الكونفدرالية الثقافية والكتابة بيدين أو أكثر ,,
سهيل محمد نجيب
ُتعّد الكتابة المشتركة والتأليف الثنائي أوالجماعي من الظواهر الشائعة والمحببة في الإرث العلمي والمعرفي والإثني، وقد تقّبلها الناس قبوًلا حسنًا، لما فيها من تعزيز للفكرة وتنويع للرأي، أما بالنسبة للأعمال الأدبية على وجه التحديد، فتلك الظاهرة مغامرة محفوفة بالجرأة والشّك وكثير من المخاطر، وقد شاعت هذه الظاهرة في معظم دول العالم منذ وقت بعيد، وكانت تقتصرعلى مؤلفات الفلسفة والدين وعلوم الاجتماع وتحقيق المخطوطات. وتلك الظاهرة ليست وليدة العصر الحديث، فالتراث العربي يضّم العديد من النماذج التي ظهرت في عصور التدوين الأولى كقصائد الشعراء الجاهليين، ورسائل إخوان الصفا في القرن الرابع الهجري، وعرفها العالم في كتابة الأساطير والملاحم اليونانية كالأوديسة والإلياذة.. وغيرهما في بلدان أخرى حول العالم.
هذا الشكل ا لجديد من الكتابة يقوم على رابطة بين المؤلفين يتمّتع أطرافها بالسيادة وبعض الصلاحيات الفكرية والتقنية الكتابية ضمن إطار التفاهم والاتفاق والتقارب في النسق الثقافي الذي يجمع بينهم، والذي يشبه إلى حد كبير الكونفدرالية في الُنظم السياسية.
وفي عهد قريب؛ اجتمع اثنان أو أكثر من أهل الاختصاصفيمجالمعّينمنالعلومعلى إعداد مؤلفات، ومراجع وسلاسل في السياسة والاقتصاد، والعلوم الحديثة الأخرى، كالطب والكيمياء والفيزياء وفروع التقنية المختلفة، واستقطبت التجربة كذلك؛ الكتبة العاملين في الإعلام والإعلان والرياضة والفنون، وحتى (معلمي) المهن والأعمال الحرفية والمشغولات اليدوية، و(أعلام) ُكتب الطبخ والأزياء والتجميل والرشاقة. وتضّم رفوف المكتبات حول العالم العديد من تلك المؤلفات الموّزعة في شتى حقول الفكر والمعرفة والثقافة؛ كتبها مؤلف واحد أو شارك في تأليف كثير منها كاتبأ وأكثر، وكان اجتماعهم على تأليف كتاب واحد اتفاقًا أو انتقاء أو مصادفة، أوعن طريق الاجتماع والتوافق حول الفكرة والموضوع، أوتجمعهم الرؤية الإيديولوجية، فيقوم الباحثأ والناشر باختيار المؤلفين، ويؤّلف بين أفكارهم بـ (الحلال).
ولم ينج أهل الثقافة والأدب من عدوى الكتابة المشتركة؛ فصدرْت مؤّلفات لكاتبين أو أكثر في القواعد والإعراب والعروض والنقد والأسلوبية، وتشاركوا في فروع الأدب الأخرى. وظّل الشعراء والرواة وكّتاب القصة بمنأى عن تلك التجربة (المريبة) إلى وقت متأّخر من القرن الماضي، حتى بدأت تطفو في محيط الأدب.
تجارب مشتركة بين حين وآخر، وقد نالت القصة والرواية النصيب الأوفر من التجربةالجديدة، ولعّل أبرزها على الصعيد العربي هي تجربة الأديبين الكبيرين عبدالرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا، في روايتهما المشتركة «عالمً بلا خرائًط»، وربما تكون هي التجربة الأكثر نضجا ونجاحا مما ظهر وانتشر من الروايات المشتركة؛ نظرًا لتقارب المستوى الإبداعي بينهما، والتقارب الثقافي، وتشابه الرؤى والنظر إلى العالم وقضاياه. وقد سبق تلك التجربة المكتملة رواية «القصر المسحور»، التي صدرت في خمسينيات القرن الماضي، والتي اشترك في كتابتها آنذاك، كّل من طه حسين وتوفيق الحكيم، وأثمر تحالف الخبرة والخيال والوعي عندهما عمًلا إبداعيًا ساحرًا، أثارغبار النقد في الساحة الثقافية وقتهاً، وفتح الباب لتجارب لاحقة، وإن كانت أقّل نضجا وشهرة وانتشارًا. وفي لبنان؛ جاءت «يوميات آدم وحواء» لنزار دندش ونرمين الخنسا، وكذلك «ملك اللوتو» لجهاد بزي و بشير عزام. وفي سوريا نشر عامر الدبك وبهيجة إدلبي رًوايتهما «ألواح من ذاكرة النسيان»، وتشارك أيضا خطيب بدلة وإياد محفوظ في كتاب «المستطرف الليلكي»، وهناك تجارب أدبية أخرى كثيرة في باقي الدول العربية، وفي دول الخليج العربية أيضًا كـ (الجواشن)، وهوالكتاب المثير المشترك بين الشاعر قاسم حداد والقاص أمين صالح.
