمر للقارئ وأضحى من حقه – بناء على هذا السلطان الواسع الذي أعطى له أن يقوّل النص ما يشاء، وأن يستنطقه بما يريد، وأن يسبغ عليه من رؤاه وتصوراته وأيديولوجيته ما يبغي. 

إن القراءة التفكيكية إذن هي قراءة تنعدم فيها النزاهة والموضوعية، تنعدم فيها الحيادية لأنها لا تعتمد على النص، وما تحمله لغته من دلالات، ولكنها تعتمد على قارئ يقرأ النص من منظور معين ، وهي عندئذ قراءة غير موثوق بها ولا معترف بكل ما تتمخض عنه من تفسير أو تأويل. 

وتسلم هذه الفكرة بدورها إلى الفكرة الثانية ، وهي أن كل قراءة هي إساءة قراءة ( Miss Reading ) وإنها كذلك حقا ما دامت لا تقوم على أسس موضوعية، وما دام الأساس الذي يقوم عليه كل تفسير – وهو الثقة بالعلاقة بين الدال والمدلول – منعدمًا أو مشكوكا فيه على الأقل . 

وكل قراءة عندئذ –مهما كان نوعها – قراءة معترف بها ولكنها غير نهائية أي هي قراءة محترمة وغير محترمة، مقبولة ومرفوضة، مسموح بها ومستبعدة. 

ويقود ما تقدم كله – بشكل تلقائي – إلى الشك في أي حقيقة يمكن أن يقولها أي نص، وتصبح قاعدة " لا يمكن لأي نص أن يقول شيئا محددا" هي السائدة المهيمنة. 

وهذا ما أشار إليه لناقد الفلسطيني الأمريكي – إدوارد سعيد – حيث ذكر أن الناقد التفكيكي يعمل على هدم الإجماع على دلالة النصوص، وزعزعة الثقة فيها، ليشكك في هذا النظام، ويفتح المجال أمام تعدد المعاني، فتصبح النصوص ساحة تباينات لا اتفاقات، وساحة اختلاف لا اتفاق، وساحة تفجير للمعاني لا حصرها وتحديدها" .(4)

نعم إن القراءة هي حوار فعال بين القارئ والنص، ولكنه حوار ينبغي أن ينطلق من النص، فالنص عالم مادي محسوس له وجوده وكينونته ، له نظامه وألفاظه وتراكيبه التي تضبطها قواعد اللغة وقوانينها، وليس صحيحا ما يقوله رامان سلدن من أن " المعنى في النص لا يصوغ ذاته أبدا بل إن على القارئ أن يحضر في المادة النصية لكي ينتج المعنى" .(5)

وليس صحيحا كذلك أن النص لا وجود له إلا بالقارئ ، بل إن النص موجود أنتج وانتهى أمره، والقارئ مستقبل له ولا يمكن أن نقول عن جهاز ما إنه غير موجود حتى يُستعمل .


عجيب قول أحد النقاد : إنه لا قيمة لقراءة تقول لنا ما قد قاله النص، وإن النص إذا كان قد قال قوله فهذا يحسم كل قول بعد ذلك، وبئست هذه القراءة التي قد تقول لنا قولا قد قيل فعلا، وترسخ بالنص نفسه ولو فعلت ذلك فهذه ثرثرة وترهل يغنينا عنها النص،(6) أو قول أحدهم " لا ينبغي

القراءة النقدية بين الحيادية والانطباعية
Ehsan Logo