تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

في كتاب نادر صدر بالقاهرة قبل 99 عاما .. كاتب مصري يرسم صورة الملك عبدالعزيز قبل تأسيس المملكة بخمس سنوات

في كتاب نادر صدر بالقاهرة قبل 99 عاما .. كاتب مصري يرسم صورة الملك عبدالعزيز قبل تأسيس المملكة بخمس سنوات

أحوال المعرفة – خاص

 

هو كتاب تاريخي نادر، قلما تشير إليه الدراسات والمصادر والمراجع، ألفه الكاتب المصري محمد شفيق مصطفى في العام 1927م وفيه يصور رحلة قام بها من القاهرة إلى الجزيرة العربية في العام 1926م على ظهور الإبل، من القريات شمالًا، إلى الرياض في 35 يومًا، وقام بنقل مشاهداته عن البلدان التي زارها في كتاب بعنوان: «في قلب نجد والحجاز»، وقد قام بنشر مقالات الكتاب أولا في جريدة السياسة الأسبوعية المصرية التي رأس تحريرها الأديب والكاتب  والشاعر محمد حسين هيكل ، ثم جمعها في هذا الكتاب. 

وفي الكتاب تناول بعض صفات سكَّان نجد وصبرهم وفراستهم، وعند وصوله الرياض تشرَّف بمقابلة الملك عبدالعزيز، الذي قال له بالحرف الواحد: «إنَّ حُبِّي وتقديري لأبناء مصر فوق ما تتصوَّر"

ومن أجمل العبارات التي ربما لم يتم تداولها على نطاق واسع في الكتب البحثية والتاريخية وصفه للملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود، يقول عنه:

" وأما جلالة الملك عبد العزيز بن السعود فطويل القامة، ممتلئ الجسم، نُحاسي اللون، برَّاق العينين، سَمْحُ المُحَيَّا، يضع على عينيه نظارة، وتبدو عليه مخايِلُ الذكاء المُفْرِطِ، وقوة الإرادة، وشدة العزم مع سماحة الخُلق، وَأَنَاةٍ وتدبُّر في كل ما يخرج من فمه من الكلام. وجلالته يناهز الخمسين من عمره، وقد أصُيب في إبهام يده اليسرى برصاصة أثناء الحرب فتركت أثرًا ظاهرًا فيه حتى الآن، ومن عادته إذا سار خفض برأسه نحو الأرض، ويلبس عباءة نجدية مزخرفة بالذهب، كثيرًا ما يرفع جزءًا منها تحت إبطه، لا يسرع أثناء سيره، وهو محبوب من شعبه، لا يتوجس خِيفَةَ شَرٍّ من أحد؛ فلا يهتم كثيرًا بملازمة الحرس إياه " 

 

قبل انبثاق الفجر: 

وفي وصفه لحياة الملك عبدالعزيز اليومية يقول الكاتب: 

" لقد اعتاد جلالته أن ينهض قبل انبثاق الفجر دون أن يُلْزِمَ أحدًا من خاصته بالنهوض

في ذلك الوقت، وبعد أن يتوضأ ويتلو ما تَيَسَّرَ من القرآن الكريم، ويؤذِّن المؤذِّن بصلاة

الفجر، يقصد إلى مسجد القصر حيث يكون في انتظاره هناك عدد من عبيدِه، فيؤدي صلاة الفجر، ومن ثَمَّ يعود إلى إيوانه فيتناول طعام الإفطار مع من يكون حاضرًا من أبنائه وأفراد أسرته، حتى إذا فرغ من هذا انتقل إلى مكتبه الخاص في ديوانه، فيأخذ في مطالعة الرسائل، واستعراض بعض المسائل وبحثها وإبداء رأيه كتابةً، ويَظَلُّ كذلك حتى بعد شروق الشمس بساعة، ومن ثَمَّ ينتقل إلى إحدى قاعات الاستقبال حيث يستقبل بعض أخصّائه، ويرسل في طلب بعض مَنْ لَهُمْ به شأن هام، وبعد ذلك يستقبل وفود الإخوان فيقضي في الاحتفاء بهم ومسامرتهم وسماع ما يُدلون به إليه من الأقوال والأحوال وقتًا غير قليل.

