العناية بفنون العصر مع إعادة إحياء التراث والتقاليد الأصيلة صناعة الثقافة الجديدة وتحولاتها في المملكة العربية السعودية
بشكل نوعي وحضاري متطور كسرت المملكة العربية السعودية منظومة الثقافة التقليدية التي كانت ترتكز على ما يؤلف بالكتب، وما ينتجه الأدباء والشعراء والكتاب، وما تقدمه بعض المراكز والمنابر الثقافية من فعاليات متنوعة.
لقد دخلت المملكة في السنوات الأخيرة مرحلة صنع الثقافة النوعية الراهنة التي تركز على قراءة الواقع وحيويته وربطه بثقافة حية متحركة .
إن التوجه إلى تأسيس جملة من الاستراتيجيات لوزارة الثقافة، والعناية بإحياء التراث والمواقع الأثرية، وإعادة الحياة لمدينة الدرعية بوصفها عاصمة تراثية ومستقبلية للثقافة، والعناية بمختلف عناصر الثقافة وعدم اقتصارها على الشعر والأدب والفن التشكيلي، لتغطي مساحات تعبيرية جديدة للأزياء، والطبخ، والتذوق، والفروسية، والإبل، والمواقع التراثية، فضلا على فنون الرقص الشعبي، والفنون الفولكلورية، بالإضافة إلى الفنون المعروفة كالسينما والمسرح، والأدب ، والخط العربي والتشكيل والمنمنمات العربية والإسلامية مع العناية ببعض العناصر الثقافية الاجتماعية التقليدية كالقهوة أو ما يتعلق بالمشروبات والمأكولات السعودية الأصيلة. كل هذه الأمور أعطت للثقافة في المملكة أبعادًا جديدة غير العناصر التقليدية التي هيمنت على الثقافة السعودية منذ تأسيس المملكة في 23 سبتمبر 1932م ، حيث تقدم الوعي الجديد العصري ليحل محل ما هو تقليدي في أفكاره ورؤاه، وتجاوز المملكة مرحلة الأندية الأدبية وجمعية الثقافة والفنون والصالونات الأدبية والمكتبات الصغيرة والكبيرة – التي أدت دورها بجلاء في العقود الأخيرة - لتجعلها عناصر مساعدة في تقديم الأنشطة الثقافية لا عناصر مهيمنة بشكلها التقليدي.
ثقافة نوعية:
في كلمته التي تتصدر موقع وزارة الثقافة على الإنترنت https://www.moc.v.sa/ar
يقول سمو الأمير بدر بن فرحان آل سعود :" تعد الثقافة جزءاً أساسياً من التحول الوطني الطموح الذي تسير عليه بلادنا بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وولي العهد الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود "حفظهما الله". وتنص رؤية المملكة 2030 على أن الثقافة "من مقوّمات جودة الحياة"، كما تشدد على أن المملكة بحاجة إلى زيادة نشاطها الثقافي، ومهمتنا في الوزارة تتمثل في البناء على هذا العمل والمساهمة في تحقيق أهداف رؤية المملكة 2030."
إذن تنطلق الرؤية الثقافية لوزارة الثقافة من الأبعاد التي توفرها رؤية المملكة 2030 واعتبار الثقافة من مقومات جودة الحياة، وهو ما قدمته وزارة الثقافة بجلاء في رسم استراتيجيتها الثقافية الجديدة بحيث يحدث التفاعل الكبير بين الثقافة والواقع، والثقافة والمجتمع، والثقافة والهوية الوطنية بوجه عام.
من هنا أطلقت رؤية وزارة الثقافة وتوجهاتها في 27مارس 2019م وهي تمثل – كما جاء على موقع الوزارة على الشبكة العنكبوتية – إطار العمل الذي تنتهجه وزارة الثقافة في مهمتها لتطوير القطاع الثقافي بالمملكة، حيث حددت الوزارة ثلاثة أهداف رئيسية هي: الثقافة كنمط حياة، والثقافة من أجل النمو الاقتصادي، والثقافة من أجل تعزيز مكانة المملكة الدولية، وتتماشى هذه الأهداف بدقة مع المحاور الاستراتيجية لرؤية المملكة 2030 المتمثلة في بناء مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر ووطن طموح .
وقد حددت وزارة الثقافة (16) قطاعا فرعيا ذا أولوية للتركيز عليها في عملها، كما استحدثت (11), هيئة لتنمية القطاعات الثقافية، وهي: هيئة فنون الطهي، والأدب والنشر والترجمة، والمسرح والفنون الأدائية، والأزياء، والأفلام، والتراث، والفنون البصرية، والمتاحف، والمكتبات، والموسيقى، والعمارة والتصميم.
