السلاطين قربوه والعلماء أهملوه .. «ابن بطوطة» بين زمنين
د. عبد السلام شقور*
تهدف هذه الدراسة إلى الوقوف وقفة متأنية مع ابن بطوطة ورحلته في زمنين متباعدين: زمانه هو، وزمننا نحن، والغرض بيان مكانة ابن بطوطة ورحلته في نظر معاصريه من الأمراء والعلماء في مواقفهم وتصانيفهم، ثم تقديم صورة ابن بطوطة ورحلته في نظر زمننا هذا; بإيضاح مكانة ابن بطوطة بين نظرائه، وأهمية رحلته في الدرس الأدبي والتاريخي.
ابن بطوطة في زمنه
كيف نظر أهل القرن الثامن وهو زمن ابن بطوطة إلى تحفة النظار والى صاحبها؟ وكيف تم استقبال ابن بطوطة في المغرب إثر عودته في رحلته الطويلة؟ وما مدى عناية العلماء من طلاب الأسانيد والروايات بالرجل؟ وهل تسابق الطلبة كالعادة عندما يعود عالم من رحلته من المشرق الى الجلوس حوله؟ والأخذ عنه والسماع منه؟ وهل حفلت بذكره كتب في فهارس الشيوخ؟ وهل عنيت كتب التراجم بالترجمة له؟ وهل أفادت كتب الرحلة اللاحقة من رحلته والمعروف أن الرحلات تستفيد من بعضها وينقل اللاحق عن السابق منها (1),؟ وما صدى رحلته في المشرق في المصادر العربية المشرقية؟
إن الجواب عن تلك الأسئلة وغيرها يستدعى القيام بجرد عام لتآليف أهل القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، (2) كما يستدعى الرجوع الى زمن ابن بطوطة بقصد إبراز معالمه الكبرى ووضع ابن بطوطة داخل إطاره العام.
عاش ابن بطوطة ثلاثة أرباع القرن الثامن /الرابع عشر في زمن بني مرين في المغرب، وقد ولد في طنجة ونشأ فيها، وكان لطنجة حظوة عند بني مرين، فكان من خدام أمراء بني مرين وشعرانُهم رجال من أهل طنجة (3)، فكان الذي قدمه للسلطان أبي الحسن وهو يومئذ في تونس في حركته المشؤومة على ما ذكر في رحلتهً رجلٌ من أهل بلده (4).
لقد كان الشغل الشاغل لسلاطين بني مرين (5) توحيد المغرب، واستعادة إمبراطوريته في الحدود التي كانت عليها أيام الموحدين، وهي المحيط غرباً وبرقة شرقاً مع توحيد المغرب والأندلس واستعادة الحواضر الأندلسية التي ضاعت أثناء الخلاف المحتد بين الموحدين والمرينيين، مثل: قرطبة وإشبيلية (6).
وقد حالت عوامل عديدة، وأس. كثيرة دون تحقيق هذا المشروع السياسي العظيم، منها: التحالف الذي تم بين أمراء بني عبد الواد وبين ملكة قشتالة، ومنها: فتنة الأعراب في إفريقية، ومنها: الكارثة التي أصابت أسطول أبي الحسن في المتوسط، ومنها: مناوشات ودساس بني الأحمر. ومهما يكن فان أمراء بني مرين وخاصة عظماء ملوكهم مثل أبي الحسن وولده أبي عنان كانوا في نظر العلماء والشعراء والخاصة والعامة الأمل في إعادة وحدة المغرب وإنقاذ الأندلس واستعادة مجد المغرب وهيبته. تلك كانت صورة المغرب.
في هذا القضاء عاش ابن بطوطة، وقام برحلته وانتهى فيها الى أقصى الأصقاع مخترقاً المفاوز والأدغال، معرضاً نفسه للمهالك، فزار من الأمصار ما لا يسمح الزمان بذكره، وحسبنا أن نشير الى أنه وصل الى الهند والصين والى الجذر الآسيوية النائية، ثم الى مجاهل إفريقيا مخترقاً الصحراء الكبرى.
