الفن التشكيلي التجريدي والسوريالي بين العبقرية والجنون
لا يوجد عبقرية بدون القليل من الجنون، هكذا يوضح أرسطو العلاقة بين الإبداع المتميز الفارق وبين الجنون، ففي الجنون يتحول الوعي وينشطر كثيرا وقد تتعدد الأنوات والذوات داخل المبدع بشكل هيستيري يدفعه إلى كتابة غير المتوقع، إذا كان كاتبا، أو تشكيل اللوحة بشكل جنوني إذا كان فنانا تشكيليا.
والفنان المبدع يتمتع بشفافية مرهفة جدا، وبحساسية في تأمل الأشياء، وقد يقله هذا التأمل إلى جنون ما أو هلوسة لا تنتهي إلا بعمل إبداعي.
ولعل ارتباط الإبداع بالجنون يعود إلى الزمن القديم، حين اعتبر بعض الشعراء في دائرة المجانين وأنهم يستلهمون الشعر من وادي عبقر ، وأن الجن قد تملي عليهم القصائد، وكان شاعر عربي يهجو آخر فيقول:
" شيطانه أنثى وشيطاني ذكر " وهكذا لصقت هذه التصورات بالحالة الشعرية، حتى جاء مجنون ليلى ( قيس بن الملوح) وأكدها شعرا وتجربة.
والعلاقة التي تربط بين الفن والجنون امتداد للفكرة اليونانية عن الفنان والشاعر بأنهما في حالة من التلبس والجنون، وفي الفن التشكيلي قد يكثر الجنون ومجانين اللوحات ، ومجانين الألوان والتصاميم الفنية،
و ينعت البعض التشكيليين بالجنون والبعض يصفهم بالمضطربين أما البعض الآخر فيرى فيهم أنقى وأرقى التمظهرات الإبداعية للعقل البشري خاصة أنهم يرتدون ملابس غريبة ، ويطيلون شعورهم وشواربهم ولحاهم بشكل غير مألوف، وقد يتصرفون تصرفات غرائبية غير عادية.
وعلى الرغم من تقدم علم النفس والعلوم الطبية ، إلا أن كثيرا من الناس يتبنون تصورًا خرافيًّا بأن هناك علاقية بين الفن والجنون .
فهال بالفعل كل فنان تشكيلي عظيم هو مجنون بمعنى أو بآخر؟
من الفنانين الملفتين للنظر الفنان الإسباني السوريالي سلفادور دالي الذي كان يتميز بهيئته الغريبة بشواربه الشبيهة بقرون الثيران الإسبانية المتحمسة في الحلبة وضحكاته الهستيرية السّاخرة .
وكان سلفادور دالي يحب أن يستعرض ، ففي إحدى معارضه دخل وهو يلبس بدلة غطس ، وعند سؤاله عن سبب إرتدائه هذا الزي ، قال : أحب أن أتعمق في اللاوعي الإنساني .
وكانت لوحاته التشكيلية غرائبية، ففي لوحة الساعات جعل الزمن يسيل على الأشياء وعلى مفردات اللوحة، وهو ينقل حالة التوهم والأسطرة واللا وعي الكامن بالإنسان.
مثل: لوحة " استعصاء الذاكرة " ولوحة " حلم ناتج عن طيران نحلة ". مع ذلك كله يعد دالي أحد عباقرة الفن التشكيلي الحديث كما يصنفه مؤرخو حركات الفن التشكيلي المعاصر.
وعانى فنسنت فان جوخ الفنان التشكيلي الهولندي من مرض عصبي يسمى الاضطراب الوجداني ثنائي القطب، وهو نوع من الاكتئاب الحاد والخطير الذي يصيب المريض بحالات تتراوح بين الحزن غير المبرر والخمول المفرط وبين الفرحة الهيستيرية والنشاط المبدع.
يقول عن نفسه : حين أكون في حالتي الصحية العادية يمكنني التفكير بصورة متوازنة فأنجز لوحات تكلفني الكثير ولا أجني من وراءها شيئا، فهي لا تغطي حتى تكلفة المعدات. إنه لأمر شبيه بالجنون ومناف للعقل تماما.
وقد أنهى فان جوخ حياته بنفسه، حيث انتحر مطلقا على نفسه الرصاص من مسدس قديم ، تاركا لوحات ورسومات لا تقدر بثمن، لم يعترف له بها التاريخ ولم ينصفه عليها المجتمع إلا بعد وفاته سنة 1890م
أما إدوارد مونش الفنان النرويجي صاحب المدرسة التعبيرية في الفن التشكيلي فقد أحرقت الحكومة النازية (80) لوحة من أعماله الفنية حيث وصفت فنه ب " الفن الذميم" و " القبيح" ، وقامت بسحب لوحاته من المعارض والمتاحف في برلين ، وانتهى به المطاف بالإقامة في المستشفى للعلاج النفسي، وبعد وفاته تم تكريم فنه والإعلاء من شأن عبقريته، وتم إنشاء " متحف مونش بأوسلو"
ومن أكبر عجائب الفن التشكيلي العالمي حين تباع لوحات تشكيلية تجريدية بلا معنى ، كأن يضع الفنان التشكيلي نقاطا سوداء فقط، أو مجموعة من الخيوط المتعرجة، أو يترك اللوحة بيضاء ويضع في زاوية منها نقطة، للإيهام بأن البياض هو ملك المشاهد والمتلقي وعليه أن يضع التصورات والصور التي يتخيلها، وفي هذا الإطار بيعت لوحة للفنان والخطاط الأمريكي ( سي تومبلي) بسعر 69 مليونا و 605 ألف دولار في مزاد علني أقيم عام 2014م أقامته دار كريستيز العالمية للمزاد في نيويورك، وهي لوحة تجريدية لا تقدم سوى مجموع من الخطوط المتعرجة بالقلم الرصاص ، وحطمت هذه اللوحة الأرقام القياسية، كما أوضحت أن الجنون من الممكن أن ينتشر في كل مكان ما بين الفنانين ومجانين الفن.
إشارات:
· https://lite.almasryalyoum.com/lists/69909
· https://www.youm7.com/story/2016/11/17
· https://www.samihassnbadr.com/2020/03/blog-post_28.html

