رحلة الكتاب.. من ألواح الطين إلى الورق المطبوع
إعداد محمد حيان الحافظ
ذكر ابن منظور في لسان العرب مرادفات للكتاب، فهو الصحيفة والدواة وهو الفرض والحكم والقدر وهو اسم لما كتب مجموعاً. ويذكر بطرس البستاني في المحيط أن الكتاب مصدر، وما يكتب فيه نسميه بالمصدر.
وأبرز سمة للكتاب هي أنه يقصد به أن يكون وسيلة اتصال.
وعرفت منظمة اليونيسكو الكتاب بأنه المطبوع غير الدوري الذي تصل على صفحاته إلى 49 صفحة على الأقل غير الغلاف.
وقد قطع الكتاب من حيث شكله المادي وصناعاته ورحلة طويلة على مر العصور، حيث بدأ ألواح الطين والكتاب على الجلد وورق البردي، وتطورت صناعات الكتاب إلى ما نشهده الآن من التحول السريع نحو الانتقال من عالم الطباعة على الورق إلى عالم الكتاب الإلكتروني، وسوف تقتصر رحلتنا هنا مع الكتاب إلى مرحلة الطباعة والكتاب الورقي.
لمحة تاريخية
هناك شبه اتفاق على أن الصين قد تكون هي مصدر الكتاب الورقي الأول. ويأتي هذا التصور منطلقاً من حقيقة أن الصين هي أول موطن للورق بالشكل الذي نعرفه، ومنها انتقلت صناعته بوسطة العرب إلى بغداد عاصمة الدولة الإسلامية في حينه، حيث توسعت هذه الصناعة وتطورت بشكل عظيم. ومن بغداد انتقلت هذه الصناعة إلى شمال إفريقيا فبلاد الأندلس ومنها إلى أوروبا.
ومنذ فجر التاريخ كان الكتاب المصري على شكل لفافة من الورق البردي (وهو نبات كان ينمو على جنبات نهر النيل وفي مستنقعات الدلتا) وكانت اللفافة تقسم إلى أعمدة من سطور قصيرة، وكان الكتاب يقسم إلى أقسام تشبه الصفحات، وإذا ما أريد قراءاته تفرد اللفافة حتى تظهر الكتابة. وأقدم لفافة بردية ترجح إلى عام 2400 ق.م. وإن كان من الثابت أن أوراق البردي قد استعمل في الكتابة قبل هذا التاريخ.
وفي نفس الوقت الذي كان فيه أوراق البردية مادة أساسية للكتابة، ازدهرت في موقع آخر حضارة الصين، حيث استخدمت الألواح الخشبية في الكتابة والتي تحفر بآلة مدببة، وفيما بعد كتب عليها بالحبر بواسطة قلم رفيع.
ثم استخدم الصينيون الحرير، وكانوا يكتبون عليه بأقلام خاصة. وامتاز الحرير بكثير من صفات ورق البردية وخاصة من حيث مرونته وبريق سطحه إن كان أغلى منه ثمنا.
ألواح الطين
استخدم الأشوريون والبابليون ألواح الطين وكانت حروف الكتابة تحفر على الألواح وهي رطبة وذلك باستعمال آلة، ثم توضع هذه الألواح في أفران كي تكتسب صلابة. وأشهر المكتبات في أشور هي مكتبة الملك أشور بن بانيبال الذي أمر بأن يوضع بها نسخة مبوبة من النصوص المستقاة من كافة محفوظات المدن والمعابد وبذلك جعل من عاصمته هذا مركزاً رئيسياً للعلوم الأشورية.
الألواح المغطاة بالشمع
وهي نوع آخر من مواد الكتابة يختلف عن ألواح الطين التي كتب عليها السومريون والبابليون والتي كتب المصريون عليها وهي ورق البردي. وهذا النوع من الكتابة عرف في فينقيا وهي المنطقة بين صور وصيدا على الساحل اللبناني.
وكان من الضروري قبل استخدام الألواح الخشبية إيجاد طريقة عملية للكتابة عليها; لأن الحبر الذي استخدمه المصريون يمكن إزالته من سطح البردي بخرقة مبللة، وبهذا يسهل تصحيح الأخطاء وكان يمكن إذا اقتضى الأمر تنظيف السطح كله وإعادة استخدامه من جديد.
