تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

نبش الماضي.. علم الآثار القديمة وتبسيط التاريخ

نبش الماضي.. علم الآثار القديمة وتبسيط التاريخ

حجاج سلامة

تختلف زيارتك للمتحف اختلافاً بَيِّنا عن محاولتك العملية لكشف الماضي... ستشاهد فى المتحف أشياء محفوظةً من خلف زجاج، رُتبت بعناية وزودت ببطاقات تُعَرِّف بها فى جو محكم من تفسيرات علمية وأجهزة قياس الرطوبة، لكن الحفر الأركيولوجى شئ مختلف، هنا ستجد الماضى ملموساً.

وفي كتابه "نبش الماضي.. علم الآثار القديمة والبحث عن الدنا القديم"، يروي لنا مارتن جونز، بعضاً من تجاربه في عالم الأركيولوجيا، وكيف أنه كان عليه أن يقوم برفقة زملائه باستخدام المعاول، والدفع بعجلات يد قديمة ضخمة، وأن يرفعوا بالمجارف أثقالاً من التراب فى حقل رطب حتى يجد الوحلُ طريقه إلى أحذيتهم، لتأتي بعد ذلك الدهشة من القدر الهائل مما كان يبزغ من تحت الأرض من أشياء كثيرة متنوعة من القطع الأثرية التي يُرى بعضها خلف زجاج المتاحف.

كتاب "نبش الماضي.. علم الآثار القديمة والبحث عن الدنا القديم"، الذي ترجمه لنا الدكتور أحمد مستجير، والصادر عن دار العين بالقاهرة، يحاول الإجابة عن الكثير من الأسئلة ذات الصلة بالماضي، مثل "من أين أتينا ؟ ما هو الدنا DNA ؟ ما هي مخاطر أن يكون حجمنا كبيراً ؟ 

ويُسلّط الضوء على الثورة التي شهدها علم الأركيولوجيا (علم الآثار القديمة)، وكيف فتح للمرة الأولى أمام هذا العلم السجل الجزيئي للحياة القديمة، وتلك التقنيات المذهلة التي سمحت للبقايا القديمة بأن تفصح عن الماضي الذي تحمله بجوفها. 

وكيف كانت حركة العلماء من أجل سبر لبنات الحياة الأساسية: الدنا والبروتينات والدهون في الرواسب، وفي النباتات والحيوانات المتحجرة، في عظام البشر القديمة  وعظام الديناصورات، وفي حشرات حفظت داخل الكهرمان منذ ٢٦ مليون عام.. وكيف أن البقايا الشاحبة على سن رمح قديم تكفي الآن كي تفصح عن الفريسة. 

وكيف أنه صار بالإمكان من خلال فحص جزيئيات لوعاء طبخ، لرأس سهم ، لبقايا وجبة غذاء، لشعرة، لقطعة لحم، لسنة، لعظمة من عظام أسلافنا. صار بالإمكان أن نجمع من كل هذا حكايات كثيرة حول تاريخنا، البعض منها تُعاد روايته، و البعض منها يُحكى للمرة الأولى.

الكتاب يوضح أيضاً فيم نختلف عن إنسان نيانديرتال؟ ومن استأنس الحصان البري؟ وأين ظهر أول المزارعين ؟ ومن حلب أول بقرة ؟ ومن طبخ الكرنب لأول مرة ؟ وما أطول رحلة كان يقوم بها قدامي البشر؟ وكيف وصل الإنسان إلى العالم الجديد ؟ وماذا جلب معه من حيوانات وأمراض؟ وماذا كانت شروط الزواج قبل التاريخ ؟ وعن كل هذا  وأكثر ، يحكي لنا مارتن جونز عبر صفحات هذا الكتاب الذي بين أيدينا.

لقد تغير ما نود أن نعرفه عن الماضى، بفضل التغيرات الكبيرة التى حدثت فى الأركيولوجيا، وتطوّر العلوم المساعدة على معرفة "الدنا" القديم.

وقد كان الفضول البشرى الخالد عما يتركه الماضى من آثار، واحداً من الدوافع الهامة إلى هذه التغيرات، حيث تغير ما نود أن نعرفه عن الماضى. وأخذتنا تساؤلاتنا أكثر وأكثر نحو الآثار العضوية، ثم إلى المعلومات الجزيئية بداخلها.

