مكتبة الملك عبدالعزيز العامة بجمهورية الصين .. صرح ثقافي سعودي يعيد ثقافة طريق الحرير إلى نقطة انطلاقها
لم تكن العبارة العربية التراثية :" اطلبوا العلم ولو في الصين" مجرد شعار عابر، ولكنها تعبير عن الحث على المعرفة والتفاعل مع الآخر حتى لو كان في أقصى الأرض. هذه العبارة العربية جرى تنفيذها بالفعل مع بلاد الصين والبلاد التي تقطع المسافة ما بين الصين وجزيرة العرب. فيما تشكلت ثقافة حضارية متفاعلة ما بين الثقافة العربية الإسلامية من جهة والثقافة الصينية فيما أطلق عليه:" طريق الحرير" وهي ثقافة عمرها ما يقرب من خمسة آلاف عام.
ولعل إنشاء مكتبة الملك عبدالعزيز العامة بجامعة بكين بجمهورية الصين جاء بمثابة منارة حضارية وصرح ثقافي يعيد ثقافة طريق الحرير والثقافة العربية للتفاعل بشكل عصري جديد، وتعمل المكتبة التي دشنت في العام 2017م على نقل المعرفة بأحدث التقنيات وفتح آفاق التواصل الثقافي والعملي من خلال توفير مصادر المعرفة للباحثين والدارسين والمهتمين بالثقافة العربية الإسلامية من أبناء الصين ودعم برامج تعليم اللغة العربية في الجامعات الصينية
وتشكل مكتبة الملك عبدالعزيز العامة بجمهورية الصين الشعبية ركيزة مهمة من أجل نقل الثقافة العربية الإسلامية العريقة إلى واحدة من أكبر دول العالم وذلك من خلال ما تقدمه من مصادر معلوماتية عن إسهامات الحضارة العربية الإسلامية وخصائصها المميزة ومنطلقاتها ودورها في إثراء مسيرة الحضارة الإنسانية على مر العصور، إلى جانب التعريف بالثقافة السعودية وتاريخ المملكة وما تشهده من تطور في جميع المجالات، إضافة إلى مكانتها باعتبارها مهد اللغة العربية و الإسلام وحاضنة للحرمين الشريفين، مع تشجيع برامج تعليم اللغة العربية في الجامعات الصينية حيث قدمت المكتبة منذ إنشائها دورات تعليمية كثيرة شارك فيها الطلاب الصينيون وأيضا الدارسون العرب بالجامعات الصينية.
وجامعة بكين التي تقع بها مكتبة الملك عبدالعزيز العامة هي الجامعة الوطنية الأولى للصين، وتشتهر كجامعة حكومية بارتفاع مستواها الأكاديمي في الآداب والعلوم، ويتبعها 6 أكاديميات منها: أكاديمية العلوم الإنسانية، أكاديمية العلوم الاجتماعية وتضم 42 كلية أو قسماً للعلوم الإنسانية والتطبيقية، ويدرس بها أكثر من 15 ألف طالب جامعي، إلى جانب 22 ألفاً من طلاب الماجستير والدكتوراه، كما تعتبر مكتبة جامعة بكين أكبر مكتبة جامعية في قارة آسيا، وتضم ما يزيد على 11 مليون نسخة من الكتب والمراجع العلمية ومصادر المعلومات.
وتعد مكتبة الملك عبدالعزيز العامة بجامعة بكين بالصين أكبر مكتبة من حيث عدد الكتب العربية حيث تحتوى على ( 25344) كتابًا حسب إحصاءات شهر نوفمبر 2021م بما فيها (23946) كتابا عربيًّا، ويحتل (94.49%) من مجموع الكتب، و(134) كتابًا إنجليزيًّا، ويبلغ (4.47%) من مجموع الكتب، و(264) كتابًا صينيًّا.
وتتضمن مهام مكتبة الملك عبد العزيز العامة في تشغيل وإدارة الفرع: إنشاء بوابة معرفية لإتاحة مقتنياته عبر شبكة الإنترنت، وتزويده بالكتب وأوعية المعلومات الورقية والإلكترونية التي تسهم في التعريف بالثقافة العربية الإسلامية وتاريخ المملكة العربية السعودية، وإقامة برامج علمية وثقافية متخصصة يشارك فيها الباحثون العرب مع الباحثين الصينيين بما يعزز التواصل بين الثقافة العربية الإسلامية والثقافة الصينية في مختلف المجالات.
آفاق للترجمة:
قامت مكتبة الملك عبدالعزيز العامة بتعزيز الحضور العربي الثقافي في الصين حيث قامت بترجمة مجموعة من الكتب العربية إلى اللغة الصينية وذلك ضمن برنامج النشر العلمي والترجمة بالمكتبة ، ونفذ البرنامج مجموعة من الإصدارات العلمية والثقافية والأدبية باللغة العربية من إصدارات المكتبة، بترجمتها إلى اللغة الصينية، ومن أبرز هذه الإصدارات: ترجمة المجلد الأول من (موسوعة المملكة العربية السعودية)، وكتب: (صناعة السدو بين الماضي والحاضر )، و(ملامح وأماكن سعودية)، و (على خطى المتنبي) للدكتور عبدالعزيز المانع، و( المملكة العربية السعودية وجمهورية الصين الشعبية: تاريخ العلاقات التجارية بين الصين والجزيرة العربية) و ( الحُلى التراثية لنساء وسط الجزيرة العربية) .
ومن الكتب الصينية التي يجري ترجمتها إلى اللغة العربية : ( المائة الجديدة والصين الجديدة ) من تأليف: تشانغ وي وي، ويعرف الكتاب بالصين للعالم من ناحية نهضة الصين الكبيرة وما حققته من تطورات ثقافية وتقنية واقتصادية، وكتاب ( العالم العربي في الكتب الصينية القديمة) ل دنغ سو نينغ ، وقد جمعت المؤلفة في هذا الكتاب نسبة كبيرة مما ذكر عن الدول العربية وثقافتها وتقاليدها من بين أكثر من (40) كتابا صينيًّا عريقًا، بالإضافة إلى كتاب ( وثائق مكافحة كوفيد 19 ) المكتبة كما قامت المكتبة بترجمة مجموعة من قصص الأطفال حيث ترجمت (11), قصة من اللغة العربية إلى اللغة الصينية تقدم معلومات عن تاريخ المملكة، وثقافتها
كما عقدت مجموعة من اللقاءات الثقافية وبرامج تعليم العربية، منها لقاء بعنوان :" الترجمة بين اللغة العربية والصينية: آفاق مستقبلية"
ومن بين بنود مذكرة التفاهم والتعاون التي وقعتها مكتبة الملك عبدالعزيز العامة مع مجموعة بيت الحكمة الصينية في العام 2022 : تبادل الترجمة والنشر ما بين المملكة والصين.
وتعمل مكتبة الملك عبدالعزيز العامة بجمهورية الصين الشعبية وفق استراتيجية ثقافية شاملة من أجل تعزيز التفاعل بين الثقافة العربية والإسلامية، من جهة والثقافة الصينية من جهة أخرى، وكذلك ترجمة الإبداع السعودية وأبرز تجليات الثقافة السعودية إلى اللغة الصينية، فضلا على ترجمة مجموعات من الكتب التي تبرز الثقافة الصينية المعاصرة وما تتضمنه من ثراء معرفي عريق.