بانوراما ثقافية:
لم تعد الثقافة السعودية تتمثل كثيرًا الأفكار التقليدية التي ظلت طويلا تدور حول الكتاب والأدباء والكتاب ، ولكنها توسعت إلى تقديم منظومة شاملة، وبانوراما ثقافية متنوعة ، واستثمار مختلف العناصر الثقافية في تحريك الجمهور صوب العناية بالهوية الثقافية للمملكة.
جاء ( موسم الرياض) ليشكل نمطا ثقافيا حيويا يلبي تطلعات المجتمع السعودي، في كسر العزلة الفنية والغنائية والموسيقية إلى التضامن مع الغناء الوطني والعربي والعالمي، بحفلات متتابعة شارك فيها كبار المطربين من الداخل والخارج، مما أنعش السوق الغنائية والموسيقية بشكل كبير، وحقق تفاعلا بارزا بين فن الغناء والموسيقى والجمهور العام.
كما شكلت المهرجانات الفنية ومنها مهرجان البحر الأحمر السينمائي جانبا ثقافيا مضيئا أكد على أهمية التواصل الفني عالميا، وجعل من عنصر تحفيز صناعة السينما والفيلم السعودي ضرورة أساسية في قراءة الواقع وتحولات العصر، والأمر نفسه تحقق في إعادة الحياة للمواقع التراثية والآثارية ووضعها على قائمة التراث العالمي من قبل اليونسكو.
إن الثقافة التي تقدم اليوم ثقافة واعدة، وليس أدل على ذلك من تغير الذهنيات الثقافية التي تعتمد حركة الشارع الثقافي – إذا صح التعبير – فلم تعد الأندية الأدبية وحدها أو جمعية الثقافة والفنون هي من تسهم ثقافيا في المنتج الثقافي السعودي، ولم تعد الصالونات الثقافية المنتشرة في مناطق المملكة تلبي حاجات الأجيال الجديدة لثقافة نوعية بانورامية متنوعة مرتبطة بالعصر، من هنا كان هذا الإقبال على ما تقدمه وزارة الثقافة والمنابر الثقافية الجديدة المرتبطة بالتقنية العالمية، والمرتبطة بتطبيقات التواصل الحديثة إقبالا واضحا لم يحدث من قبل.
كما يمكن الإشارة إلى المعارض المتنوعة والفعاليات والمؤتمرات التي أطلقتها وزارة الثقافة وكلها تومئ إلى جهد نوعي جديد وذهنية جديدة لصناعة ثقافة مغايرة ومتطورة بالمملكة. حيث قدمت الوزارة مجموعة من الأنشطة مثل: الجوائز الثقافية الوطنية، والإقامة الفنية، ومؤتمرات عن الفلسفة والترجمة والفنون ومسابقات وندوات عن الخط العربي ومركز عالمي للخط العربي يحمل اسم صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان – حفظه الله –.
تهدف استراتيجية المركز التي أطلقت في ديسمبر 2021، إلى تحويله لمنصة عالمية للخط والخطاطين دولياً، وتخدم الخط العربي بوصفه وسيلة تواصل عالمية عابرة للثقافات في مجال التراث والفنون والعمارة والتصميم، إلى جانب احتضان المواهب وتنمية المعارف في مجالات الخط العربي.
وحددت الاستراتيجية “رؤية” مركز الأمير محمد بن سلمان العالمي للخط العربي (دار القلم)، في “الارتقاء بالخط العربي بصفته وسيلة تواصل عالمية عابرة للثقافات في مجال التراث والفنون والعمارة والتصميم، مع تعزيز مكانة المملكة وتأثيرها في حفظه وتطويره”.
فيما تمثلت رسالة المركز في “ترسيخ مكانة المركز مرجعاً عالمياً يُعنى بحماية إرث الخط العربي، وذلك باحتضان المواهب وتنمية المعارف، وتطوير الآفاق الإبداعية، وتشجيع المشاركة المجتمعية في مجال الخط العربي”.
فضلا على ذلك إقامة المعارض المتنوعة المتجددة وعلى رأسها معرض الرياض الدولي للكتاب الذي قدم بصورة زاهية في دورته الأخيرة في شهر أكتوبر 2021
وتأتي فعاليات المكتبات العامة ، ودارة الملك عبدالعزيز ومركز الملك عبدالعزيز الثقافي بالمنطقة الشرقية (إثراء) ومكتبة الملك عبدالعزيز العامة لتكمل الصورة الزاهية للبانورما الثقافية السعودية بإقامة عدد كبير من الفعاليات الجديدة، المباشرة الحضورية أو التي تبث عبر منصات الإنترنت، لتسهم بجلاء في تعزيز صناعة ثقافية نوعية، وقد أقامت مكتبة الملك عبدالعزيز العامة معرضا للخط العربي، وتقيم حااليا معرضا للمسكوكات الإسلامية والسعودية ، لتضيف فضاء جديدا من المعرفة النوعية التي ترتبط بالموروث، وبالتاريخ العربي والإسلامي من عدة وجهات فنية، ولغوية، وثقافية واقتصادية واجتماعية.

