رغم أعاصير المعرفة.. كتاب الجيب ثقافة صامدة
أحوال المعرفة – خاص
يشهد قطاع النشر العالمي عودة عدد من الدور إلى طباعة أعداد كبيرة من " كتب الجيب" وذلك بعد ملاحظتها لتنامي ظاهرة الإقبال على القراءة في وسائل المواصلات العامة التي يقضي فيها الشخص عددا من الساعات خلال الأسبوع ذهابًا وإيابًا بين المنزل والعمل ، واتجه عدد من الناشرين إلى إصدار مطبوعات موجزة تحوي اقتباسات من أعمال أدبي طويلة ووجهات نظر قصيرة حول بعض المواضيع إذن فهي عود حميد لكتاب الجيب كما يراها الذين يحملون ذكريات جميلة ممن شكلت هذه الكتب زادهم المعرفي في العقود الأخيرة في القرن العشرين(1),
ما هو كتاب الجيب؟
كتاب الجيب هو كتاب عادي لكنه يتميز بصغر حجمه حتى يسهل وضعه في الجيب كما يكون سعره منخفضا نسبيا مقارنة مع بقية الكتب الأخرى ، ويعود ذلك إلى نوعية الورق المستخدم فيه وربما تكون أقل جودة، حيث يقع استعمال نوعية ورق زهيدة، ويكون الغلاف ورقيا أو من الورق المقوّى كما يستعمل الغراء لجميع الأوراق.
ظهرت كتب الجيب منذ القرن التاسع عشر ولكنها لم تعرف انتشارا واسعا في جميع أنحاء العالم إلا في ثلاثينيات القرن العشرين، وتحظى بشعبية كبيرة خاصة بين اليافعين والشباب ، وفي كثير من الأحيان تصدر دور النشر طبعات في شكل كتاب الجيب للكتب الناجحة أصلا في الشكل العادي ، ولكتب الجيب شعبية كبيرة خاصة عند الشباب بفضل ثمنها المناسب(2)
وثمة مقاسات متعارف عليها – عالميا – بالنسبة للكتاب، حيث نجد أن مواصفات الكتاب كبير الحجم أن يكون 17x 24 سم ، نجد أن مقياس الكتاب الطويل جدا يكون حوالي 22-30سم بينما أن مقياس الكتاب متوسط الحج 14-20سم غير أننا نجد أن كتاب الجيب يتراوح مقياسه حوالي 9-14سم ، أما فيما يتعلق بصفحات الكتاب فإننا نجد أن الكتاب الكبير جدا يكون عدد صفحاته بضع مئات من الصفحات، بيد أن كتاب القياس الكبير قد يكون عدد صفحاته ما بين 200-300 صفحة ، وأن الكتاب المتوسط يكون حوالي 120 صفحة أو أكثر أو أقل، لكن الكتاب الصغير يكون عدد صفحاته ما بين 60-90 صفحة وهي جميعها أقيسة وأرقام تقريبية، قد يتم الالتزام بها من قبل مؤلف الكتاب أو صاحب دار النشر أو قد لا يتم الالتزام بها أيضا. (3)
تاريخ ظهور هذا الوسيط:
في عام 1830م بدأ الناشرون البلجيكيون يطبعون كتبهم في طبعات ذات قطع صغير يسهل حمله، ولم يكن يتوقعون أنهم بذلك قد دخلوا بالبشرية عهدًا مختلفًا في وسائط المعرفة الورقية، سوف يظل تأثيرها وتظل مكانتها من دون نازع، حتى نهايات القرن العشرين ، عندما بدأت شبكة الإنترنت ووسائط الإعلام والمعرفة الرقمية في الظهور والانتشار.
