تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

عندما يجور النقد

د. وليد قصاب

(1-2)


  • النقد النزيه المجرد من الهوى في زماننا هذا وفي أزمان غيرنا نادر، فالنزاهة والعدل لايؤتاها إلا القليلون.
  • الناقد إنسان خبير فهو كالصيرفي والطبيب والقاضي والمهندس، كل أولئك خبراء في صنعتهم .


شبّه قومٌ الناقد الأدبي بالقاضي أو الحكم ، الأول : يحكم بين دعاوى الناس وقضاياهم، والثاني: يحكم بين الأدباء والشعراء وأرباب الفصاحة والكلام.

ومطلوب من كل منهما النزاهة والعدل، إذ هو مسؤول مسموع القول نافذه، ولكن الأحكام النزيهة العادلة لا يؤتاها إلا قليلون ممن عرفوا الحق وتربو عليه وأخذوا أنفسهم به. 

ألم يُروَ عن بُريْدة – رضي الله عنه – أنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) : " القضاة ثلاثة : اثنان في النار وواحد في الجنة، رجلٌ عرف الحق فقضى به، فهو في الجنة، ورجلٌ عرف الحق فلم يقض به وجار في الحكم، فهو في النار، ورجلٌ لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار" ( رواه الأربعة وصححه الحاكم) (1)

النقد النزيه المجرد من الهوى في زماننا هذا – وفي أزمان غيرنا – نادر قليل ، وكلما تذكرت قول الخليل بن أحمد للشاعر ابن مناذر :" إنما أنتم – معاشر الشعراء – تبعٌ لي ، وأنا سكّان السفينة : إن قرّظتكم ورضيتُ عنكم نفقتم وإلا كسدتم" (2 )

أدركتُ ما يمكن أن يلعبه الناقد من دور في الحركة الثقافية والفكرية.

بل أدركتُ – وهو الأهم – كيف أن الناقد المعتبر هو سلطان ذو نفوذ وفي يده قدر الأديب، فهو يملك أن يرفعه وهو يملك أن يضعه، إذ هو خبير مسموع الكلمة يفيئ القوم إلى رأيه وينزلون عندما يصدع به من قول.

ألم تكن العرب قديما تضع للنابغة الذبياني قبة من أدم في سوق عكاظ ثم تأتيه الشعراء طائعة تعرض عليه أشعارها، وتسأله عن رأيه فيها، فمن أشاد به نبَهَ ذكره وعلا شأنه، ومن تجاهله أو لم يستحسن شعره، سفُل شأنه وانحدرتْ منزلته ؟ " (3) 

وقد عبّر سلطان النقد خلف الأحمر خير تعبير في ذلك الحوار الأدبي العميق، الذي دار بينه وبين رجل من عامة متذوقي الشعر، قال رجل لخلف:" ما أبالي إذا سمعتُ الشعرَ فاستحسنته ما تقول فيه أنت وأصحابك" وهو قول – كما هو جليّ – يجحد دور الناقد أو يحاول – على أقل تقدير – ألا يقيم له وزنا حتى كأنه يراه وسيطًا لا داعي له بين المبدع والمتلقي، إذ حسب المتلقي أن يكون هو الحكم باستحسان أو استقباح على ما يسمع من قول، ولكنّ خلفًا أجابه بثقة واستعلاء :" إذا أخذت درهمًا فاستحسنته ثم قال الصيرفي : إنه مزيف أو رديء، افكان ينفعك استحسانك إياه؟!" (4) 

إن هذه الأقوال وغيرها في بيان سلطان الناقد فيها من وجوه الحق الكثير، إذ لا شك أن الناقد إنسان خبير فهو كالصيرفي والطبيب والقاضي والمهندس، كل أولئك خبراء في صنعتهم، ولا يُقضى بأمر من أمورها إلا أن يُرجع إليهم فتلك هي سنة من سنن الله في الكون، ناموس يقوم على سؤال أهل الذكر .

كان أبو بكر محمد بن يحيى يقول: " نقد الشعر وترتيب الكلام ووضعه مواضعه، وحسن الاختيار والاستعارة، ونفي المستكره والجاسي، صنعة برأسها ولا تراها إلا لمن صحّت طباعهم، واتقدت قرائحهم وتنبهت فطنهم، وراضوا الكلام ورووا وميّزوا " (5)

ولكن هذا الحق قد يلتبس بباطل قد يتحوّل الناقد – وهو يستغل سلطانه الاجتماعي – إلى حكم جائر أو قاض ظالم، تحركه الأهواء والرغبات الشخصية، فينحرف عن الحق، ويجانب الموضوعية والإنصاف، فيفسد ويدمّر، ويكون عنصر تخريب وتضليل، يرفع أناسًا تافهين، ويخفض قومًا مبدعين، وذلك حين يتلبسه الهوى، أو ينساق وراء اتجاه أيديولوجي ما، يحاول نصرته بالحق والباطل، أو تحركه المطامع والمصالح والشهوات والشللية" وما شاكل ذلك من اعتبارات الهوى الشخصي التي لا حصر لها.

لقد وُجد هذا النقد الجائر في القديم وفي الحديث ، ولكنه في زماننا هذا – بسبب اشتباك المصالح، وشهوات النفوس، وافتقاد الجدية والموضوعية، أبرز ظهورا وإن أمثلته الصارخة

عندما يجور النقد
Ehsan Logo