وقد تغير منذ ستينات القرن الماضى إدراك الأركيولوجيين لما ينقبون عنه، حيث  أصبح واضحاً لهم أن ما تركوه خلفهم  من رسوبات الخُثٌ من الطين الذي أزالوه من فوق أسطح الأوعية من العظام والأجسام العضوية، بل وحتى من المادة المتعفنة التي أمكنهم أن يشموا رائحتها، كل هذه قد تكون ثريّةً بأدلة حميمة عن الحياة القديمة.

ويدلنا كتاب "نبش الماضي.. علم الآثار القديمة والبحث عن الدنا القديم"، أنه في سبعينات القرن العشرين بدأ الكثير من الحفارين يستخدمون النخل والتعويم بجانب المعول والمسطرين لاقتناص بعض هذه المعلومات، حيث عُثر على الكثير والكثير من الشظايا العضوية داخل الرسابات الأركيولوجية، وكانت بقايا الطعام والوقود والأجسام ومواد البناء وقد تضخمت ببقايا النباتات البرية واللافقاريات،  وقد كشفت العدسات القوية عن تفاصيل رائعة.

وفي ثمانينات القرن العشرين كانت الأركيولوجيا البيولوجية بلغت سن الرشد كوجه روتينى للمنهج الأركيولوجى. كانت الخرائط المثقلة بالأسهم لثقافات ما قبل التاريخ وقد أفسحت الطريق أمام بحوث عن الممارسات الزراعية وإقامة المنازل وصحة المجتمعات الريفية وتغذيتها. بدأت الحياة تدب في شعوب ما قبل التاريخ وعوالمهم التى اختفت. 

لكن وبحسب الكتاب، فإن الأمر لم يتوقف عن هذا الحد، فلقد فتح باب آخر فى أواخر الثمانينات على السجل الأركيولوجى وما يمكن أن يَكشف لنا عنه، وتزايد تركيز الدراسات عن قدامى البشر على العمليات الحياتية العضوية التي أفصحت عنها هذه الصور الجديدة من الشواهد، اقتربت أكثر إلى دراسة العالم البيولوجي. لكن علم البيولوجيا ذاته كان هو الآخر يتغير، ويتغير كثيراً. فلكى يصل البيولوجيون إلى القلب من العالم الحي وطريقة عمله، كان عليهم أيضاً أن يوسعوا مجال ملاحظاتهم. لقد طالما اهتموا داخل الكائنات الحية الكاملة بالخلايا وبالتراكيب تحت الخلوية داخلها، تلك التى تشكل ميكانيكا الحياة، ثم تحولوا إلى مرحلة أبعد، إلى الجزيئات التى تجعل هذه التراكيب تعمل . تضم هذه الجزيئات المواد الدهنية والكربوهيدرات لتى تزود عمليات الحياة بالطاقة والبروتينات التى تبنى الأنسجة الحية وتنظم السبل البيولوجية؛ والجزيئات التى تُشفّرُ التعليمات لهذا كلّه : الدنا في قلب كل خلية.

 وفى الوقت الذى كان فيه الأركيولوجيون يتحولون ليُتقنوا عملية استخراج شظايا الكائنات القديمة ويميزوا أنسجتها، كان البيولوجيون قد تقدموا عميقا إلى قلب الديناميكا الخلوية، ليحلوا شفرة الأساس الجزيئي للحياة.

وكان من نتائج تطور علم الآثار والبحث عن الدنا القديم، هو تلك الجسور التي امتدت بين أفرع أكاديمية لم يسبق أن كان بينها صلة تُذكر من قبل، حيث بات هناك تواصل بين الأركيولوجيين والباليونتولوجيين وعلماء البيولوجيا الجزيئية والجيوكيمائيين،وهم أخصائيون من أفرع علمية مختلفة اجتمعوا على شىء مشترك بينهم.

وفى خلال بضع سنين بعد أن أصبحت الأركيولوجيا البيوجزيئية واقعاً، أعيدت كتابة الكثير من القصص حول ماضى الإنسان، وحكيت لأول مرة روايات كانت أبعد من تناول الشواهد التقليدية التى كانت متاحة. كان المحرك الأول لهذه القصص الجديدة هو البحث عن جزئ بيولوجي معين إليه يدين كل جزئ غيره بوجوده الدنا. 

وكما نطالع على صفحات كتاب "نبش الماضي.. علم الآثار القديمة والبحث عن الدنا القديم"، لمؤلفه مارتن جونز، فإنه قد أمكن للعلماء تعقب جذور الأركيولوجيا الجزيئية حتى سنين بعيدة إلى الوراء، وقد أمكن تحديد هوية الآثار الجزيئية من بذور ومن عظام حيوانات، من داخل أوعية ومن على سطح الأدوات الحجرية. 

