سوق حباشة : تاريخ عريق وحضور نبويّ
· كانت السبب المباشر في تأليف أوسع معجم جغرافي وهو: معجم البلدان لياقوت الحموي.
· من زوار سوق حباشة: مضاض الجرهمي ملك العرب، والشنفرى ، وكثيّر عزة.
· كانت مختلف القبائل ترتاد السوق للمتاجرة أو التحاكم وفض النزاعات وفداء الأسرى.
أحوال المعرفة : خاص
من الأسواق الشهيرة التي كان يرتادها العرب باستمرار : سوق حباشة، الذي يعد أحد المعالم الأثرية في السيرة النبوية، ومن أبرزها في الجاهلية، حيث تشير الروايات التاريخية إلى أن الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) تاجر فيه بيعًا وشراء لصالح السيدة خديجة (رضي الله عنها) قبل البعثة النبوية.
وقد أورد ياقوت الحموي صاحب (معجم البلدان) في معرض نصه عن حباشة ما يفيد بوصول رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه السوق، مستندا بما ذكره عبد الرزاق عن عمر عن الزهري قال: (لما استوى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغ أشده، وليس له كثير من المال استأجرته خديجة على سوق حباشة، وهو سوق بتهامة، واستأجرت معه رجلاً من قريش).
حباشة: الزمان والمكان:
اختلف الجغرافيون والبلدانيون في تحديد موقع سوق حباشة في الجزيرة العربية، حتى استطاع فريق بحثي سعودي متخصص من تحديد موقع السوق في أكتوبر 2021م بعد دراسات بحثية وميدانية وآثارية استغرقت قرابة عام ونصف العام.
وكان الاختلاف في وجود السوق بمحافظة العرضيات التابعة لمكة المكرمة أو محافظة بارق التابعة لمنطقة عسير أو أن "سوق بني عيسى" الشعبي بمركز "سبت الجارة" قد يكون هو سوق حباشة، وبالنهاية وبحسب الفريق البحثي تم تحديد موقع السوق على الضفة الجنوبية لوادي "قَنُوْنَا"، في سهل فيضي متسع، تحده من جهة الشرق جبال الدربة، ومن جهة الغرب جبال العرم، بمسافة تمتد نحو 5 كيلومترات، ويحده من الجنوب جبل أم الرمث في منطقة سهلة متسعة، تتوافر فيها مصادر المياه والغطاء الرعوي، وقد استمر العرب في ارتياد سوق حباشة منذ العصر الجاهلي قبل الإسلام، حتى نهاية القرن الثاني الهجري تحديدا حتى العام (197 هجرية)
وأورد الأزرقي في كتابه : "أخبار مكة" عن سوق حباشة ما نصه "حباشة سوق الأزد، وهي في ديار الأوصام من بارق من صدر قنونا وحلي من ناحية اليمن، وهي من مكة على 6 ليال، وهي آخر سوق خربت من أسواق الجاهلية وكان والى مكة يستعمل عليها رجلا يخرج معه بجند فيقيمون بها 3 أيام من أول رجب متتالية حتى قتلت الأزد واليا عليها من قبيلة غنى بعثه داود بن عيسى بن موسى في سنة 197هـ، فأشار فقهاء مكة على داود بن عيسى بتخريبها وتركت إلى اليوم وإنما ترك ذكر حباشة مع هذه الأسواق، لأنها لم تكن في مواسم الحج ولا في أشهره وإنما كانت في رجب".
وقد سميت السوق بحباشة لأنها كانت تضم بين جنباتها حين قيامها أخلاطا شتى ممن كان يهبط إليها قديما من مختلف القبائل للمتاجرة أو التحاكم وفض النزاعات وفداء الأسرى أو غير ذلك من الأغراض التي كانت تقوم بأسبابها الأسواق العربية الموسمية الكبيرة، وهو في عصره لا يقل شأنا ومكانة وشهرة عن سوق عكاظ بل يُعتبر صنوا له.
مزايا حباشة:
أهم ما تتميز به سوق "حباشة" موقعها على أهم طرق التجارة القديمة من اليمن إلى مكة ثم الشام، وقد اشتهرت السوق بتجارة الذهب والرصاص وكحل الأثمد، بالإضافة إلى الحبوب والتمر والجلود، وكانت كباقي أسواق العرب محطة تجارية مهمة، ومكانا آمنا تستقر فيه القوافل التجارية.
وكان يُجلب إلى السوق الخمر من هجر والعراق، والبز - البرود الموشّاة - من مخلاف الجند، كما تعرض فيها الحبوب والمحاصيل، والعسل والسمن من قرى وبوادي بارق. وفيها الغالية وأنواع الطيب وأدوات السلاح، ويباع فيها الحرير والوكاء والحذاء والمسيّر والعدني، يحملها إليها التجار من معادنها. ويعرض فيها كثير من الرقيق الذي ينشأ عن الغزو، وسبي الذراري كما كانت تشتهر حباشة محليا بصناعة وبيع آنية الطعام المشهورة بالصَّحَّاف البارقية، وكانت أيضا تشتهر بتجارة الملح، وأصبحت يضرب بها المثل، قال ابن رفاعة الهاشمي (ت 400 هـ): «كمستبضع الملح إلى أهل بارق».
وعن الأعلام العرب الذين شهدوا سوق حباشة يقول الرزقي: «من الأعلام الذين شهدوا سوق حباشة الشنفرى، وهو ثابت بن أوس الأزدي صاحب لامية العرب، وقد أورد صاحب كتاب الأغاني ما نصه من قول رجل (تركت الشنفرى بسوق حباشة)، ومن العصر الجاهلي مضاض الجرهمي آخر ملوك الجراهمة، وكثير عزة الذي رثى خندق الأسدي الذي دفن ببطن قنونا.
قال سعيد الأفغان في كتابه : ( أسواق العرب في الجاهلية والإسلام) :
«لهذه السوق - حباشة - يد كبرى على العلم ينعم بفضلها كل باحث شرقي أو غربي، لأنها كانت السبب المباشر في تزويدنا بأوسع معجم جغرافي تاريخي، وهو معجم البلدان لياقوت.»
ومن أشهر الأسواق العربية الأخرى في الجاهلية: سوق دومة الجندل، وسوق المشقر وهجر وسوق عملان، وحباشة وصحار ودبي، والشحر، وعدن أبين، وسوق صنعاء، وحضرموت وسوق عكاظ، ومجنة وذي المجاز، وحجر، ودير أيوب وبصرى، وأذرعات، والحيرة ، وفي الإسلام كانت توجد أسواق: مدخل، والبصرة – المربد، وسوق المربد .
هوامش:
· سعيد الأفغاني: أسواق العرب في الجاهلية والإسلام
· ويكيبديا
· وكالة الأنباء السعودية (واس)
· https://www.okaz.com.sa/politics/na/2242182
· https://www.al-madina.com/article/16359/