وقد تقلب ابن بطوطة في رحلته بين حالات من الفقر الشديد والغنى الفاحش، فعاش عيشة الفقراء، وحياة الوزراء، وجمع في ذلك خبرة وتجربة وأخباراً مستغربة، فكان بذلك كله ممن تتجمل القصور بمجالستهم وتطرٌز أحاديثهم، بذكر أخبارهم، وقد عاد ابن بطوطة بقدر وافر من التجربة السياسية، إذ كان وزيراً وسفير الملوك، وبقدر أوفر من الأخبار عن الشعوب التي زارها.
فكيف استقبلوا أهل بلده، نعني: المغاربة؟
موقف أمراء بني مارين من ابن بطوطة
حظى ابن بطوطة باهتمام وعناية السلطان أبي الحسن وخليفته أبي عنان ، وكان أول لقاء تم بين ابن بطوطة وبين أبي الحسن - المعروف عند العامة في المغرب بالسلطان الأكحل (7) - في تونس إثر عودته من رحلته في حدود سنة (749 هـ) ، وكان أبو الحسن يومئذ في تونس في صحبة مشايخ المغرب وعلمائه وقد أعجب أبو الحسن بابن بطوطة وراقه ما سمعه منه ، وكان من المتوقع أن يستدعيه الى حضرته في فاس عند عودته ، إلا أن أبا الحسن المريني وافته المنية بعد محنة شديدة ، وكانت وفاته رحمه الله بعد أن نجا بأعجوبة من الغرق في الفتنة المشؤومة التي اشتدت عليه .
ولما وصل ابن بطوطة الى فاس، وصل خبره الى أبي عنان، فاستقدمه لقصره وضمّه الى جلساته العلمية، وكان من جلسائه الى جانب كبار مشايخ عصره من أهل المغرب والأندلس (8).
وبأمر من أبي عنان أملى صاحبنا رحلته على ابن جزي، ولعل أبا عنان أراد أن يفيد من حكمة ابن بطوطة وتجاربه في السياسة، فجهز له رحلة الى السودان للاطلاع على أحوالها ولربط علاقة مع حكامها.
ويبدو أن نجم ابن بطوطة افل بعد مقتل أبيٍ عنان، فقلّت العناية به، إلا أننا نجد ما ذكره قاضياً، وهذه كانت غاية ما انتهت إليه العناية به في تعيينه قاضياً في بادية نائية، ولا عجب أن تضيع أخباره بعد ذلك.
مواقف العلماء من ابن بطوطة
أعرض الطلبة والعلماء عن ابن بطوطة فلم يلتفتوا إليه فيما صنفوه، ولم يأخذه عنه سنداً ولا رواية، مع أن الرجل كان يحمل إجازات نادرة وطرائف مستغربة، وهكذا فلم يجر ابن خلدون له ذكراً في ترجمة نفسه (9) التي ذيّل بها تاريخه العظيم: كتاب العبر، وكان على معرفة وصلة به، ولعله لقيه في تونس ضمن لقي حاشية أبي الحسن، وفيهم شيوخه، ولعله جالسه في فاس يوم وجوده فيها كاتباً للعلم، فابن بطوطة من أقران شيخ ابن خلدون.
ولم يجر ابن مرزوق كذلك ذكراً لابن بطوطة في الكتاب الذي أفرده لأبي الحسن وهو (المسند الصحيح الحسن في مآثر مولانا أبي الحسن)، ومن المرجح أن يكون ابن مرزوقٍ جالس في فأس ابن بطوطة، إذا كان الرجل محظوظاً عند السلطان، وعلى أية حال فإن ابن الأحمر يحلّيه بالتاريخي أي المؤرخ بلغتنا اليوم.
وتجاهل السرّاج ابن بطوطة في فهرسته، مع كونه ذكر المغمورين من الذين لا يؤبه بهم.
وكان ابن الخطيب الوحيد من معاصريه على ما نعلم الذي خصّه بترجمة نقلها عن شيخه أبي البركات ابن الحج البلفيقي، علماً أن تلك الترجمة مع شدة اختصارها لا تنصف ابن بطوطة فهو فيها (قليل الطلب) (10)، بمعنى أنه لم يكن له حرص على طلب العلم، ثم هناك في هذه الترجمة تشكيك فيما يرويه ابن بطوطة.
هكذا لم يشفع لابن بطوطة عند علماء زمنه ومن بعده لما تشفّ عنه "تحفظ النظر" من معرفة واسعة بفقه مالك ومن حفظه جملة من أحاديث رسول اللهr بأسانيدها، مما مكّنه من إملاء قدر من تلك الأحاديث بأمر من سلطان الهند ترجمة له (11),، ولم يشفع لابن بطوطة لدي الأدباء ممن ألفوا المختارات الأدبية والشعرية خاصة ما نظمه من شعر ليجد مكاناً له بين أوراق تآليفهم.
