كيف يتشكل الأسلوب ؟ .. حضور الفرد
د. وليد قصاب
بدأ النقد الانطباعي يتراجع منذ أوائل القرن الماضي أمام مدرسة نقدية جديدة قامت على الاهتمام بالعمل الأدبي نفسه، وعلى تركيز اهتمامها حول هذا العمل وحده بدلا من استفراغ الجهد في دراسة شخصية صاحبه، والملابسات التاريخية أو الاجتماعية أو النفسية التي تحيط به.
وتنظر هذه المدرسة الجديدة إلى العمل الأدبي على أنه جسد لغوي قوامه الأساسي هو اللغة، ومن هذا المنظور تهتم بالأثر الأدبي وحده وتحاول الكشف عن أسراره اللغوية وطاقاته الأسلوبية وتحاول تحليل ذلك كله تحليلا موضوعيا عميقا .
وقد حدث ذلك كله بسبب التطور الهائل الذي بلغته الدراسات اللغوية في القرن الماضي، عندما كان المنهج التاريخي يبسط ظله على الدراسات الإنسانية كلها، وما لبث سلطان اللغويين وما بلغوه من شأو بعيد في دراساتهم وأبحاثهم أن امتد إلى الدرس الأدبي ليترك عليه بصماته الواضحة المتميزة، وسيطرت اللسانيات الحديثة – التي عد العالم السويرسي فردينا ندي سوسير رائدها – على ساحة الدراسات الأدبية والنقدية، فغلب على النقد الأدب الحداثي وما بعد الحداثي الاهتمام باللغة، حتى لم تعد تهتم من العمل الأدبي بشيء غير لغته.
وقدمت اللسانيات مجموعة من المناهج النقدية التي عنيت بالوقوف عند " داخلية" العمل الأدبي، وهي مناهج كثيرة مختلط بعضها ببعض اختلاطا يجعل التمييز بينها أحيانا صعبا غير ميسور، ومن هذه المناهج اللغوية: الأسلوبية والشكلية الروسية والشكلية التشيكية والبنيوية والسيميائية وغيرها.
الأسلوب والأسلوبية:
قدم بعض النقاد العرب المعاصرين الأسلوبية أو علم الأسلوب على أنها خلف للبلاغة القديمة، وأنها البديل والوريث الوحيد لها وقيل إن" البلاغة هي سلف الأسلوبية" (1),
وتحمس قوم منا لهذا الجديد فاندفعوا في قول غير متوازن فرموا البلاغة العربية بالعقم، وقالوا إننا " مازلنا ندرس طلابنا في المدارس والجامعات البلاغة بعلومها الثلاثة ولا نعي أن ما ندرسه لهم لم يعد يصلح لشيء فلا هو أداة نقدية صالحة للتوظيف، ولا هو أساس لمعرفة ذوقية أو تبصر جمالي" (2)
إن علم الأسلوب هو علم لغوي غربي نشأ من اللسانيات الحديثة، وهو محاولة للقاء بين علم اللغة والنقد الأدبي إذ يقدم اللغويون هذا العلم للناقد الأدبي كي يستعين به على دراسة المادة اللغوية في العمل الأدبي مصنفة تصنيفا علميا دقيقا يساعد – فيما يقال – على فهم العمل الذي بين يديه فهما أقرب إلى الموضوعية إذ يركز على طبيعة الأدب وخصائصه اللغوية وما يميزه من الكلام العادي.
ولكن الحق أن البلاغة العربية – بعلومها الثلاثة – هي علم الأسلوب العربي وما يتم اليوم تحت ما يسمى ( الأسلوبية) أو علم الأسلوب ما هو إلا توزيع جديد لمباحث البلاغة العربية المختلفة، ويتم ذلك أغلب الأحيان بمصطلحات جديدة استبدلت بمصطلحات قديمة معروفة .
إن علم المعاني – على سبيل المثال – اعتنى بالبحث في صور الألفاظ والتراكيب ونظمها على نسق معين لاعتبارات مختلفة تخضع فيه للموضوع وللسياق ولمقتضى الحال ولغير ذلك، وأما علم البيان – أو علم الصورة بتعبير نقاد اليوم – فهو إخراج الدلالة التي رسم مبادئها علم المعاني بصياغة غير مباشرة أي بصياغة تصويرية مجازية، وبذلك يرتقي الكلام الذي تهندس في علم المعاني من مستوى الكلام العادي أو المباشر إلى مستوى الكلام الأدبي ، إذ في البيان يُعدل عن التعبير المألوف إلى التعبير الباهر المدهش، يتجاوز الكلام فيه الصحة والسلامة ومراعاة الحال والسياق والمخاطب والظرف ليضيف إليها الجمال، أي تقديم جميع ما تقدم بأسلوب ماتع شائق جذاب، فيكون بذلك أكثر بلوغا ، وأقدر على التأثير والوصول إلى المتلقي، إذ تتجاوز اللغة فيه وظيفة الإبلاغ والتوصيل فقط إلى الإبلاغ والإمتاع معا، وإلى التوصيل والتأثير في وقت واحد .
