تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

فكر لا يعرف اليقين .. كيف نتعامل معه؟

فكر لا يعرف اليقين .. كيف نتعامل معه؟

د. وليد إبراهيم قصاب 


لا تزال المذاهب الأدبية والمناهج النقدية والفكرية الغربية منذ نشأت وحتى الساعة ينسف بعضها بعضا، ويلغي بعضها بعضا في تلاحق لا يكاد ينتهي. 

ولسنا الآن في مجال ضرب الأمثلة على ذلك، فالأمثلة أكثر من أن تعدّ أو تُحصى، ولكن هذا النسف قد تسارع بصورة مذهلة في عصرنا الحديث حتى غدا المرء – وإن كان متخصصا مهتما – عاجزًا عن ملاحقة ما يُستجد ، ولا شك أن لهذا وجها أو وجوها إيجابية كثيرة لا يجوز جحدها، لعل من أبرزها أن هذا الفكر لا يجمد عند حالة، إنه يعيد النظر دائما في مقولاته، وهو وثاب متطور متجدد، يؤمن بقدرة العقل البشري على ابتداع الطريف دائما، وعلى تطوير نفسه وعلى تصحيح مساره وتطوير كشوفاته. 

وهو – في هذا الجانب الإيجابي- ينظر إلى تغير الظروف والأحوال، وإلى ما يستجد في الساحة من أفكار وآراء تجعله يكتشف خطأً ما سبق أن تبناه، أو عدم دقته على الأقل . 

وكم نحتاج – نحن العرب- أن نتأسى بذلك، وأن نعيد النظر في قليل أو كثير مما نشأنا عليه، أو لُقّناه من الأفكار والتصورات، أو اعتدنا عليه من سلوكيات وتصورات، وذلك من صميم ديننا وثقافتنا الأصيلة، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ، فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، أن الله – عزّ وجلّ- يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها . 

ولاشك أن هذا التجديد هو تجديد في أساليب العرض ، ومراعاة ظروف العصر ومستجدات الزمن، وتطور الأحوال، وقد يكون تغييرا في شكل الفتوى ، كما كان مثلا من أمر الإمام الشافعي الذي تغيرت فتاواه باختلاف البلدان، إن شئتَ : تعامل جديد يناسب العصر والظروف، مع ما هو من متغيرات العقيدة والثقافة، إذ إن فيهما ثوابت لا تبديل فيه ولا تحوير ولا تبديل، وما هو متغيرات خاضعة للاجتهاد والنظر. 

ولكن ما هو حاصل في الفكر الغربي الآن، وفي مذاهبه ومناهجه هو شيء غير هذا، إنه في غالب الحالات انقلاب من النقيض إلى النقيض، بل حتى أصبح كل جديد يسفّه ما سبقه، وينسفه نسفا من جذوره، حتى كاد هذا الفكر يتحول – بتعبير تيري إيغلتون – إلى مجزرة يذبح فيها الخلف السلف. 

ويبدو أن وراء هذا الذبح المستمر – عندما لا يكون الغرض منه البحث عن الأحسن والأصلح – وجها أو وجوها سلبية كثيرة، وقد يكون من أبرزها: عدم وجود ثوابت أو ضوابط أو يقينيات من أي نوع يمكن أن يرتكز عليها هذا الفكر الغربي الحديث، إنه غدا يشك في كل شيء ويرتاب في كل ما حوله من العقائد والفلسفات والإيديولوجيات، لم يعد عنده من معيار واحد يفيء إليه في قبول ما يقبل ورفض ما يرفض. 

لم يعد في هذا الفكر الغربي الجامح الشموس ما ذكرناه مما نسميه في ثقافتنا الإسلامية والعربية ( ثوابت ومتغيرات) أو محكمات ومتشابهات، أو ظنيات وقطعيات، يؤول الثاني منها – مهما شرق وغرب- إلى الأول فينضبط به، ويمشي في هديهن كل شيء – في هذا الفمكر – هو اليوم من المتشابهات الظنيات، فهو من ثم معرض للسؤال والمراجعة والشك والجحد والهدم والنقض. 

وثاني ذلك أن التجديد في هذا الفكر الغربي قد أصبح هدفا، فيحد ذاته، صار بدعة، صار موضة، سواء كان هذا الجديد خيرا أم شرا، نافعا أم ضارًّا، جميلا أم قبيحا شاذا، المهم أن يكون مخالفا للمألوف، خارجا على معهود الناس وعرفهم، هادما ما تقدمه من إنجاز، حتى كأن التاريخ بدأ به. 

وهذا ما عبر عنه الناقد الفرنسي ألبير ليوتار وهو يتحدث عن أزمة الأدب الفرنسي في القرن العشرين فذكر أن التجديد في هذا الأدب قد صار (دُرجة) أي ( تقليعة) أو (موضة) . 

