في مناسبة الإحتفال بيومه الدولي: إطلالة على الضمير في المصادر العربية والأجنبية
حجاج سلامة
تحتفل المملكة العربية السعودية، والدول الأعضاء بمنظمة الأمم المتحدة، باليوم الدولي للضمير، والذي يحل في الخامس من شهر أبريل في كل عام، وهو يوم عالمي أقرته منظمة الأمم المتحدة الإحتفال به لأول مرة في عام 2020، للتوعية والتذكير بأهمية الضمير البشري.
وتقول منظمة الأمم المتحدة في ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: "إن كان تناسي حقوق الإنسان وازدراؤها قد أفضيا إلى أعمال همجية آذت الضمير الإنساني.. وأن اهتمام الأمم المتحدة لازال منصباً في إنقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحروب، مما يدعو إلى التحول نحو ثقافة للسلام تتشكل من قيم واتجاهات وتصرفات تعبر عن التفاعل والتكافل الاجتماعيين، وتستوحيهما على أســـــاس من مبادئ الحرية والعدالة والديمقراطية وجميع حقوق الإنسان والتســـــامح والتضامن ونبذ العنف، كما تسعى إلى منع نشوب المنازعات عن طريق معالجة أسبابها الجذرية، وحل المشاكل بالحوار والتفاوض، وتضمن لهذه الأجيال الممارسة الكاملة لجميع الحقوق، وسبل المشاركة التامة في عملية التنمية لمجتمعاتها".
وإدراكا من الجمعية العامة للأمم المتحدة بضرورة تهيئة ظروف من الاستقرار والرفاه وإقامة علاقات سلمية وودية على أساس احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعا دون تمييز بسبب العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين، أعلنت في قرارها 329/73 يوم 5 نيسان/أبريل بوصفه اليوم الدولي للضمير.
ودعت الجمعية العامة جميع الدول الأعضاء ومؤسسات منظومة الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية والإقليمية، فضلا عن القطاع الخاص والمجتمع المدني، بما يشمل المنظمات غير الحكومية والأفراد، إلى بناء ثقافة السلام بمحبة وضمير وفقا للثقافة السائدة وغيرها من الظروف أو الأعراف في مجتمعاتها المحلية والوطنية والإقليمية، بطرق منها إتاحة التعليم الجيد وتنفيذ أنشطة التوعية العامة، مما يعزز التنمية المستدامة.
وتربط منظمة الأمم المتحدة، بين تحقيق السلام والتنمية المستدامة، وبين الضمير، وترى بأن تشجيع ثقافة للسلام على أنه هدف جدير بأن يسعى إليه المجتمع الدولي.
وللضمير حضور كبير في الثقافة العربية والإنسانية، وقد كان موضوعاً للكثير من المؤلفات والدراسات في المصادر العربية والعالمية، حيث حظي هذا الموضوع باهتمام الكثير من الفلاسفة وعلماء الاجتماع وخبراء علم النفس، وحتى الأدباء والشعراء.
وتدلنا المصادر على أن الضمير "هو العملية المعرفية التي تثير الارتباطات الشعورية والعقلانية بالاستناد إلى الفلسفة الأخلاقية للفرد أو نظام قيمه. يتعاكس الضمير مع الشعور أو الفكر المثار نتيجة الارتباطات القائمة على الإدراك الحسي الفوري والاستجابات الانعكاسية، مثل استجابات الجهاز العصبي المركزي الودي. بعبارات عامة، يُوصف الضمير غالبًا بأنه ما يؤدي إلى مشاعر الندم عند ارتكاب الفرد لسلوك متعارض مع قيمه الأخلاقية. تُعتبر قدرة الضمير على نقل الحكم الأخلاقي السابق للفعل بالإضافة إلى إمكانية أو وجوب اعتبار الأحكام الأخلاقية قائمة على العقل محط جدل عبر التاريخ الحديث بين نظريات الأساسيات في أخلاقيات الحياة البشرية بمحاذاة نظريات الرومانسية وغيرها من الحركات الرجعية التالية لنهاية العصور الوسطى".
ويُعرّف علماء العصر الحديث الضمير بأنه وظيفة من وظائف الدماغ التي تطورت لدي الإنسان لتسهيل الإيثار المتبادل (بالإنجليزية Altruism) أو السلوك الموجه من قبل الفرد لمساعدة الآخرين في أداء وظائفهم أو احتياجاتهم دون توقع أي مكافأة وذلك داخل مجتمعاتهم. والضمير وصف وكلمة تجسد كتلة ومجموعة من المشاعر والأحاسيس والمبادئ والقيم تحكم الإنسان وتأسره ليكون سلوكه جيدا محترما مع الآخرين يحس بهم ويحافظ على مشاعرهم ولا يظلمهم ويراعي حقوقهم وباختصار شديد هو ميزان الحس والوعي عند الإنسان لتمييز الصح من الخطأ مع ضبط النفس لعمل الصح والبعد عن الخطأ.