لكن كم من الآمال القديمة والطموحات قد تحقق؟ والإجابة كما أوردها لنا الكتاب، هي أن ما يحدث عادة بعد الإثارة الأولى التي تصاحب شق طريق جديد للعلم، هو إدراك حدوده العملية. والحدود هنا هى ماذا يمكن أن تكشفه لنا هذه البيوجزيئات؟ فمهما كانت درجة حفظها فإنها أبداً لا تتوقف عن التحلل. وكلما ازداد البلى والتشظى كلما صعب تفهمها، وصعبت معالجة قضايا مثل التلوث ومثل متطلبات التحليل الواضح المكان والزمان والسياق كلها تفرض حدوداً لما هو ممكن، وفي داخل هذه الحدود، عرفنا الكثير عن قضية إنسان نیانديرتال وتطوير الزراعة، وعن الطبخ، وعن الأمراض القديمة. 

وقد سلّطت بعض المشاريع البيوجزينية الناجحة الضوء على جماعة بشرية معينة تناولتها واحدة من حكاياتنا الجليلة عن الماضي، قد تكون هذه حكايات عن تقدم عن بنية اجتماعية، عن تغير ثورى، أو عن حركة عشيرة، وكل هذه يمكن أن تترجم بطريقة ما إلى نماذج للأصول والقرابات.

المشاريع التي يتحدّث عنها الكتاب، تنحو إلى أن تُضبّبْ حدود الكثير من القصص الأبسط عن ماضي الإنسان، لكنها تكشف عن تنوع الحيوات التي تعنقدت حول هذه القصص للنظر على سبيل المثال إلى قضية نشأة الزراعة وانتشارها. 

هنا ستجد أن موجات المزارعين المهاجرين قد أخذت بالتدريج تخفت لتحل محلها في حكاياتنا لقاءات داخل عالم متنوع. هذا عالم تكون فيه للجذور والدرنات والأوراق نفس أهمية الحبوب، عالم يضم مناطق و آماداً زمنية تخرج عن تلك المقدسة في حكايات الهلال الخصيب، وفي نفس الوقت الذى تقع فيه مثل هذه النماذج من التعقيد والتنوع تحت بؤرة الضوء الجزيئي، سنجد ثمة شعاعاً يُسلّط على جيل جديد من الروايات يبزغ من العلوم الجزيئية ذاتها.

جاءت الأركيولوجيا الجزيئية عن نظامين مختلفين يتحركان واحداً وراء الآخر، كانت البيولوجيا تكتسب المعارف والتحكم في هندستها الجزيئية، وبُخطى سريعة في نفس الوقت كانت الأركيولوجيا تتمدد وتتسع لتفحص مجالاً مختلفاً من المواد القديمة تحت الأرض، ولقد التقيا من خلال حسن الطالع والظروف. 

لم تكن مجرد حالة التقاط لبعض من أدوات علمية مختبرة للتطبيق الأركيولوجي، بقدر ما كانت لقاء بين جبهتي بحث مستقلتين، وصلتا في غموض إلى ما أصبح قضايا مشتركة. 

هذا اللقاء الغامض لا يزال مستمراً، ويتضح أكثر ما يتضح في الدراسات عن التنوع الوراثي للبشر. وما تلى ذلك من وضع أسس خرطنة الجينوم البشرى وتبايناته. 

ومع تزايد ما يتاح من بيانات الدنا من البشر الأحياء، تأتي ثروة من الإيحاءات عن وقائع مبكرة في ماضي الإنسان.

وهكذا كان الدنا هو بارجة الأميرال لأسطول من الجزيئات يُحرك تفهمنا لماضي البشر إلى الأمام. وقد صارت هذه الجزيئات تُجَمَّعُ لكشف ذلك الماضي. وتفحص الأصول قبل التاريخية، ودراسة الأمراض، وغير ذلك الكثير والكثير مثل تلك الدراسات السابقة عن الجبانات القديمة التي تجمع تحاليل الدنا مع دراسات النظائر المشعة في كولاجين العظام.

وما كُنّا مُحيطين.. ولكن نضرب الأمثلة.


نبش الماضي.. علم الآثار القديمة وتبسيط التاريخ
Ehsan Logo