تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

الرواية العربية .. حكاية تميز

الرواية العربية .. حكاية تميز

رندة صادق

يقول الكاتب اللاتيني غابرييل غارسيا:"عشت لأروي وكتبت لأحيا" كان يدرك أن القلم وقوده الفكر وحبره الحاجة، وأن هذا يشبه قانون الحياة، والإبداع لا هوية له، هو ابن الإنسان أينما كان، وفي أي مجال فلا يمكننا أن نفهم تاريخ الشعوب دون أن ندرس مبدعيها ومفكريها، وكل نتاجها الثقافي وموروثاتها الفكرية والأدبية، فالأدب يصور تاريخ المرحلة التي كتب فيها، أن لم يكن مباشرة يكون من خلال ما تتركه التفاصيل المحيطة بالمبدع من تأثير في مفاهيمه الإنسانية والوجودية والسياسية، فالإنسان يصنع الحدث في مكان وزمان ويتأثر به ويحلله ويتعلم منه في مكان وزمان آخرين.

ومهما تراكمت الآراء السلبية، في شرح الظواهر الإبداعية، لا يمكننا أن نفصل السياق العام للمبدع عن تأثره بتجربته الحياتية وتفاعله المتأرجح بين التأثير السلبي والإيجابي على إبداعه، حتى أننا حين ندرس عصرا من عصور البشرية أومرحلة من مراحل التاريخ، نتحدث عن مبدعي العصر الذين يعاصرون المرحلة ويؤرخونها في نتاجهم، ومن الواضح العلاقة الجدلية بين الأدب والسياسة، فلا بد أن تتأثر كل واحدة منهما بتطور الأخرى لذا لا يمكننا الاستهانة بما تنقله الرواي مثلا، لأن من الممكن أن تصبح في يوم من الأيام دليلاً دامغا على ما يحدث في الأوطان، من أحداث سلبية قد يحاكم التاريخ عليها خاصة تلك التي تقوم على السيرة الذاتية للروائي انطلاقا من هنا نصل إلى أهمية الرواية في ثقافة الشعوب عامة والثقافة العربية خاصة وخلال البحث في تعريف مفهوم الرواية يمكننا تلخيص التعريف بالآتي:" جنس أدبي خيالي حديث، يعتمد السرد والنثر، وتجتمع فيه مجموعة عناصر متداخلة؛ أهمها الراوي والأحداث والشخصيات والزمان والمكان.

وتتميز الرواية عن الملحمة القديمة باعتمادها النثر وتصويرها للإنسان والمجتمع الواقعي واستبعادها للخوارق والغيبيات، كما تتميز عن السيرة (الذاتية) بطابعها الخيالي، وعن القصة القصيرة بطولها، وعن المسرحية باعتمادها على السرد وليس التقديم المباشر".

هذا التعريف يقودنا إلى فهم ما أكده النقاد ومؤرخو الأدب، العرب والغربيون، إلى نشوء الرواية العربية، كنوع أدبي، في بدايات النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بوصفه أثرا للاحتكاك بالرواية الأوروبية وتأثر الكتاب العرب بالروايات المترجمة. 

ويرى "جورج لوكاتش": أن الرواية بحد ذاتها ارتبطت بظهور المجتمعات البرجوازية الغربية فكانت تتأرجح بين واقع حقيقي مليء بالتناقضات، وواقع افتراضي مثالي يحلم به وهي كانت تسعى إلى سبر أغوار الروح والفهم المتخيل للنفس البشرية.

ومن المعلوم أن جنس الرواية قد ازدهر في الغرب في القرن التاسع عشر حينما برزت أسماء كبار الروائيين مثل (بلزاك وستاندال وشارلز ديكنز وفلوبير).

أما تاريخ الرواية العربية يتسم بظهور خجل لها ولقد حاول المهتمون بإرجاع تاريخ الرواية العربية إلى سيرة عنترة وقصص ألف ليلة وليلة، باعتبارهما عملا روائيا يسبق الغرب، أما التجربة العربية، فقد بدأت من الكتابة النثرية التي كانت تعبرعن موضوعات ساذجة على شكل رسائل ومقامات ونحوها من الأنواع التقليديّة، ولكن يمكننا أن نسجل تطورا للنثر حيث خطا خطوة أبعد من تلك الأغراض الساذجة وأصبح يقوم على التجارب الإنسانية ناقلا فكرا ووجهات نظر تحليلية وفلسفية واجتماعية والجميع يكاد يجزم أن كتاب «تلخيص الإبريز في تخليص باريز» لرفاعة الطهطاوي الذي تحدث فيه رفاعة عن رحلة إلی باريس يعتبر البذرة الأولی لما عرف بالرواية التعليميّة في الأدب الحديث.

ثم قدم "فرح أنطون" بقصة كان مجالها المشاكل الاجتماعية واختار "علي مبارك" مجال الرحلة وكانت الغاية من كتابة هذا النوع من القصص تعليمية متخيلة وبعد التيار التعليمي الخالص، نصل إلی تيار ما بين التعليم والتّرفيه في الحقيقة، ويعود لجرجي زيدان ظهور هذا المنحى الروائي التاريخي حيث قدم سلسلة من الروايات التاريخيّة منها: "فتاة غسان" كعرض للأحداث التاريخيّة التي صاحبت الغزوات الإسلاميّة الأولی وقدم "أرمانوسة المصريّة"، كعرض الأحداث التاريخيّة التي صاحبت فتح العرب لمصر وكتب "عذراء قريش" و"غادة كربلاء" و"الحجاج بن يوسف" كنوع من التأريخ للوقائع التي حدثت خلال الصراع السياسي.