الكتاب في عصر الإغريق والرومان
بدأت لفائف البردية في الظهور في بلاد الإغريق في القرن السابع قبل الميلاد ويرجع أكبر عدد من أوراق البردي المكتشفة إلى القرن الثالث قبل الميلاد لازدهار الحضارة عند الإغريق المتوطنين أرض مصر، وتأسيس بطليموس الأول مملكته القوية في وادي نيل وإعطاء الإسكندرية عاصمته الجديدة مركزاً متوفقاً بإنشاء أعظم مكتبات العصر القديم وهي مكتبة الإسكندرية الكبرى، وكانت تضم مجموعتين: المجموعة الكبرى في قصر الملك، والمجموعة الصغرى بجوار معبد السرابيوم. وكان الغرض من إنشاء هذه المكتبة هو جمع كافة الآداب الإغريقية في مجموعة من أحسن النسخ وترتيبها والتعليق عليها. وقد تتابع على إدارة المكتبة منذ نشأتها قوم امتازوا بالثقافة الواسعة والعلم الغزير.
وكان شكل الكتاب الإغريقي عبارة عن أسطوانة قطرها من 5 إلى 6 سم إذا ما طويت لفافة البردي ليسهل الإمساك بها ولا تزيد اللفافة عن عشرة أمتار ولا يزيد عرضها عن ثلاثين سم.
الألواح الخشبية عند الرومان
وقد استعملت طريقتين: الأولى كتابة الحروف مباشرة على الخشب بالقلم والمداد، وفي هذه الحالة كان يطلى الخشب بمادة بيضاء لتظهر الكتابة واضحة.
والطريقة الثانية: هي طريقة الفينيقيين نفسها في الألواح الخشبية المغطاة بالشمع، وكان غالباً تربط عدة ألواح بخيط يمر من ثقوب، فتبدو الألواح الموصولة على هذا النحو شديدة الشبه بالكتاب.
واستخدام الرق في الكتابة، وكانت مكتبة برجاموس صاحبة الفضل في نشر استخدامه. وكان المعتاد استعمال جلود الضأن والعجول والمعز، وكانت تلك الجلود بعد تنظيفها تماماً توضع في ماء الجير حتى تزال عندها المواد الدهنية ثم تجفف بعد ذلك وتحك بمسحوق الطباشير ثم تصقل بحجر الطلاء، وبعد هذا يصير الجلد صالحاً الكتابة عليه. وكان الرق مرتفع الثمن لا لعدم توفره الماشية وإنما لأن عملية إنتاج الرق كانت طويلة تحتاج إلى مهارة فائقة، وهناك درجة لجودة الرق كلما زادت كان الثمن أكثر.
وبعد انتشار الرق في صناعة الكتب خطر للإنسان أن يجعل الرق الشكل الذي كان للألواح، وقد تحقق هذا التقدم في أوائل عهد الإمبراطورية الرومانية وأطلق على شكل للكتاب الجلدي المسطح (الكراس) ومعظم هذه الكراسات كانت مكتوبة من عدة ملازم تحتوي كل منهم على عدد معّين من الأوراق. وكان الكراس في تنظيمه مماثلًا للفائف حتى أن تأخر وضع العنوان إلى نهاية النص انتقل في العصور الأولى من اللفائف إلى الكراسات، ولم يعمم استخدام العنوان في بدء الكتاب إلا في بداية القرن الخامس.
وكانت الوسيلة التي اهتدى إليها السابقون في تعدد النسخ هي استخدام الأختام أو عمل أكثر من نسخة باليد، غير أن هذه الوسيلة لم تف بالحاجة المتزايدة إلى الكتاب، فطلبة العلم يتكاثرون والتكاليف باهظة والوقت يضيع في أعمال محدودة والانتظار يكاد يصرف الناس عن المعرفة.
الوراقة
ازدهرت هذه المهنة بشكل كبير في العصر العباسي وذلك لكثرة التأليف، فجاءت صناعة الوراقين لكي تنتج أكثر من نسخة للكتاب الواحد، وذلك للاستفادة منه. فقد انتشرت حوانيت الوراقين وذلك من الحرص على الكتاب والاعتناء به، وكان الوراق هو الذي يقوم بنسخ الكتب وإضفاء الشمولية عليه ليكون مصطلحاً لصناعة الكتاب بكل تفريعاته. ومن أقدم من عرف بهذه النسبة علان الشعوبي الوراق، وكان ينسخ في بيت الحكمة في بغداد. وهناك الكثير من المصطلحات التي تدل على هذه الحرفة منها الكاتب والناسخ، والمحرر، والمصاحفي، والمستملي، وغيرها من تلك الأسماء التي تدل على إنتاج الكتاب ونشره. وربما كان من التقصير في حق الوراقين أن يقال عنهم إنهم كانوا مجرد ناشرين فقط، إذ إن هناك من يذكر عنهم أن حوانيتهم كانت تقوم مقام المدارس والمكتبات ودور النشر فيها هذا.