ثم يأتي علم البديع ليقدم للأسلوب جماليات أخرى تحسنه لفظيا ومعنويا وتقدم له وسائل إيقاعية وطرائق مختلفة تشكله أكثر ترابطا ومفارقة.
إن هذه العلوم الثلاثة متضافرة معا لتشكيل الأسلوب وتحقيق جمالياته، ولا يعد أحدهما – كما ذهب إلى ذلك بعضهم- أدنى منزلة أو أقل أهمية ، بل هي جميعا ذات شأن في الكلام، وكل منها يؤدي وظيفة معينة أو يناط به تحقيق غرض لا يحققه العلم الآخر.
عوامل تشكيل الأسلوب:
ولكن الأسلوب متعدد الجوانب وهو يخضع في تشكله على نسق معين لمجموعة من العوامل من أبرزها: المؤلف، والموقف، والنص، والمتلقي، وهو بالتالي ليس ملكا لواحد من هذه العناصر فحسب، وقد تنبهت البلاغة العربية التراثية – من قبل علم الأسلوب الحديث- إلى هذه العوامل.
بين حازم القرطاجني الجهات المختلفة التي تخضع لها الأساليب ومذاهب القول وهو مما ينبغي مراعاته فقال:" والأقاويل الشعرية أيضا تختلف مذاهبها وأنحاء الاعتماد فيها، بحسب الجهة أو الجهات التي يعتني الشاعر فيها بإيقاع الحيل التي هي عمدة في إنهاض النفوس لفعل شيء أو تركه أو التي هي أعوان للعمدة، وتلك الجهات هي ما يرجع إلى القول نفسه أو ما يرجع إلى القائل أو ما يرجع إلى المقول فيه أو ما يرجع إلى المقول له " (3)
وبين حازم ما يرجع إلى كل جهة من هذه الجهات، ثم قال في موضع آخر: " وإذ قد تبين أن الكلام يهيأ للقبول من جهة ما يرجع إليه، وما يرجع إلى القائل، وما يرجع إلى المقول فيه، والمقول له: فواجب أن يعلم أن للكلام في كل مأخذ من تلك المآخذ التي بها تغتر النفوس لقبوله هيئات من جهة ما يلحقه من العبارات وما يتكرر فيه من المسموعات" (4)
وهذا ما تشير إليه الأسلوبية الحديثة فتقول:" إن عنصر الأسلوب لا يمكن تجريده من النص ولا من المؤلف ولا من المتلقين" (5)
وهنالك تعريفات متنوعة للأسلوب بحسب النظر إلى عنصر من هذه العناصر كما أن هنالك أشكالا من الدراسات البلاغية الأسلوبية تتناول كل واحد من هذه العناصر ، وتبرز دوره في تشكيل الأسلوب وتوجيهه وجهة معينة.
يقول فيلي سانديرس:" للأسلوب عموما بنية كلية منظمة تراتبيا، تميز بطريقتين واضحتين من التصنيف هما: مستويات أسلوبية وتمثل المستوى الأسلوبي الفردي الناتج عن الظروف النفسية والاجتماعية لشخص ما، وأنماط أسلوبية وتشير إلى الجوانب الأسلوبية الجماعية والسياقية والوظيفية والنصية ، بالنظر إلى الانتماء الجماعي للفرد في مجتمع له قواعده ومعاييره وعاداته الخاصة " (6)
الأسلوب والفرد المبدع
إن المؤلف هو مبدع الأسلوب وهو صاحبه والأسلوب من علامات عبقريته وتميزه، وهو – في أحد وجوهه- ظاهرة فردية تمثل القائل وتدل عليه، وقد أشار عبدالقاهر الجرجاني إلى الجانب الفردي في عملية الإبداع الأدبي وإلى مقدار الجهد الشخصي المبذول فيها، وإلى الجهة التي منها يضاف الكلام البليغ إلى صاحبه، وهي ليست في أنفس الكلام التي يملكها كل أحد، ولكن في أسلوب صياغتها، يقول:" نحن إذا أضفنا الشعر أو غير الشعر من ضروب الكلام إلى قائله، لم تكن إضافتنا له من حي هو كلم وأوضاع لغة، ولكن من حيث تُوخّي فيها النظم الذي بينا أنه عبارة عن توخي معاني النحو في معاني الكلم، فكما لا يشتبه الأمر في أن الديباج لا يختص بناسجه من حيث الإبريسيم والحليّ بصائغها من حيث الفضة والذهب ولكن من جهة العمل والصنعة كذلك ينبغي أن لا يشتبه أن الشعر لا يختص بقائله من جهة أنفس الكلام وأوضاع اللغة " (7)
وهنالك لون من ألوان الدراسات الأسلوبية الحديثة تعنى بالفرد القائل من منطلق عبارة بوفون المشهورة " الأسلوب هو الشخص نفسه" (8) وتسمى الأسلوبية الفردية أو أسلوبية الكاتب وهي ترى أن اللغة ظاهرة فردية وهي تتشكل عند كل قائل على نحو معين، يعبر عن شخصيته وطبعه وطبقته وانتمائه " إن الأسلوب عموما هو التعبير الدقيق عما في داخله" (9) وكما أن كل إنسان – مع اتفاقه مع سائر الخلق في الإنسانية ومظاهرها المختلفة – يخالفهم بعد ذلك في الشكل أو الطبع أو الذوق أو ما شاكل هذا ، فكذلك الحال في اللغة ، فالقائل – على خضوعه لقواعد اللغة العامة التي يلتزمها المتكلمون بهذه اللغة جميعا – له ذوقه الخاص في استعمالها وتشكيلها واختيار ما يريد من ألفاظها ورموزها ومصطلحاتها على نحو يعكس بيئته وثقافته وشخصيته ورسوم ذاته .
