القط العسيري.. فن سعودي يستقطب اهتمام الباحثين مكتبة المؤسس أولت اهتماما كبيراً لهذا الفن العريق
حجاج سلامة
حظي فن القط العسيري باهتمام كبير داخل المملكة العربية السعودية وخارجها، وقد اهتمت المؤسسات الثقافية والفنية داخل المملكة بهذا الفن العريق، كما اهتم الكتاب والباحثون السعوديون وحتى الأجانب بهذا الفن الفريد الذي يُعد جزءاً أصيلاً من الموروث الثقافي السعودي، ونشرت الجامعات السعودية والعربية، العديد من الدراسات والبحوث التي تناولت هذا الفن بالدراسة والبحث والتحليل.
وقد أدرجت منظمة الأمم المتحدة للعلوم والتربية والثقافة (اليونسكو) قبل سنوات، فن القط العسيري إلى قائمة التراث العالمي غير المادي.
وتأتي مكتبة الملك عبدالعزيز العامة، ضمن قائمة المؤسسات السعودية التي أولت اهتماما كبيراً لفن القط العسيري، فجعلت له مكانا في إصداراتها من الكتب، وعقدت حوله الندوات وورش العمل التي كان أحدثها هذا الأسبوع (الثالث عشر من شهر يوليو 2024).
وقد احتل كتاب " الجزيرة العربية .. حديقة الرسامين" لمؤلفه الفرنسي تييري موجيه، والذي أصدرته مكتبة الملك عبدالعزيز العامة بترجمة الدكتور معجب الزهراني، احتل مكانة كبيرة من قبل الباحثين والمهتمين بفن القط العسيري، وحظي بالكثير من القراءات والعروض لمحتوياته.
ويُعد الكتاب، تجسيداً للقيمة الحقيقية للبيئة الفلكلورية الجمالية لجنوب المملكة العربية السعودية، ويؤكد مدى التنوع الثقافي لهذه المنطقة، ويحفل الكتاب بالصور الملونة التي أخذت بعدسات مصور محترف جاب جميع مناطق ومحافظات جنوب المملكة وعاش بها، وكوّن من خلالها علاقات وصداقات متينة مع سكانها والمقيمين بها، وأبْرَزَ الكتاب التقليد الرائع لرسوم الجدران والأرضيات الملونة، الذي تقوم به النساء والأطفال في منطقة عسير، حيث انكب المؤلف على التعريف بهذا الفن.
ومن الدراسات السعودية التي تناولت جوانب من فن القط العسيري، دراسة أكاديمية أعدتها الدكتورة مسعودة عالم جان قربان، الأكاديمية في جامعة الملك سعود ، ويسرى سعيد القحطاني الباحثة بجامعة الملك سعود، وحملت عنوان "التجريد بين زخارف الفن الإسلامي وزخارف القط العسيري في منطقة عسير.. دراسة مقارنة"، وجرى النشر العلمي لها ضمن بحوث سلسلة المؤتمرات العلمية لكلية الفنون الجميلة في جامعة الأقصر المصرية.
الدراسة رصدت مظاهر الاهتمام بتزيين العمارة في البيوت التقليدية بمنطقة عسير جنوب المملكة العربية السعودية، وهو ما يطلق عليه فن "القط العسيري"، الذي يزين العمارة الداخلية في تلك المنطقة، وهي زخارف مجردة ومستلهمة من البيئة المحيطة بهم.
ووفقا لدراسة "قربان"، و"القحطاني، فإن تلك المنطقة، من المناطق الغنية بتراثها التشكيلي المميز، وبيئتها الفريدة وتضاريسها المتنوعة التي ساهمت بشكل مباشر في تشكيل فنون ونقوش شعبية لها خصوصيتها.
وبحسب الدراسة أيضا، فقد أسهم عمق تاريخ منطقة عسير في تميزها بتراث غني، يضفي عليها طابعا خاصا من الزخارف الشعبية، والتي تميزت بتنوع إيقاعات النظم الشكلية، والخطية واللونية، لتمثل فنا مستقلا له دلالاته الفنية والرمزية.
وكما تقول فصول دراسة "التجريد بين زخارف الفن الإسلامي وزخارف القط العسيري في منطقة عسير.. دراسة مقارنة"، فإن المتأمل للزخرفة التقليدية بمنطقة عسير السعودية، يجدها تتسم بالتجريد، حيث حورت الفنون الشعبية ما حولها من رموز الطبيعة إلى أشكال هندسية مجردة، ونظمتها في شرائط زخرفية متنوعة وزينت بها الثلث الأخير لجدران المنازل من الداخل، ومن المعروف أن هذا الفن الشعبي الذي اشتهر باسم "القط العسيري"، سجل على أنه تراث قومي عالمي في منظمة اليونسكو وذلك في عام 2017، وذلك لما يحتويه من قيم فنية وجمالية متفردة.