وقد ظهر فيما بعد تيار رواية التّسلية والتّرفيه في الفترة من أوائل القرن التاسع عشر، إلی الثورة القومية في سنة 1919م، وظلت الرواية حتی هذه الفترة غير معترف بها من قبل المثقفين والأدباء، حيث كانوا يركزون اهتماماتهم على النضال السياسي والاجتماعي فكانت الرواية بنظرهم عنصرا غريبا على المجتمع الثقافي، إلى أن وصلت الرواية إلى نوع جديد عرف بالرواية الفنية وذلك مع "محمد حسين هيكل"بروايته "زينب"والتي لم يوقعها باسمه الصريح بل باسم (فلاح مصري) وكأنه أراد أن يختبر وقع روايته في وسط الإنتاج الأدبي لتلك الفترة فعرفت روايته "زينب" قبل أن يعرف "محمد حسين هيكل" التي اعاد طباعتها بعد أعوام مزينة باسمه الصريح وقد امتازت هذه الرواية بالبساطة والرومانسية ولم تكن صادمة من حيث أحداثها وطبعا كانت مليئة بالعيوب من حيث بناء الرواية ولكنها فتحت الطريق، أمام الإبداع العربي في مجال الرواية الفنية، فكرّت من بعدها السبحة (طه حسين، وتوفيق الحكيم، والعقاد، والمازني، وتيمور، وحقي، وغيرهم)، ‏ فظهر لطه حسين روايات عدة مثل الأيام ويسجل لطه حسين تميز أسلوبه الكتابي في هذه الرواية من حيث الدقة اللغوية الملفتة وقدرته على السرد وتطويع الكلمات بحيث تبدو سهلة ميسرة وفي الوقت نفسه جذابة تشد القارىء، وهذه براعة يمتاز بها النخبة من المبدعين، ومن ثم روايته "الحب الضائع" وطبعا "دعاء الكروان" الذي لا يمكننا أن نتجاهل الإبداع المبهر للأحداث مما توجه عميدا للأدب العربي دون منازع.

أما توفيق الحكيم الذي كان يصنف كرائد للرومانسية تشكل روايته "عودة الروح" حكاية شعب بأسره من خلال أفراد تلك الأسرة التي جمعها نفس المشهد في بدايتها ونهايتها أيضا يسجل له تزعمه الكتابة للمسرح، أما عباس محمود العقاد فقد كتب "سارة" روايته الوحيدة وقد ولج إلى عالم سارة الأنثوي ونقل لنا تقلباتها بطريقة في غاية الإبداع.

ومن ثم انتقلت الرواية إلى عصرها الذهبي مع المبدع نجيب محفوظ الذي حمل الرواية العربية إلى العالمية باستخدامه اسلوبا جديدا في الرواية وحصل على ألقاب عدة منها الأديب العالمي، صاحب نوبل، رائد الرواية العربية وقد جعل الثقافة العربية من خلال رواياته تأخذ خطها الواضح بموازاة الثقافة الفرنسية والأميركية، من أسباب عبقرية نجيب محفوظ عشقه لمصر، حتى لم يعد يفكر في شيء إلا من خلال هذا العشق، ولا يرسم عالماً إلا من وحيه، ولا يخلق شخصية إلا وكان لها دورا مع الشخصية الكبرى ‘’مصر’’، ومن ثم أصبح محفوظ وأعماله جزءاً من تاريخ مصر الوطني في القرن العشرين وانعكاسا له، ولقد أدمن العالم العربي قراءة الروايات ليس لنجيب محفوظ فقط بل لكتاب معاصريين له امثال (يوسف السباعي وإحسان عبدالقدوس والشرقاوي) إلى أن نصل إلى الرواية الأكثر حداثة أو ما يمكننا أن نسميه (الجيل الثالث) من الروائين مثل غادة السمان التي تعتبر ظاهرة في كتاباتها كانت أقرب للشعر من النثر وروايتها "بيروت 75" تحكي عن الحرب الأهلية وتصور الكثير من التفاصيل التي توثق هذه الحرب، وغسان كنفاني وكوليت خوري وأحلام مستغانمى الروائية التي حصدت الشهرة وكرست وجودا قويا للروائيات العربيات وتوفيق يوسف عواد وآخرون وقد استطاعوا أن يظهروا الفارق الأساسي بين القصة القديمة والقصة الحديثة، فمن المثالية الخرافية التي تعتمد الوهم والتخيل إلى الرواية الواقعية التي تدخل صلب الحياة وتنقل تفاصيل الناس أوجاعهم، معاناتهم فقد شرعت الأبواب امام الواقعية الروائية.

من خلال استعراض تطور الرواية العربية، يمكننا القول أن الرواية العربية مرت بفترات توهج لا يمكننا أن نقارنها بواقعها اليوم، ربما نحن اليوم لسنا أمام مشكلة ابداع ولكننا أمام مشكلة تسويق ووجود قراء فقد تراجعت القراءة إلى حد كبير، مع هجمة العولمة على نمط حياتنا وابتعاد المواطن العربي عن القراءة ولكن هذا لا يعني أن العقل العربي ليس بخير بل علينا أن نتأكد أن الإبداع لم ولن يتوقف.


الرواية العربية .. حكاية تميز
Ehsan Logo