تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

نحو مكتبة رقمية وطنية: المكتبة العامة الرقمية الأمريكية نموذجاً

نحو مكتبة رقمية وطنية: المكتبة العامة الرقمية الأمريكية نموذجاً

تاليف مايكل بالمينو *

ترجمة د. عبد الرحمن فراج **


يزداد عدد المصادر الرقمية عاماً بعد عام، وتشمل هذه المصادر: الكتب، ومقالات الدوريات، والمخطوطات، والصور، وغيرها. وتنتشر هذه المصادر بالطبع في عديد من المؤسسات. إلا أنه بينما توجد بين ظهرانينا الآن العديد من المكتبات الوطنية ومكتبات الولايات التي تعمل على فهرسة المصادر الورقية وإعارتها وحفظها، إلا أنه لا يوجد نظير لتلك المكتبات في العالم الرقمي. 

ويمكننا الإشارة في هذا الصدد، إلى المكتبة العامة الرقمية الأمريكية (دبلا) Digital التي تعمل من نشأتها عام ٢٠١٣ على الربط بين المستودعات التي تستضيف المحتوى الرقمي للمستفيدين المحتملين منه.

ويمكن النظر بدّلك إلى المكتبة بوصفها محركا للبحث: حيث تعمل في الأساس على تجميع الميتاداتا من المظان المختلفة، وتوفير واجهة موحدة للبحث فيها. وعلى ذلك يمكن لأحد طلاب ولاية ميسيسيبي الاطلاع على الصور المرقمنة من قبل جمعية تاريخية صغيرة في واشنطن, دون الحاجة إلى معرفة ماهية تلك الجمعية. وهكذا يمكن القول إن تلك المكتبة تعمل بمثابة مكتبة رقمية وطنية.

تاريخ المكتبة العامة الرقمية الأمريكية (دبلا), وبنيتها الأساس

بالرغم من أن المفهوم نفسه يعود لسنوات طويلة مضت، إلى أن تخطيط تلك المكتبة الرقمية لم يبدأ بالفعل إلا عام ٢٠١٣. ففي أكتوبر من ذلك العام، اجتمعت أربعون شخصية بارزة من عالم المكتبات والمؤسسات الأكاديمية والتقنية في كامبردج بولاية ماساتشوستس، وكانت الرؤية آنذاك أن تكون المكتبة شبكة شاملة من المصادر المستمدة من جميع أنحاء البلاد. وبمزيد من الدعم من قبل جامعة هارفارد, ومؤسسة ألفرد بي سلون (٢)، أصبح الحلم حقيقة واقعة. 

وتختلف البنية الأساس لتلك المكتبة الرقمية بطبيعة الأمور عن المكتبة التقليدية. فعوضّا عن اختزان جميع المصادر في موقع مركزي واحد، تنبني (دبلا) على شراكة مع مؤسسات عديدة مختلفة, وتعمل بعض هذه المؤسسات بوصفها "مراكز خدمة" service hubs لجمع الميتاداتا من المؤسسات الأخرى الأصغر منها، وتمريرها للمكتبة الرقمية الوطنية. وبحلول أبريل ٢.١٥، كان هناك ١٣ «مركز خدمة» بما في ذلك المكتبة الرقمية لولاية جورجيا، والشبكة الرقمية للإمباير ستيت، والمكتبة الرقمية لولاية ساوث كارولينا.

فضلا عن ذلك، هناك ما يسمى ب»مراكز المحتوى» content hubs وهي تلك المؤسسات الكبرى - مثل جامعة هارفارد، والمكتبة العامة لولاية نيويورك، ومتحف سميثسونيان ٢) - والتي تسهم معًا بما يزيد عن .٢٠٠.٠٠ تسجيلة. وخلافًا لمراكز الخدمة، لا تهدف «مراكز المحتوى» إلى جمع الميتاداتا من المؤسسات الأخرى، وإنما تقوم بتوفير الميتاداتا الخاصة بمجموعاتها. واعتبارًا من عام ٢.١٥، كان هناك ١٦ مركزًا للمحتوى في هذا المشروع.

أهداف المكتبة العامة الرقمية الأمريكية (دبلا)

تعمل المكتبة الرقمية (دبلا) على تحقيق عدد من الأهداف، لعل على رأسها توسيع نطاق شبكة «مراكز الخدمة» لتشمل الولايات المتحدة بأكملها. وعند حدوث ذلك, فإن تلك المكتبة الرقمية ستصبح قادرة على تحقيق الطموح في أن تصبح بالفعل مكتبة رقمية وطنية. إضافة إلى ذلك، تعمل (دبلا) على تنويع مجموعاتها، ومن ثم محاولة التيقن من أن جميع المناطق الجغرافية، والفترات الزمنية، وأنماط المحتوى, ممثلة في المشروع على حد سواء.