وتدلنا صفحات الدراسة على أن زخارف القط العسيري بمنطقة عسير، هي زخارف تمتاز بعمق هندسي تجريدي يندر أن تجد له مثيلا في المجتمعات التي تحاذي منطقة عسير. وأن زخارف القط العسيري من الفنون الشعبية التي تبدعها النساء في المنطقة وهو فن مقتصر على النساء فقط، حيث يأتي دور المرأة بعد انتهاء الرجل من بناء المنزل، فتقوم بتجميليه وزخرفته من الداخل ويكون ذلك على مراحل فتبدأ أولا بمعالجة أسطح الحوائط بطبقة جصية وبعد جفافها تقمون بإعداد الألوان من مكونات البيئة، وذلك لتوفر المواد الأساسية لصنع هذه الألوان، إذ تعد منطقة عسير مادة غنية بتوفر النباتات والأحجار الملونة. فاللون الأخضر يؤخذ من نبات البرسيم، واللون الأصفر من الهرد، واللون الأحمر من حجر المشقة، واللون الأزرق من النيلة، واللون الأبيض من الجص، واللون الأسود من الفحم، واللون الأصفر من قشر الرمان، وتسحق جميعها ويخلط كل لون على حدة مع الصمغ العربي المستخرج من الأشجار ليكون أكثر ثباتا وتماسكا.
وقالت دراسة حملت عنوان: "جماليات الفن الجداري العسيري (القط) كمدخل لإثراء تصميم مكملات الأزياء"، وأعدتها الدكتورة فاطمة عبد الله العيدروس، الأكاديمية بجامعة أم القرى، ونُشرتها كلية التربية النوعية والتكنولوجيا بجامعة كفر الشيخ المصرية، أن فن الرسم الجداري (القط العسيري) من أقدم أشكال التعبير الإنساني التي عرفها الإنسان، وأن منطقة عسير تعتبر من مناطق المملكة العربية السعودية التي تذخر بالنقوش الفنية التشكيلية الشعبية الجدارية، التي تُعرف باسم فن القط ، الذي تنوعت ما بين الاشكال الهندسية والزخرفة النباتية.
وكما تدلنا الدراسة، فإن فن القط العسيري عُرف منذ مئات السنين ، وظهر على يد المرأة العسيرية، وهو الفن الذي وصل إلى العالمية بعد أن أدرجته منظمة اليونيسكو عام 2017 ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي.
ويتفرّد فن القط العسيري بثرائه الفني، وقيمه الجمالية، التي جلعت منه مصدراً مهماً للإبداع والإبتكار.
ورأت الدراسة بأن فن زخرفة الجدران (القط العسيري) من صلاحيات المرأة التي تدل على علاقتها الفريدة والحميمة مع البيت، وتأتي مهارة النقش الجداري إما من التقليد من الأمهات أو من تعليم امرأة موهوبة، وقد يكون هذا النشاط منزلياً أو تخصصياً، فردياً أو جماعياً، ولكنه جماعي أكثر منه فردي.
وقد أوصت الدكتورة فاطمة عبد الله العيدروس، في دراستها:"جماليات الفن الجداري العسيري (القط) كمدخل لأثراء تصميم مكملات الأزياء"، بالتعمق في دراسة القيم الجمالية والفنية التي تذخر بها الفنون التراثية السعودية بمختلف أنواعها، والاستفادة منها كمصدر إلهام يساعد على فتح افاق جديدة للتفكير الإبداعي لإيجاد حلول تصميمية في مجال الأزياء ومكملاتها تمتاز بالأصالة والمعاصرة؛ لذا يجب دراستها اكاديمياً وتحليلها للاستفادة منها بأساليب علمية، وإقامة معارض تضم فنون التراث السعودي لنشر الوعي الفني والثقافي. وربط الفنون الحديثة بالفنون التقليدية للحفاظ على التراث من الاندثار ونقله الى الأجيال بصورة تتماشى مع تطورات الموضة وتلقى قبولاً لديهم.
وهكذا تتعدد عناوين المؤلفات والدراسات التي تتناول فن القط العسيري، وتؤرخ لنشأته، وترصد تأثيره في الفنون الأخرى، وتضع توصيات تدور جميعها في فلك صون هذا الفن وتوثيقه ونقله للأجيال، وهو الأمر الذي نجحت فيه بالفعل المؤسسات السعودية المعنية.