فقد كانت حوانيتهم ملتقى العلماء. حيث كان معظم الوراقين مثقفين ثقافة علمية يشاركون العلماء والفقهاء في بحوثهم واطلاعهم وتأليفهم.
الكتاب بعد اختراع الطباعة
وفي الوقت الذي كان فيه النقش على السطوح باختلاف موادها هي وسيلة الكتابة; كانت هناك أنواع متعددة من المعرفة والثقافة. ولكن لم يكن هنالك كتب، لأن الكلمة المكتوبة كانت لا تزال تفقد الصفة الأساسية وهامة يتصف بها الكاتب بمفهومه الحالي، ألا وهي القدرة على الحركة، فكما أن الكتابة قد مكّنت الكلمة من أن تقهر الزمن ; فإن الكتاب قد مكّنها من أن تصل إلى بعض آخر فتقهر الفضاء، إذ لا شك في أن المواد المختلفة الخفيفة والرقيقة التي- قبل ثلاثين قرناً- أعطت الكتاب أسماءه مختلفة.
لكن الكرة القرن الحادي عشر ميلادي أتى بمحاولات جديدة إذ اهتدى الصيني بي شنج إلى عمل حروف منفردة من الطين تستخدم بعد حرقها. ثم نجحت محاولة أخرى في بلده ريجنزبرج بألمانيا، ومحاولة ثالثة في مدينة سيول بكوريا عام 1409 م انتهت بإنشاء مطبعة حكومية ذات حروف خشبية منفردة.
كانت هذه الجهود، محاولات جادة على الطريق، حيث واصل بها يوحنا غوتنبرغ في منتصف القرن الخامس عشر، فقد أمكنه سبك حروف معدنية بكميات كبيرة تصف في أسطر متتالية وتتكون منها صحائف تلو الصحائف، ولم تتعزز صناعة الكتاب إلا بعد ظهور الطباعة. ويعود الفضل في ظهور أول وثيقة مطبوعة في أوروبا إلى العام 1452 م حين استطاع غوتنبرغ أن يطور الطباعة. وخلال السنوات اللاحقة انتقلت هذه الصناعة من طباعة الكتب الدينية إلى طباعة الكتب التي يحتجاها عامة الناس.
وشهدت الفترة التي تلت غوتنبرغ تطور هذه الصناعة بشكل كبير ونمواً هائلاً في عدد وعنوين الكتب المطبوعة.
وكان ظهور الجماعات في أوروبا خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر قد ازداد من ضغط على الوراقين وكان السبب المباشر الذي دفع غوتنبرغ إلى اختراع الطباعة، كما يعتقدون الكثيرون. في حين أسهمت الأحداث الدينية التي شهدتها أوروبا خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وظهور الكتب ذات الأغلفة الورقية الرخيصة نسبياً، وتأسيس نوادي الكتب، وتطورت خدمات الإعارة في المكتبات العامة في تزايد عدد العناوين المطبوعة من الكتب وتزايد أعداد الكتب المطبوعة في كل عنوان في الوقت نفسه. وقد أدى ذلك كله إلى تحويل الكتاب إلى وسيلة إعلامية بدلاً من كونه أداة تستخدم في الحاجات الدينية فحسب.
قد مرت الطباعة بثلاثة أنواع متتالية وهي:
1- الطباعة البارزة: وتتضح من تأملنا للخطوط الواضحة في طرف الأصبع، فإذا مررنا بسن القلم خفيفاً عليه، وضغطناه بعدئذ على قطعة من الورق، لوجدنا شكل بصمة الإصبع قد نطبع عليها.
2- الطباعة الغائرة: وهي عكس السابقة تماماً. فالحبر يوجد منخفضاً في قنوات تمثل الكتابة أو الصورة المطلوبة، ويحدث الطبع بأن يكشط الحبر السائل الزائد من فوق السطح الذي يمثل الأجزاء غير الطباعية، ثم يضغط الورق فينتقل الحبر السائل إليه من القنوات الممثلة للرسم.
3- الطباعة المستوية: وهنا تستوي أجزاء الرسم مع أرضية الحرف تماماً، فتمر عليها أسطوانات الحبر ومع ذلك تلتقطها. وتتبنى هذه الطريقة نظرية تنافر المواد الدهنية. فالأرضية النظيفة المرطبة بالماء التي لا تقبل الحبر بينما تلتقطه أجزاء الرسم الذهنية. وكانت هذه الطريقة من أهم الطرق الشائعة آنذاك، وقد فتحت الطباعة طريق أمام الكتاب للتقدم في اتجاهين حيث:
أصبح من الممكن أن ينتقل أو ينسخ أصل طويل بسرعة وسهولة بعد ظهور صناعة استخراج عدة نسخ بالطباعة من الكتاب الواحد، فقط أحدثت الطباعة ثورة كبيرة في عالم الكتب.