إّن الكتابة المشتركة في كّل المجالات المعرفية؛ تشترط مجموعة من العوامل أو القواسم المتشابهة أو المتطابقة بين الشركاء؛ كأن يكون الُكّتاب المتشاركون من مدرسة واحدة، وأفكارهم قريبة من بعضهم، ويعملون كعقل واحد ولديهم رؤية وذاكرة مشتركة، وأربع عيون تحّدق في ذات الاتجاه، ويكتبون بفكرواحد وبيدين اثنتين، وحين اجتمعت تلك العناصر لدى الشاعران الفرنسيان (أندريه بروتون وفيليب سوبو) وضعا كتابهما الشهير «الحقول المغناطيسية». ويراها بعض النّقاد بأنهّا عملية ذوبان وتفاعل فكري بين اثنين أوأكثر؛ ينتج عمًلا يمّثل حالة فريدة في النتاج الأدبي، بينما يرى آخرون أن هذا المنتج الإبداعي غير متجانس، وثّمة مساحات رخوة بين صفحات النص، وتباين في الرؤية حول الفكرة أو حركة الأحداث، وأنا أرى في هذا الشكل الأدبي شبهًا بالمولود من رحم مؤّجر، إذ تصعب نسبته إلى المرأة التي حملته، أم التي ترعاه وتسهر على تربيته، وفيما عدا الكتابة الأدبية المشتركة، فلا أرى ما يمنع أن يتشارك اثنان أو أكثر في مؤّلف سياسيأ واقتصاديأ واجتماعيأ وغيره من الكتب العلمية أو العلوم الإنسانية. وقد أثار العمل الأدبي المشترك بأشكاله المختلفة الكثير من أسئلة الشك والقلق، وإطلاق إشارات التعّجب، وهي تساؤلات تستحّق إجابات مقنعة، لاتشوبها الفرضيات، ولاُ تفسدها المواربة، لأّن النص الأدبي يشترط وحدة فكرية متطابقة في ترجمة المشاعر، وعرض التجارب والخبرة الحياتية الذاتية، ووضوح الرؤية إزاء الكون والمناخ النفسي، وتفاصيل المكان والزمان، إضافة إلى تحّديات السرد والخيال والتعبير واللغة، وذلك يتطّلب الكثير من الدقة والحذر للخروج بنص لا ينتمي إلى قطب واحد من كاتبيه على حساب الآخر، ولايتحّمل أحدهما بمفرده مسؤولية ما يتضّمنه النص من تحريض أوخروج عن المألوف أو أفكار إيديولوجية موجهة.
وُيقدم الكاتب إبراهيم الخطيب الإجابة عن كثيرمن الأسئلة التي تراود القارئ في قراءته لكتاب «نحن شخص آخر: بحث في ثنائيات الُكتاب»، والذي أّلفه كّل من (ميشيل لافون وبونوا بيتيرس)، ويرى:«أّن الكتابة المشتركة تكشف ما يقع إخفاؤه عادة في الكتابة الفردية، وأنها تتيح لنا أيضا إمكانية استيعاب مفهوم القارئ في منظومتها، ذلك أّن الغاية من تشارك كاتبين ليس فقط إنجاز نص مشترك، وإنما القيام بقراءة ثنائية: فكلاهما يكتب للآخر، ويقرأ له في نفس الوقت». ولعّل هذا التبرير يقّدم دافعًا مقنعًا لإضافة لون جديد للمشهد الثقافي السائد يكسر احتكار كاتب واحد لطرح قضية أو ظاهرة، ويخّفف من وصايته في تقديم الحلول، كما يعطي الفرصة للقارئ أن يحيط بقضايا وشؤون تهّمه، أو إشكالية تاريخية، أو ظاهرة إنسانية معاصرة، لقراءتها من وجهات نظر متعددة.
ورغم ظهور الكثير من الكتابات المشتركة المدهشة في الحقل الأدبي، والقبول الجماهيري الكبير الذي لاقته عند صدورها، والاحتفاء النقدي بها، إّلاأّنا لظاهرة تحّفها المحاذير والتوّجس كون بعض شروطها غير قابلة للتحّكم والتحّقق، كمستوى الإحساس بالفكرة، ودرجة الرؤية للقضية المطروحة، وسلوك الشخصيات، وكيمياء اللغة، وإّن التساهل في بعض شروطها سيغّير مسار (الشراكة) من الكونفدرالية الاندماجية إلى الفيدرالية الفوضوية، والتي تتيح لكّل طرف الحرية الكاملة في الكتابة، والاستقلالية في الأسلوب والأفكار، واختيار الشخوص، وطرح الحلول، وهذا يعني تباين المستوى، وتناقض الرؤى، وتفاوت الخيال، وإنتاج نصين مختلفين يؤّديان إلى إرباك القارئ، وحرمانه من متعة الإحساس بفنية النص، والتفاعل مع موضوعه الأساس.