إن الأسلوب هاهنا اختيار أو انتقاء إنه "استعمال لغوي شخصي " (10) يعكس شخصية القائل ويكون كما يقول شوبنهاور:" التعبير عن معالم الروح" (11), و" دعني أسمع كيف تتكلم أقل لك من أنت " (1),
وللمؤلف حضوره في البلاغة والنقد العربيين وقد أشار القاضي الجرجاني إشارة ذكية واضحة – سبقت الأسلوبيين المعاصرين – إلى صلة الأسلوب بطبع صاحبه ومعالم شخصيته حتى إنه – كما يقول – " يرق شعر أحدهم ويصلب شعر الآخر ويسهل لفظ أحدهم ويتوعّر منطق غيره، وإنما ذلك بحسب اختلاف الطبائع وتركيب الخلق ، فإن سلامة الألفاظ تتبع سلامة الطبع ودماثة الكلام بقدر دماثة الخلقة وأنت تجد ذلك ظاهرا في أهل عصرك وأبناء زمانك ، ترى الجافي الجلف منهم كزّ الألفاظ معقد الكلام وعر الخطاب، حتى إنك ربما وجدت ألفاظه في صوته ونغمته وفي جرسه ولهجته" (13)
إن ألفاظ اللغة وتراكيبها المتاحة للفرد المستعمل للغة يمكن رصدها في ثلاثة حقول هي:
- ألفاظ وصيغ يعرفها الفرد ويستعملها أو يكثر من استعمالها فيما ينشئ من القول حتى ليقال إنها معجمه اللغوي الخاص.
- ألفاظ وصيغ يعرفها الفرد ويدرك دلالاتها ولكنها ليست من معجمه اللغوي فهو لا يستعملها ولا تشكل حضورا أو حضورا لافتا على الأقل فيما ينشئه من القول .
- ألفاظ وصيغ لا يعرفها الفرد وربما لا يعرف معانيها فهي بالتالي لا حضور لها في معجمه على الإطلاق .
ولاشك في أن رصد هذه الأنواع الثلاثة من الألفاظ والتراكيب هو من مؤشرات الدلالة على شخصية صاحبها وثقافته وبيئته وعقيدته.
وهكذا يبدو الأسلوب في هذا اللون من الدرس تعبيرا عن شخصية صاحبه، وهو يتشكل في ضوء صفات هذه الشخصية وملامحها المختلفة .
ولكن الفرد المبدع ليس وحده – كما مر – العنصر الوحيد المؤثر في تشكيل أسلوب القائل، ولعلي أتناول في مقال قادم بعض العناصر الأخرى التي تتحكم في تشكيل الأسلوب وصياغته على نسق معين .
الحواشي
- نحو نظرية أسلوبية لسانية: فيلي سانديرس ، ترجمة خالد محمود جمعة ص 95
- نقد ثقافي أم نقد أدبي: عبدالله الغذامي وعبدالنبي إصطيف ص 12
- منهاج البلغاء ص 346
- السابق ص 347
- الأسلوبية: الاتصال والتأثير: موسى ربايعة ، مجلة علامات، عدد ذي القعدة، مارس 1418هـ 1998م
- نحو نظرية أسلوبية لسانية ص 190
- دلائل الإعجاز ص 339
- نحو نظرية أسلوبية لسانية ص 29
- السابق نفسه
- السابق ص 32
- السابق ص 30
- السابق ص 163
- الوساطة .