ووفقا للمصادر، فإن الضمير في نظر الفلاسفة هو مركب من الخبرات العاطفية القائمة على أساس فهم الإنسان للمسؤولية الأخلاقية لسلوكه في المجتمع، وتقدير الفرد الخاص لأفعاله وسلوكه. وليس الضمير صفة ولادية، إنما يحدده وضع الإنسان في المجتمع، وظروف حياته، وتربيته، وهكذا. ويرتبط الضمير ارتباطا وثيقا بالواجب، ويشعر المرء – بوعيه بأنه انجز واجبه تماما – بأنه صافي الضمير، أما انتهاك الواجب فيكون مصحوبا بوخزات التأنيب. والضمير، في استجابته الايجابية لمتطلبات المجتمع، قوة دافعة قوية للتهذيب الأخلاقي للفرد.
وأما العلماء في مجال علم النفس فيرون أن الضمير هو جهاز نفسي تقييمي يتعلق بالأنا، فالمرء يهتم بتقييم نفسه بنفسه كما إنه يتلقى تقييمات الآخرين لما يصدر منه من أفعال، فالضمير يقوم بمعاتبه الشخص إذا تبين أن نتيجة تقييمه لنفسه أو تقييم الآخرين له ليست جيدة.
ويحض ديننا الإسلامي على إعمال الضمير في كل ما نقوم به من أعمال وتعاملات، وقد وردت في ذلك نصوص وأحاديث ومؤلفات عديدة.
وهكذا فقد حظي الضمير – كما أسلفنا - بمكانة عظيمة لدى علماء الدين، وعلماء الفلسفة، وعلماء النفس والاجتماع، وكذلك في الآداب والفنون.
ويقول بول ستروم - وهو عالم عمل استاذاً للعلوم الإنسانية بجامعة كولومبيا وأستاذًا للغة الإنجليزية وآدابها في العصور الوسطى بجامعة أكسفورد – في كتابه "الضمير: مقدمة قصيرة جدًّا"، فقد اتسع الاحتكام للضمير بين كل أطياف البشر، وهو مبحث أكاديمي عظيم القيمة، يستشهد به الناس في كل مناحي الحياة بكل ثقة بوصفه أساساً لأفعالهم.
وكما توجد مؤلفات مصادر مهمة في المكتبة العربية، تتحدّث عن الضمير ومكانته في الثقافة العربية والإسلامية، فإن مؤلفات أخرى عديدة في المكتبة العالمية نجدها تتحدث عن الضمير ومكانته في الحضارات الإنسانية القديمة، مثل كتاب "فجر الضمير" لمؤلفه جيمس هنري برستيد، وهو أحد علماء العالم الكبار في مجال علوم المصريات، وهو الكتاب الذي ترجمه العالم المصري الكبير سليم حسن، حيث يتناول هنري برستيد في هذا الكتاب موضوع الضمير في الحضارة المصرية القديمة، ويوضح من خلال فصوله وصفحاته أن المصريين القدماء أدركوا أن حضارة بلا قيم هي بناء أجوف لا قيمة له، وعرفوا بأن الكثير من الحضارات انهارت وأصبحت نسيًا منسيًّا؛ فسعوا إلى وضع مجموعة من القيم والمبادئ التي تحكم إطار حياتهم.
وذهب جيمس هنري برستيد، إلى القول بأن المصريين القدماء سبقوا العلام في بزوغ فجر الضمير الإنساني، وأن المصري القديم حرص على إبراز أهمية القيم في المظاهر الحياتية؛ تجلّى ف الكثير من النصوص التي سجلتها تلك النقوش التي تركوها على جدران مقابرهم ومعابدهم وعلى أوراق البردي وقطع الأوستراكا، فكان أهم ما في وصية الأب قبل وفاته الجانب الأخلاقي، حيث نجد الكثير من حكماء مصر القديمة يوصون أبناءهم بالعدل والتقوى. كما كانوا يحرصون على توضيح خلود تلك القيم في عالم الموت.
وتدلنا المعاجم العربية على أن الضمير هو ما تُضمره في نفسك، ويصعب الوقوف عليه ه الضمير: استعداد نفسي لإدراك الخبيث والطيب من الأعمال والأقوال والأفكار، والتفرقة بينها، واستحسان الحسن واستقباح القبيح منها.
وأما الضمير المهني: ما يبديه الإنسان من استقامة وعناية وحرص ودقة في قيامه بواجبات مهنته، وأن تأنيب الضمير عذاب الضمير / وخز الضمير ما يحسه الفرد من عذاب أو ندم أو اتهام لذاته بارتكاب غلطة أو خطأ نتيجة سلوك قام به، وأن حي الضمير معناه الصادق الأمين، صاحب ضمير يقظ.
وضمير إنساني / ضمير عالمي يعني: وجود مشاعر في نفوس البشرية جمعاء تهتدي إلى مبادئ الأخلاق بعفوية وتلقائية، وتقف إلى جانب المظلومين أو المستضعفين، وفاقد الضمير معدوم الضمير: يتصرف دون وازع من ضميره، ومرتاح الضمير: هادئ البال.
وختاماً نقتبس من المصادر العربية تلك السطور التي تدلنا على أن الضمير هو تلك القوة الروحية التي تحكم مواقف الإنسان وتفكيره فتجعله يُميز الخطأ من الصواب، وهو منحة الله عز وجل للإنسان يدله من خلالها على ما فيه خيره وصلاحه ومرضاة الله عز وجل.
وما كُنّا مُحيطين.. ولكن نضرب الأمثلة.