وهذا الإهمال الغريب لاحق ابن بطوطة في العصور اللاحقة فلم تخصه كتب التراجم العامة ولا الخاصة بما يستحقه من عناية في المغرب. أما حظه من عناية مؤلفي التراجم في المشرق فينحصر فيما نعلم في الترجمة التي عقدها له ابن حجر في الدرر الكامنة (12)نقلاً عن نص الإحاطة التي كانت نسخة منها في رواق المغاربة من الأزهر الشريف القاهرة يومئذٍ.
تلك كانت صورة ابن بطوطة في زمنه، ولعله من المفيد أن نتساءل عن سر إقبال الملوك عليه وإهمال العلماء له.
لم يكن عصر ابن بطوطة ليدرك أهمية رحلة ابن بطوطة، ولا حتى قيمة مقدمة ابن خلدون، والاثنان متزامنان، وذلك بحكم الثقافة التي كانت يومئذ سائدة والاهتمامات التي كانت حينئذٍ شائعة.
فلو كان ابن بطوطة حرّر وريقات في الفقه لاهتبلت الناسٍ به، وأقبل العلماء عليه، ولكنه رحمه الله جمع أخباراً غير معزوة وأثاراً غير مدونة ولا قيمة لعلم لا سند له ولا إجازة فيه.
ابن بطوطة في زمننا
يجب أن نعترف بأننا اكتشفنا ابن بطوطة بفضل ما كتبه غيرنا عنه ، صحيح أن رحلة ابن بطوطة انتشرت وذاعت ، آية ذلك كثرت نسخها الخطية ، ولكنها لم تكن مطالباً للعلماٍء ، وإنما واحة يفئ إليها من رام قضاء ساعات ، فاراً بنفسه من عناء الدرس والتحصيل العلمي ، فما تضمنته هو إلى الهزل أقرب منه إلى الجدّ: غرائب وعجائب لا يصدّقها عقل ، وأخبار لا سند لها ولا أصل ، وتزايد الاهتمام في زماننا هذا .ن بطوطة وبرحلته وانفتح القول عن الرحلة إلى نوافذ كانت موصدة ، وعلى عوالم كانت مغلقة ، آية ذلك هذه الندوات المخصصة له ولرحلته ،ولعلّ أهم الأبواب التي فتحتها هذه الرحلة ثلاثة ، ومن ثمّ فإننا سنقف عند كل واحد منها على حدة :
1- تحفة النظار في ميزان الدارسات الأدبية.
2- تحفة النظار في حقل دراسة المذاهب الفكرية.
3- تحفة النظار بصفتها من مصادر تاريخ المماليك الإسلامية.
تعدّ «تحفة النظار» حقلاً خصباً للدرس الأدبي الحديث والمعاصر; لخصب هذه الرحلة وتعدد مستوياتها، وفي هذا نقف أولاً عند محاولة تصنيف هذا الرحلة وتصنيفها.
لقد انتهى البحث في أدب الرحلة إلى تصنيف هذا الجنس الأدبي إلى صنفين: أحدهما الرحلة الحجازية، والثانية الرحلة السفارية.
ولكل من الصنفين خصائص ومميزات تتحد بأهداف كل صنف خاصة، ولا تتحدّد الرحلة الحجازية بموضوعها وهو وصف الرحلة الى الحجاز بهدف الحج فقط، وإنما بما يرد في هذا الضرب، فهي رحلة فهرسية تتضمن نصوصاً تتعلق بالأسانيد والمرويات والمشايخ الذين لقيهم الرحالة، هذا الى طرائف وأخبار ونوادر أدبية ومناظرات علمية.
أما الرحلة السفارية، فتخلو من ذلك كله، وتقدم لقارئها مواد أخرى تتصل بعالم آخر لا علاقة له بالأخذ والتلقي والرواية والسند، ولكل من الصنفين كذلك أسلوبه الخاص وتركيبه المتميّز.