أصبح من الممكن أن تنقل أعداد من هذه النسخ إلى أي مكان، أو بعبارة أخرى أصبحت الكلمة المكتوبة تنقل بأعداد كبيرة وتنشر بسرعة عجيبة، وهكذا تغيرت الصورة تغيراً شاملاً، فبعد أن كان الكتاب الذي كان في الأزمنة القديمة ويظهر في نسخة واحدة، تغيرت الأحوال فأصبح اليوم أمراً عادياً أن تُطبع آلاف وملايين النسخ من الكتاب في طبعة واحدة، وقد صاحب ذلك قيام صناعة جديدة هي صناعة النشر. هذا التغيير الكبير الذي طرأ على نشر الكتاب قد بلغ أبعاداً تسمح بأن يوصف هذا الذي حدث بأنه ثورة في صناعة النشر.
وفي هذا المجال لابد أن نذكر التقدم الكبير في وسائل الإنتاج وطرق التوزيع المتزايدة من القراء، وهكذا يواجه الكتاب عملية تغيير كبيرة ليصبح وسيلة من أهم وسائل الإعلام في عصرنا، ولا جدال في أن الكتب أصبحت اليوم أسهل وأكثر الطرق فعالية في نشر الفكر والمعلومات على اختلاف أنواعها، ذلك لأن الكلمة المكتوبة أصبحت تنقل بعدد كبير وبسرعة مذهلة. وفكرة الانتشار هذه تعتبر المفتاح الذي يوجهنا ويقودنا في متابعة كل ما يتعلق بالكتاب، بل هي المحور الأساسي الذي تنبني حوله أي دراسة لتطوير الكتاب. ويمكننا بواسطة الكتاب أن نتفهم مشاكل العصر الحالي في مجال الخلق والإبداع الفكري والنشر والتوزيع والقراءة والكتابة.
وثمة حقيقة لابد من تأكيدها في مستهل هذا الكلام ، وهي أنه على الرغم من تعدد وسائل نقل المعرفة ونشر الثقافة في هذا العصر، بفضل التقدم والتقنية الحديثة في أن الكتاب يبقى هو الأداة الأساسية الثابتة للتعلّم والوسيلة الرئيسية الوطيدة للتثقيف، غير أن واقع الحياة المعاصرة يؤكد في الوقت نفسه وتعاظم ظاهرة جديدة وقوية في هذا المجال ، وهي أن الكتاب لم يعد وحده وسيلة التعليم والتثقيف; فقد استطاعت التقنية الحديثة وعلى نحو باهر ابتداع وسائل جديدة ذات قدرة هائلة على نقل الأفكار ونشر المعارف ، ونعني بها وسائل الإعلام الأخرى ، وهذه الوسائل المختلفة إنما تقوم بمهمتها هذه معتمدة على الكلمة المسموعة أو الصورة المرئية أو كلتيهما معاً ، وهي بذلك تشارك الكلمة المكتوبة في مهمتها المؤداة عادة من خلال الكتاب أو المجلة أو الجريدة .
المراجع:
1. محمد، محمد سيد، صناعة الكتاب ونشره: القاهرة، دار المعارف، 1988.
2. سميث، داتيس. س، صناعة الكتاب من المؤلف إلى الناشر، القاهرة.
3. الصوفي، عبد اللطيف، لمحات من تاريخ الكتاب والمكتبات: دمشق، دار طلاس ،1987.
4. موفاكو، محمد، الكتابة والكتاب والمكتبات لدى الحضارات القديمة في الشرق الأوسط: مجلة التراث العربي، العدد 31 ،1988. ص ص 129.
5. دال، سفند، تاريخ الكتاب من أقدم العصور إلى الوقت الحاضر: القاهرة، المؤسسة القومية للنشر .1958.
6. نوفل، يوسف حسن، المكتبة العربية وصناعة الكتاب، القاهرة 1997.
7. الجبوري، يحيى وهيب، الكتاب في الحضارة السلامية: بيروت دار الغرب الإسلامي ،1998.
8. بيدسن، يوهنس ، الكتاب العربي منذ نشأته حتى عصر الطباعة: دمشق، الأهالي ، 1989.
9. النملة، على بن إبراهيم، الوراقة وأشهر أعلام الوراقين: الرياض، مكتبة الملك فهد الوطنية، 1995.
10. رزوقى، نعيمة حسن، النقل المعرفي بين الكتاب والإنترنت: الرياض، المؤلف. ص 65- 70.