 وممَّا يُذكر أن أولئك الإخوان يتحدَّثون إلى مليكهم كأنما يخاطبون واحدًا من

إخوانهم البدو في الصحراء، وليس ذلك منهم كما يتبادر إلى بعض الأذهان " جحلفة بدوية" ولا قلة احترام لملوكهم، ولكنَّهم يفعلون ذلك تمسُّكًا بسُنَّة السلف الصالح، والسير 

على ما كان عليه المسلمون في أيام الخُلَفَاءِ الراشدين. مثال ذلك أني رأيت أحدهم يخاطب مولاه الملك بقوله :" يا عبدالعزيز" فاستكبرتُ ذلك منه، وكدتُ لا أصدقُ سمعي، لحقارة شأن المتكلم وسعة صدر جلالة  المخاطب، لولا أن أحدهم همس في أذني قائلًا: " ذلك هو الدستور الذي شرعه لنا هذا الملك، فهو يقبله على العين والرأس، ولا يرضى سواه بديلًا " . 

 

وثيقة تاريخية: 

يُعَدُّ هذا الكتاب  الذي أعيد طبعه إلكترونيا بمؤسسة هنداوي عام 2012 م بمثابة الوثيقة التي أرَّخَت لتاريخ نجد والحجاز على رمال صحرائها، حيث تضمَّن سلسلة مقالاتٍ سياسيَّةٍ واجتماعيَّةٍ ودينيَّةٍ وجغرافيَّة، حملت بين طيَّاتها حقائقَ ومشاهداتٍ في قلب شبه الجزيرة العربية. وقد أرَّخ «محمد شفيق مصطفى» لنجد والحجاز من خلال وصف البلدان التي زارها، والتي أفصحت بدورها عن العادات والتقاليد والموروثات الشعبيَّة والثقافيَّة والعَقَدِيَّة. وقد استهلَّ الكاتب رحلته بزيارته لبلدة «قريات الملح» باعتبارها أول بلدة تدخل في نفوذ «الملك عبد العزيز آل سعود» العاهل السعودي آنذاك، ثمَّ زار مدن «الجوف»، و«حائل»، و«بريدة»، وتحدَّث عن عقيدة النجديين، كما وصف مساجد الرياض، وحِرص أهلها على الصَّلاة، ومعاقبة مَن يتأخَّر بأخذ «كوفيَّته»، فإنْ عاد أخذُوا «عباءته»، فإن عاد عُوقب بالسِّجن.

كما ذكر تطوُّر عنيزة وبريدة بالنسبة لغيرهما، وتكلَّم عن مهارة أهلها في التِّجارة، كما ذكر عُملة حائل حينها: (الشوشي) ، ويسمِّيها بعضهم الرِّيال، وتكلَّم أيضًا عن ماء السَّماح في حائل، وأنَّه لا يقلُّ أهميَّة عن ماء فيشي المعدنيَّة بفرنسا، كما ذكر فوائده الطبيَّة.  

واختتم رحلته بزيارته لأم القرى؛ «مكة المكرمة»، حيث تحدَّث عن نظام إدارتها، وشعائر الحجِّ وطقوس الصيام ومختلف العبادات فيها، وقد لاحظ محمد شفيق أفندي ، أن أكثر المتاجر والحوانيت مغلقة، في شهر رمضان المبارك في مكة المكرمة، وأن حركة المارة في الشوارع خفيفة، وتبدو المدينة كأنها خالية، يقول في ذلك: " وقد بحثنا عن السبب في ذلك، فعرفنا أن سكان مكة ينقطعون بكلياتهم وجزئياتهم خلال شهر الصوم للعبادة، ولزوم المساجد، ونسيان متاع الدنيا ومشاغلها" . 

واختتم مرئياته التي طرحها في كتابه التوثيقي عن الرحلة بالقول: " هكذا تطوَّرت الحال في مملكتَي نجد والحجاز، وتمَّ لهما ذلك الاندماج المتين، فخرجت نجد من عُزلتها الطَّويلة عن بقيَّة الشعوب الإسلاميَّة المتحضِّرة. لقد أصبح ملكها هو صاحب الكلمة النَّافذة، والصوت المسموع في الأراضي المقدَّسة وشؤونها، وبات اسمه عَلَمًا بين ملوكِ الإسلام، يُشار إليه بالبَنَان، وقد أثبت بالفعل لا بالقول أنَّه جديرٌ بهذا الملك المترامي الأطراف، الجليل الشأن في عيون سائر المؤمنِين" . 

في كتاب نادر صدر بالقاهرة قبل 99 عاما ..  كاتب مصري يرسم صورة الملك عبدالعزيز قبل تأسيس المملكة بخمس سنوات
Ehsan Logo