وتلتقي في رحلة ابن بطوطة مواد من الضربين المذكورين من الرحلات: وهي على ذلك رحلة حجازية إذ كان قصد ابن بطوطة فيها أداء فريضة الحج، وزيارة الروضة الشريفة، ومنها إلى ذلك من الرحلة الحجازية مادة فهرسية تتصل بأخبار العلماء، وبما أخذ عنهم في لقائه بهم.
وفي «تحفة النظار» غير ذلك من الأخبار مما يرد عادة في الرحلة السفارية وذلك في حديثه عن الشعوب التي زارها، هذا مع الإشارة إلى ابن بطوطة سفر عن ملك الهند الى الصين.
وهكذا فان «تحفة النظار» فريدة في بابها لا تحدّ بحدود الرحلات المعروفة، فقد جمعت بين ما نعرف في الرحلات وأربت عليها.
ورحلة ابن بطوطة مذكرات شخصية، وسيرة ذاتية، وفهرسة علمية، بما تتوفر عليها من نصوص تقربها من كل الأجناس الأدبية المذكورة. وفي الرحلة ما يشير الى كون ابن بطوطة كان يقيّد مذكراته، وقد صرّح بفقد بعض تلك التقييدات في حادثة كانت تودي بحياته، وهي على هذه مذكرات شخصية، وما نظن أبداً أن ابن بطوطة حفظ في ذاكرته كل ما أملاه على ابن جزي.
وابن الجزي صريح فانه كان يكتب من إملاء ابن بطوطة وتقييداته، حتى انه حتى إنه إذا أضاف شيئاً من عند نفسه نبَّه إلى ذلك.
وتلتقي في الرحلة أساليب، ففيها قدر كبير من الأسلوب الوصفي وفيها كذلك سرد، وكل أسلوب في مكانه، ولكل من الأسلوبين طريقة خاصة لمعالجة.
كل ما ذكر وما نذكر عن الأبواب والنوافذ التي تفتحها الرحلة في وجه الدارس الأدبي يؤكد ضرورة الاهتمام بهذه الرحلة وضرورة إيلائها عناية خاصة في مناهجنا التعليمية في الحقل الأدبي، وسيكون من المفيد جداً إدراج نص الرحلة كاملاً ضمن مؤلفات الأدبية المقررة في البرامج التعليمية. ففي النصّ متعة: إمتاع وانتفاع، بما فيه من أخبار تغري التلميذ بتتبُّعها، وأساليب يفيد المتعلم منها، وعالم من الخيال يذكي خيال التلميذ ويفيده في إثارة مواهبه.
وفي الرحلة الى جانب ذلك صورة من عن العالم الإسلامي في مرحلة من مراحل تاريخه بقلم رحالة مسلم يختلف عن قلم رحالة أجنبي لا يفهم ما يرى، وإن فهم فمعتقده الديني يفسد عليه أن يكون منصفاً عادلاً في تقديم ما يقدّم واختيارٍ ما يختاره مما يراه.
وسيكون من المفيد أيضاً إعادة كتابة رحلة ابن بطوطة بأسلوب عصري تقدّم الى الصغار بعنوان «ابن بطوطة الصغير» وذلك على غرار ما يفعل الغرب بأمهات آثاره الأدبية.
هذا الى أن الرحلة تفتح مجالات أوسع لمن أراد استثمار مواردها وطاقاتها الإبداعية، من ذلك: تقديمها للصغار في شكل مسلسلات مصوّرة على شاشات التلفزة وتقديمها في مسرحيات وأفلام سينمائية.
«تحفة النظار» مشروع تجاري كبير يجعل من الثقافة أساساً له، وآثار هذا المشروع التجاري تتجاوز الربح المالي كثيراً.
أهمية «تحفة النظار» في التاريخ والثقافة للعالم الإسلامي
تقدم رحلة ابن بطوطة معلومات غزيرة، وأخباراً مفيدة للباحث في التاريخ السياسي والثقافي للعالم الإسلامي، وما من شك في أن قيمة الأخبار التي تقدّمها للبحث التاريخي هي من حيث التنوع والدقة، بحيث لا يدرك أهميتها إلا المؤرخون الذين يجدون في الرحلة كثيراً من الأحيان المصدرَ الوحيد لهم فيما يخص الشعوب الإسلامية في الهند والجنوب شرقي آسيا وإفريقية.
على أن أهمية الأخبار التي تهمّ الحياة الثقافية والاجتماعية والفكرية أوفر من غيرها، حتى إن الرحلة تغني وحدها في إنجاز بحث في موضوع الحياة الثقافية في العالم الإسلامي في القرن الثامن.
