رؤية في احتضار الغرب وصعود الإسلام .. المفكر الألماني مراد هوفمان يشخّص جذور الحضارة الغربية وملامحها المعاصرة
عبّرتْ عميدة الاستشراق الألمانية الدكتورة آنا ماري شيمل (Annemarie Schimmel) عن شخصية المفكر الألماني مراد هوفمان وفكره وقناعاته العلمية وهي تقدم لكتابه الذي أثار الضجة الكبرى في معظم دول الغرب ، بأنه عاش عقيدة الإسلام بإيمان راسخ، وذلك بقولها :" أزعم أن القارئ سيُعجب أو يُدهش ، بل قل : سيصدم لموقف الدكتور مراد هوفمان الجلي الواضح كل الوضوح، فهو ثابت القدمين على أرض الإسلام الذي عرفه السلف، كما بلغ الرسول وكما طبقه الصحابة والتابعون" .
وقد سعى هوفمان إلى تقريب رؤيته عن الإسلام إلى البيئة الغربية وهو ما حاول فعله بالكتابات والحوارات والمناظرات والمقابلات عبر أربعين عاما من عمره في الإسلام.
وفي كتابه :" المفكر الألماني مراد ( ويلفرد) هوفمان : رؤيته في احتضار الغرب وصعود الإسلام" ( مركز القطاع الثالث للاستشارات، الطائف، الطبعة الأولى 2022م) يبرز د. محمد بن عبدالله السلومي رؤية هوفمان للحضارة الغربية، وجرأته في تشخيصها، وشجاعته في نقد أصولها، مع إيمانه القوي بأن الإسلام هو البديل الحضاري للعالم في حاضره ومستقبله ، والموضوعان في ما يشير – المؤلف – هما شقا الموضوع وهما أساس الكتاب .
يتضمن الكتاب الذي يقع في (444) صفحة ، قراءة لرؤية هوفمان عن الأفول والصعود، وهما موضوعان مترابطان عند هوفمان، ومما قال عن هذا :" يبدو للوهلة الأولى أن هناك درجة من اللا تماثل في العبارة ( الغرب والإسلام) فالغرب – وهو مفهوم جغرافي أساسا- يوضع غالبا في مواجهة الإسلام – الديانة، ولكن هذا اللا تماثل منطقي لأنه لم يعد بالإمكان مساواة الغرب بالدين" .
يتشكل الكتاب من خمسة فصول تحمل العناوين الآتية: هوفمان واستشراف الحضارة الغربية وأفولها، وفيه يقتبس المؤلف مجموعة كبيرة من نصوص هوفمان التي تتناول الدين والحداثة، وأفول الغرب من الجانب الفكري، وتأرجح قيم الغرب وتبدلها، واضطراب الغرب بنتائج العلوم المادية، ويحمل الفصل الثاني عنوان:" هوفمان وعوامل أفول الحضارة الغربية" وجاءت بقية عناوين الفصول كالتالي: هوفمان واستشراف صعود الإسلام، حضارية الإسلام وعوامل الجاذبية فيه عند هوفمان، مصادر الاقتباسات: قراءة وتعريف بالكتب العشرة لهوفمان، حيث اقتبس المؤلف نحو ثلاثة عشرة مجموعة من الاقتباسات لإيضاح رؤية هوفمان للإسلام والحضارة الغربية.
ويرى المؤلف أن أهمية هذا البحث والكتابة في هذا الموضوع بشقيه حصرا عند هوفمان لأن الغرب بدوله وحضارته في السلم والحرب لاعب رئيس في الأحداث الدولية وقضايا العالم، بل ومتحكم إلى حد كبيرة في حياة العالم السياسية والاقتصادية، ومؤثر فعال بأيديولوجياته ومنظماته ووسائله الإعلامية على الأديان والثقافات وقيم الحياة الاجتماعية الأخرى، وهو ما يؤكد أهمية تشخيص الصعود والهبوط للغرب وحضارته للتعاطي الصحيح مع حركة التاريخ، لاسيما أن حضارة الغرب وقيمها تتعرضان لنقاشات حادة بين الأطياف الفكرية، حيث صراع البقاء لهذه الحضارة أو دولها محل نقاش كبير، وكذلك ما تتعرض له حضارة الغرب بقيمها من الامتحان الصعب في ميادين الحياة ، فعلى سبيل المثال ما تعيشه العلاقات الأسرية والاجتماعية من تفكك ينذر بالزوال للأسرة.
ويرى المؤلف، تبعا لذلك أن هناك إخفاقا مشهودا لدول الغرب في معالجة الانتهاكات بحق القانون الدولي وإحلال السلم العالمي وتحقيق الحقوق الإنسانية والعدالة، مع وحشية الاقتصاد المعولم.
وتأتي الرؤية المتفائلة بصعود الحضارة الإسلامية من لدن هوفمان وهو فيلسوف غربي ودبلوماسي وسياسي عاش العلاقات الدولية بتفاصيلها العملية، وهو ما مكنه من الرؤية الواضحة للغرب عن كثب، ومنذ إعلان إسلامه في العام 1980 وهو يكتب بفكر فلسفي عميق عن الإسلام، وقد قدم المؤلف مجموعة كبيرة من الاقتباسات من كتب هوفمان العشرة ومن أبرزها: يوميات ألماني مسلم، الإسلام كبديل، الإسلام عام 2000، رحلة إلى مكة، الإسلام في الألفية الثالثة، الإسلام كما يراه ألماني مسلم، مستقبل الإسلام في الغرب والشرق وغيرها من الكتب.
إننا في هذا الكتاب أمام قضية واضحة وشخصية غربية مسلمة معتدلة بارزة، وهو ما يجعل موضوع هذا الكتاب أقرب إلى سرد الحقيقة والحقائق من أقواله، دون التحليل أو الشرح لها.
ويقوم الكتاب على فكرة الاقتباس أكثر من كونه دراسة تحليلية لعموم أفكار هوفمان أو الكتابة عن شخصيته، بل إن الكتاب يعنى باستشراف مستقبلي للحضارة الإنسانية.
يذكر أن مراد هوفمان هو مفكر ألماني، ولد في 6 يوليو 1931م في أشافنبورغ بألمانيا، درس القانون بجامعة ميونيخ، وحصل على الدكتوراه في القانون من جامعة هارفارد الأمريكية عام 1961 وعمل بوزارة الخارجية الألمانية، واعتنق الإسلام في العام 1980 وأصدر عشرة كتب عن الإسلام والحضارة الإسلامية، ورحل في 13 يناير 2020م بعد أن أثرى المكتبة الفكرية بمجموعة كبيرة من المؤلفات التي ترجمت لعدة لغات عالمية.