يقول:" لقد قررت الدرجة أن ما هو جديد مقبول، وأن فكرة التجاوز والتقدم هي الشرط الضروري للقيمة، إن هذا الخطأ الهائل لا يؤخذ بالحسبان ، إن فكرة الإتقان تنفي فكرة التقدم، وكما هو الحال بالنسبة للشباب والحياة فإن محاولة الوقوف في وجه هذا الضياع تعني بالضرورة العمل ضد الجديد. ويقول بسبب من ذلك – أي ربط القيمة والإتقان الجديد – " بسبب من ذلك غدا مسلما به – بالنسبة للبعض من الآن فصاعدا – أن هذا الذوق الذي تشكله قرون من تهذيب الحساسية والتمتع الجمالي والبحث الواعي عن الجمال ، هي انحرفات ومفاهيم عثا عليها الزمن" 

وتقود النظرة السابقة إلى وجه سلبي خطير وهو احتقار كل قديم والاحتفاء بكل جديد، إن الخروج على جميع ما سلف – كما عبر عن ذلك بعض الحداثيين – هو سبب هذا الهدم المستمر لكل ما تقدم، وهو سبب هذه الرغبة اللحوح الجموح في الخروج على جميع الأعراف والتقاليد والأصول الدينية والاجتماعية والأدبية، من غير تمييز بين صالح وفاسد وحق وباطل. 

إن عشق الجديد لمجرد أنه جديد واحتقار القديم لمجرد أنه قديم هو سفه في الفكر، لأنه يعني – في أبسط صوره – أن تحل معايير الزمنية والعصرية محل معايير الحق والباطل، والجمال والقبح، وهذه معايير لا ترتبط بزمان أو مكان، ولا يحتكرها عصر دون عصر. 

ليس كل جديد خيرا مما سبقه، أو أحسن أو أصلح، ولا كل قديم متخلفا بائدا . إن الزمن ليس هو معيار الحكم فالحق والباطل والجمال والقبح والتخلف والتقدم وما كان من هذا القبيل لا يرتبط بزمان أو مكان أو قوم بل هو موجود في كل زمان ومكان، وعند جميع الأقوام. 

وهذا ما عبر عنه أدق تعبير الناقد العربي ابن قتيبة وهو يتحدث عن قضية القدم والحداثة، واضعا لذلك أسسا عقلية وشرعية وواقعية متقدمة، يقول ابن قتيبة:" لم يقصر الله العلم والشعر والبلاغة على زمن دون زمن، ولا خص به قوما دون قوم، بل جعل ذلك مشتركا مقسوما بين عباده في كل دهر " .

وإذا كان هذا هو حال الفكر الغربي الحديث فإن مجموعة من الأسئلة حول التعامل العربي مع هذا الفكر لابد أن نبحث عن إجابات لها: 

  • إلى متى سيظل مثقفونا يجرون وراء هذه المذاهب والمناهج التي تولد في كل يوم في الغرب؟ والتي – كما ذكرنا – ينسف بعضها بعضا في حلقة لا تنتهي ولا يبدو أنها ستنتهي؟ 

  • إلام سيظل العقل المسلم لاهثا وراء ما يقوله فلان وعلان من أدباء الغرب ونقاده ومفكريه، لا شغل له إلا تتبعه بترجمة أو تفسير أو تطبيق ثم يرمي به عندما يرمي به مبدعه؟ 

  • هل تعطل العقل العربي والعقل المسلم عن مجرد التفكير في إنتاج شيء خاص به؟ وعلام التوهم والإبهام، من خلال الاستغراق المتواصل في الاشتغال بالفكر الغربي، أنه لا شيء عندنا يستحق أن نشتغل عليه أو ننظر له أو نحاول أن نصنع منه شيئا خاصا بنا؟

  • هل بذل أدباؤنا ونقادنا العرب والمسلمون من الجهد لإنتاج نظرية عربية أو إسلامية ربع بل عشر بل ثمن ما يبذلونه في تتبع ما يقوله الآخر؟ 

  • إن هذا كله لا يعني بطبيعة الحال أن ننصرف عن هذا الفكر الغربي، أو نغلق الأبواب من دونه، إن هذا لا يفعله عاقل، ولا تنهض حضارة لأمة من الأمم لا تستفيد مما عند الآخرين، ولكن هذه الأسئلة هي دعوة إلى التبصر في التعامل مع هذا الفكر، وألا يكون همنا منحصرا في تتبعه وحسب، والاشتغال به وحده، من غير محاورته على الأقل، أم نقده، أو عدم الانبهار به انبهارا يفقدنا التوازن والقدرة على الابتداع. 

فكر لا يعرف اليقين .. كيف نتعامل معه؟
Ehsan Logo