وفي العام 1838م حول الفرنسيون الثلاثة : جيرفيشار بونتيي، ولويس هاشيت، وميشيل ليفي، فككرة الكتاب صغير الحجم إلى منظومة استثمارية واسعة النطاق، ومنذ ذلك الحين تحول كتاب الجيب إلى أهم وسيط ثقافي في التاريخ، بعد اختراع الطباعة في القرون الوسطى، ويكفي هنا أن نشير إلى أن دار (هاشيت) الفرنسية ومنذ العام 1941م حت العام 2015م قد وزعت (165) مليون نسخة ب 43 لغة بمعدل وصل إلى 400 عنوان سنويا من سلسلتها الشهيرة " كتاب الجيب" (4)
أهمية كتاب الجيب:
بحسب عدد من المتخصصين في مجال النشر والمهتمين بالوعي القرائي فإن كتاب الجيب بمحتواه العلمي أو المعرفي أو الأدبي، له دور مهم في تشكيل وعي ملايين الشباب على امتداد العالم العربي، وجذبهم إلى القراءة، وإثراء عالمهم بالمعارف المتنوعة، والأفكار الخيالية والقصص المسلية، فمن ظهور هذا النوع من الكتب، نجحت في أن تحظى باهتمام الشباب، وذلك نظرا لما تتضمنه من قصص مميزة سواء في عالم الألغاز أو الخيال العلمي أو اثلقافة العامة، كما أن هناك شريحة كبيرة يستهويها تصميم وإخراج كتب الجيب، بجانب المواضيع الشيقة التي تحتويها، كذلك فإن كتاب الجيب يتميز ببساطته وسهولة حمله والتجول به وقراءته في أي زمان ومكان، حتى في أوقات الانتظار في محطات المترو والمواصلات العامة وغيرها من المناسبات (5)
هناك محاولات مهمة في العواصم العربية، وبعض دور النشر العربية لإخراج سلاسل لكتب الجيب في مجالات علمية وثقافية هادفة، شملت حتى كتب الأطفال والناشئة المكتوبة والمصورة، كذلك لا نغفل جهود بعض المجلات العربية التي تصدر كتبا للجيب مع أعداد مجلاتها وأبرز هذه المجلات (الأزهر) القاهرية، و(الرافد) التي تصدرها حكومة إمارة الشارقة، و(المجلة العربية) السعودية.
صمود رغم المنافسة القوية:
كتاب الجيب شأنه شأن أي إصدار ورقي يواجه صعوبات أو منافسة قوية عند ظهور الحاسب الآلي بأجياله المختلفة الأحدث، وكذلك الهاتف الذكي المحمول الذي تحول إلى وسيط ترفيهي وثقافي ذي قدرات غير محدودة، وغير ذلك من الرقميات ووسائل ال ( إنفو ميديا) إلا أن (كتاب الجيب) يظل على رأس وسائل القراءة والاطلاع، ولاسيما في العالم العربي، لأكثر من سبب ، فأولا ليس بمقدور كل الناس أن يطالعوا الكتب والمواد الثقافية المقروءة على الإنترنت، أو على الوسائط الإلكترونية بشكل عام، كما أن كتاب الجيب لا يزال أكثر سهولة في تداوله من الهواتف الذكية وغيرها من الوسائط، حتى الحواسب الآلية وملفات ال WORD وال PDF في ظل كثرة المشكلات الفنية التي تعترض تداول هذه الوسائط والتعامل معها، فهناك مشكلة نفاد البطارية في الهواتف الذكية، ومشكلات البرمجيات في حالة الحواسب الآلية.
ومن وجهة أخرى، فإن الهواتف الذكية عندما تستخدم في قراءة بعض الكتب فإنها في هذه الحالة تكون " كتابا للجيب" ولكن في صورة غير ورقية ، حيث لايزيد حجم أكبر الهواتف الذكية عن مستوى 5.5 بوصة .
كذلك لا يزال كتاب الجيب الأسهل في بعض المواقف التي يلجأ الإنسان فيها للقراءة أكثر من غيرها، مثل المواصلات المزدحمة في المسافات الطويلة، وكذلك قبل النوم، حيث إنه لا يمكن لإنسان من هواة القراءة قبل النوم أن يقرأ كتابا إلكترونيا بأية صورة من الصور، فهو بالأساس يقرأ مادة خفيفة، لأجل استرخاء الأعصاب وإراحة الأفكار بينما الوسيط الإلكتروني يجعله دائما منتبها خلال الاستعمال.
وليس أدل على صمود كتاب الجيب من أنه في اغرب ، وبالرغم من أن الوسائط الإلكترونية مثل: الهاتف الذكي، والتابلت والإنترنت، وغير ذلك قد أثرت على الكتاب الورقي العادي، وعلى الصحف الورقية اليومية والأسبوعية، إلا أن كتاب الجيب ظل في مكانته، بل ويتضاعف إنتاجه ويظل عامل الربحية الأساسي لدى الكثير من دور النشر، في ظل صعوبة كسر احتكاره لكل ما هو سهل وسلس وبسيط في عالم القراءة والثقافة (6)
المراجع:
1- جريدة اليوم السابع المصرية 10 نوفمبر 2017م
2- الموسوعة الحرة (ويكيبديا)
3- جريدة الخليج 17 نوفمبر 2014م
4- موقع : بصائر الفكر 29 أكتوبر 2016م
5- جريدة الأهرام 10 نوفمبر 2017م
6- موقع بصائر الفكر، سابق.