يبدو العالم الإسلامي من خلال «تحفة النظار» وكأنه أسلم سلطته الفكرية والروحية لأصحاب الزوايا الفقراء والدراويش!! وحتى السلطة السياسية يبدو كأنها لم تكن تقوم لها قائمة (13) إلا بالاعتماد على أصحاب ترك الزوايا.
إن الطوائف منتسبة للتصوّف والمنتحلة له أخذت برقاب الجميع، فشيخ الزاوية أخذ بزمام الناس على اختلاف صفاتهم، ومن لا شيخ له فالشيطان شيخه كما شاع في عصر ابن بطوطة.
التحفة من مصادر التاريخ السياسي لعالم الإسلامي
مرّت الإشارة إلى أهمية التحفة بوصفها من مصادر المؤرخ المعني بتاريخ العالم الإسلامي في زمن ابن بطوطة، أي: في قرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، ونضيف: إن تلك الأهمية تزداد بالنسبة لشعوب إفريقية وآسيوية ليست لها مصادر تاريخية مدوّنة، وتكاد رحلة ابن بطوطة تكون مصادر المصدر الأوحد بالنسبة لبعضها.
وعلى أيّة حال فمن الصعب على المؤرخ الواحد المعني بتاريخ شعب من الشعوب أن يدرك أهمية الرحلة في تاريخ بقية الشعوب.
كان ابن بطوطة قد تمكّن من معاشية ملوك وأمراء كثيرين ، وامتحنه بعضه في مهامّ جسيمة ، ومن ثم فقد أتيح له أن يطلع في أحيان كثيرة على ما لم يطّلعٍ عليه غيره في أحوالٍ الشعوبٍ والأمم ، وهكذا كان مؤرخا بقدر ما كان شاهداً ومشاركاً في توضيح أحداث كثيرة.
وقد حرص على تسجيل الأحداث والوقائع ، حيث إن رحلته جاءت حافلة بالوقائع والأحداث وأسماء الأعلام ، هذا إلى وصف دقيق لقصور الملوك وحاشيتهم ، وعاداتهم وعلاقتهم بجيرانهم ، وكان رحمه الله دقيق الملاحظة ، خبيراً بطبائع الناس ، حكيماً في سلوكه ، وذلك ما قرّبه إلى كبار الوزراء والملوك والأمراء ، وقد أصبح ابن بطوطة ممن تتجمَّل بهم القصور ، ويتسابق إليه الملوك ويعظم قدرهم بوجوده بينهم ، وحديثه عنهم ، وكانوا لذلك يتنافسون في إكرامه، والتودّد إليه كي يشهر أسمائهم ، وينشر أخبارهم ، وفيما سجّله عن ذلك مادة تاريخية جليلية القدر عظيمة الفائدة .
وفيما يخصّ تاريخ المغرب السياسي فإن الرحلة تقدّم إضافات على قدر هامّ من الإفادة والإضافة.
ومن ذلك ما يتصل بحركة السلطان أبي الحسن المريني إلى إفريقية بقصد توحيد المغرب من أجل مواجهة المد النصراني الزاحف على الأندلس والمغرب من الشمال.
كان أبو الحسن صحب معه في حركته «جيشا» من العلماء.
لقي ابن بطوطة أبا الحسن في إفريقية، بوساطة من أحد الطنجيين الأعيان من حاشية أبي الحسن، وسجل ابن بطوطة هذا اللقاء وما جرى فيه.
أما ما قدّم ابن بطوطة في تحفته في بلاد السودان وعن الحضور المغربي فيها - وكان حضوراً علمياً في المقام الأول وتجارياً في المقام الثاني- فإنه يعدّ المصدر الأوحد لتاريخ تلك البلدان في هذا الجانب، ومن المصادر المعتمدة في تاريخ العلاقات بين المغرب وبين شعوب السودان المغربي.
وفي تلك الصفحات التي خصّها ابن بطوطة لبلاد السودان ورحلته إليها تأكيد للصلات العميقة بين المغرب وبين جيرانه الجنوبيين، وبيان لطبيعة تلك العلاقات التي لم تكن تقوم على الاستغلال، كما حصل فيما بعد من المحتل الأوروبي بين تلك الشعوب، وكانت

