تقاسيم الأخضر .. في أعمال التشكيلية اعتدال عطيوي
بقلم: راضي جودة
ماذا لو .. أضحى الكون أخضر في الوطن الذي يشهد اليوم ربيعه ويرتدي ثوبه الأخضر في الطرقات والمنافذ الأبواب والنوافذ الأخضر يغطي صفحة المشاهد ويملأ كياني كيف لا أحتفي به وأفرح وهو لون الحياة أزهو به وأمرح هل عرفت سري الأخضر فا تقيس المشاهد برؤيتك التي تعددت ألوانها واترك لي لحني وأغنيتي قبل أن تلهو بنا الحياة وتسخر تجري دماء العشق في غصنك الأخضر لا أدري كيف سار اللحن ممزوجا بعاطفتي وأنا أشاهد لوحات المبدعة السعودية المخضرمة الدكتورة الفنانة اعتدال عطيوي، فالأخضر السائد على مساحات البياض يرسم صبحًا أخضر، ويبهج النفس التي تترقب القادم ربيعا، ويجعل صخب الحياة أقل ضجيجا، واللون الأخضر له دلالة النماء على مستوى منهجية علوم الطبيعة وتطورها، وهنا على صفحة المساحات في (معرض تقاسيم الأخضر) ينعكس على روح الفنانة التي من خلال فرادة اللون فرادة الراية وفرادة الوطن (أخضر سعودي) هكذا يطلق اسم اللون في عالم التصاميم .
من الملاحظة الأولى اتسم المعرض بوحدة المساحات التي تربع فيها الشكل المربع كالأكثر حضورا عن سواه من المساحات، حيث تتوازن الأضلاع وتتحد الاتجاهات التي تتعدد من خلالها زوايا الرؤية لولا تدخل الفنانة بوضع توقيعها لقلنا أن اللوحات هي مدار هذا الكون الأخضر للحلم الأخضر.
كلمات قصيرة وموجزة ولكن المشاهد تنساب داخلي نهرا من مشاعر لا تهدأ عندما تتعمق في اللوحات لأي معرض من المعارض بعد نظرتك الأولى وتعود من جديد للزيارة بعيدا عن صخب الافتتاح تشاهد رسائل الفنان بمستوى أكثر عمقا .. ولذلك فإن لوحة الهدف او التارجيت ( لوحة )1 التي ضمها معرض الفنانة عطيوي تعبر لك عن معنى آخر غير المألوف فاللوحة الرمز للتصويب او المشهورة بالهدف نعرف انها تحمل الوان متعددة بنسب تحقيق ذلك الهدف او خارجة وربما تحمل لون واحد ولكن متدرج ايضا اي الوصول للهدف يتحقق له مستويات بيانية من العشرة ارقام وحتى المئة ولكن رسالة اللوحة هنا تريد تخفيف العبء وترفع العتب عن البعض ممن لم يصلوا إلى نقطة الذروة بان مجرد تلامس الهدف هو وصول للهدف والدليل هنا أن درجة اللون واحدة وهو معنى جديد يحسب للفنانة في عمق التجاربالإنسانية التي ترتعد من الاخفاق من الوصول لهدف قد وضعوا له تقييما قد يتحول لساتر يحول دون اعادة الدخول للتجربة، وربما كانت هناك قصدية أخرى للخداع البصري حول دائرة المحتوى بين ناظريك تأويل يقبل التنوع والاختلاف هنا عندما تتعايش دائرة النفس منفصلة أو متصلة مع مجموعة الدوائر في مسار من المسارات لا يحمل سوى الانعطاف اللين دون تلك التقاطعات والزوايا الحادة تجد سلاسة المسار كما الدماء بين الأوردة والشرايين تتجنب التصادم (لوحة 2).. وكأنما تستدعى، وهنا أيضا نظرة من شاهق للمدينة التي تجاورت داخلها المباني وتزاحمت حتى اختفت منها تفاصيل الخصوصية التي يحدد لها سهم الوصف بمكان الموقع الذي لا وجود له هنا .. فإذا كان الامر كذلك داخل المدن المزدحمة ولا وسيلة لحلحلة المساحة من أجل بقع للحدائق الخضراء .. فلتكن اسطح منازلنا والمساحات الباقية من التفاصيل تستنشق البيئة الحية الطبيعية .. وتستدعي الحياة التي كادت أن تغيب من مشهد الوصف للخارطة، (لوحة 3) كيف تتوقع ملامح الصورة عندما تتهلل داخلك مدركات المشهد، وتفاصيل الداخل ينغمس في روحك غصنا ورأسا وافرع شجرة وطيور تعيد ترميم اعشاشها ؟ .. وما هي مشاعرك عندما تكون لديك قراءات متعددة ولا تقف على حدود الخطوط الخارجية ؟ فانت تمنح روحك لذة الرؤى لانعكاسات النفس .. تراها اليوم انف ورأس وتراها غدا حديقة وملعب .. (لوحة ٤) اللوحة هنا لدى الفنانة اعتدال تمنحك جمال التأويل بل هي ايضا كاشفة لانعكاسك النفسي صحيحا كان او معتلا امام لوحة تضع لها انت الوصف والتفاصيل .
البراعم منا .. ( لوحة ٥) من نفس النبتة تحتاج لجذع قوي تستند عليه لتخرج للحياة .. ليست كل البراعم كما يظنها البعض حشرات تتسلق اغصاننا او تتغذى من سيقانا ولكنها كائنات ضعيفة احتمت بمن تشبث بالأرض ونما وترعرع .. تلك الصورة لا يراها معتل النفس والروح . ولأن الفنانة إعتدال بالأصل اخصائية نفسية تضخ افكارها مقياسا لحالات لا تكشف عن ذاتها إلا أمام الدهشة، وقد يرى المتلقي كثافة الأشجار كالغابة في المشهد هناك ( لوحة ٦) حيث يصور له تفكيره ربما محاولة التخفي والاحتماء وسط تلك الكثافة العددية ، وهنا في هذا العمل ( لوحة ٧) دور آخر مهم في الرموز والترميز بأشكال الكتابة قديمها وحديثها أو التدوين الرمزي كالوسم وهذا التداخل الذي يشبة صخب الحركة والكلام واصوات المركبات والإعلانات في العواصم الكبرى، ولعل اللوحة هنا تبحث عن حلحلة ذلك التشابك وهذا التزاحم .
المعرض يحتاج العديد من التفاصيل من التفكيك البنيوي للأفكارمن نواٍح عديدة في التمازج اللوني وتنوعه والانتقال باللوحات من مكان إلى آخر وطرح العديد من الأسئلة التي تدور في ذهن المتلقي للمرة الأولى وباعثة منبواعث التحقق من القدرة على الإدراك ومفهوم الثقافة البصرية، ولعل اللوحة الأخيرة ( لوحة ٨) في محوري هذا أراها من زوايا متعددة بها ملمح منبت السعف في رأس النخيل بتلك الكثافة أو كأنها السيل الأخضر ينسلب إلى الوادي من كل الجهات، المعرض فعلا يستفز الشعور بأتجاه التفسير الفلسفي لهذا الاختيار في اللون والشكل والموضوع، منجز يستحق المتابعة .