وفي نفس الوقت، تسعى تلك المكتبة الرقمية إلى زيادة استخدام المنصات الخاصة بالمؤسسات التابعة لها. ذلك أن توفير الوصول لجميع تراثنا الثقافي المرقمن لا يجدي كثيرًا إذا لم يطلع عليه أحد, لذا يعد برنامج الممثل المجتمعي community rep program أحد الجهود الرامية لزيادة الوعي بتلك المنصات. كما تعد تلك المنصات بمثابة قوة مضاعفة في المشروع، حيث تدفع إلى نشر اسم المشروع في جميع أرجاء البلاد بطرق لا يمكن لموظفي تلك المؤسسات المشاركة القيام بها بمفردهم.

وبالمثل، فإن المؤتمر السنوي الموسوم بـ (دبلافست)  DAPLAfest (٤) الذي ترعاه تلك المكتبة الرقمية سيبدأ في التجوال في جميع أنحاء البلاد مما يسمح للمستفيدين من المناطق المختلفة بالتفاعل مع ممثلي (دبلا) وموظفيها عند استعراضهم لإنجازات المشروع.

وقبل كل شيء، فإن التركيا سيكون على التعليم، ولذا تعتزم خطط المكتبة الرقمية (دبلا) فعل كل شيء ممكن لمزيد من الإلمام باحتياجات المعلمين وكيفية إفادتهم من المجموعات ذات الصلة. ولمزيد من تيسير زيادة الاستخدام، تدرس (دبلا) توسيع المعارض المنظمة، واحتمالية إضافة صفحات المحتوى وفقًا لأسلوب المستكشف pathfinder style وذلك لتيسير الوصول لمصادر المعلومات ذات الصلة داخل المجموعات. وستعمل هذه الجهود، جنبًا إلى جنب المصادر التي تتمتع بالإفادة الفعلية من الناحية التعليمية، على زيادة قيمة تلك المصادر للمعلمين وغيرهم من المربين.

المكتبة العامة الرقمية الأمريكية (دبلا) في ولاية ميسيسيبي

 وسوف يتساءل الكثيرون بالطبع عن مدى صلة ما سبق بولاية ميسيسيبي. ذلك أنه لا توجد حاليًا لا مركزًا للخدمة ولا مركزًا للمحتوى داخل الولاية، ومن ثم فإن كم المصادر ذات الصلة بميسيسيبي يعد قليلاً للغاية في الوقت الراهن. وللأسف فإنه لا يمكن فعل الكثير على المدى القصير لتصحيح هذا الوضع، حيث أن إنشاء مركز خدمة جديد يتطلب كثيرًا من التخطيط والجهود، فضلاً عن أن عملية الإنشاء هذه تعد مستقلة تمامًا عن الثقافة المعلوماتية التي يقوم بها المختصون في التجمع المعلوماتي.

والحقيقة أن أحد أبرز مكامن القوة التي تتمتع بها المكتبة الرقمية (دبلا)، يتمثل في شبكة الاتصالات التي أقامتها مع المناطق المختلفة في البلاد. ولذا فإنه بينما يعد التوصل إلى المصادر ذات الصلة بميسيسيبي صعبًا بحال، فإن الأمر ليس كذلك بالنسبة لبقية المصادر الغزيرة التي تمثل تاريخ الولايات المتحدة. وعلى ذلك, فإن أي طالب في المرحلة الثانوية (٥) يمكنه التوصل إلى المصادر المقتناة بالمؤسسات المشاركة في المشروع في جميع أنحاء الولايات المتحدة؛ وهو ما يعني أن جميع المستفيدين يمكنهم الوصول إلى ذلك الكنز الدفين من خلال واجهة بحث تلك المكتبة الرقمية.

وإضافة إلى ذلك, فإنه نتيجة للشراكة مع المكتبات والأرشيفات والمتاحف, فإن النتائج التي يقوم المستفيد باسترجاعها من (دبلا) من المحتمل أن تكون أكثر دقة من نظيرتها المسترجعة من محركات البحث مثل جوجل. كما أنه يمكن القول، من بعض الطرق، إن تلك المكتبة الرقمية شبيهة ببعض مراصد البيانات التي تقوم على الاشتراكات التجارية والتي يعمل على توفيرها المتعهدون مثل إبسكو أو التي تقوم بتقديمها بعض المؤسسات مثل AC) «هيريست»  HathiTrust (١). وربما يكمن الفرق الرئيس هنا في أن (دبلا) توفر الوصول إلى مصادر المعلومات المتاحة بالمجان في مجموعة واسعة من أشكال الاختزان.

الخلاصة

كثيرة هي الإمكانات التي تتمتع بها المكتبة العامة الرقمية الأمريكية (دبلا). فهذه المكتبة تعد نموذجًا للامركزية في عمل المؤسسات: فهي تربط المؤسسات المختلفة فيما بين بعضها البعض بحيث تمثل هي النقطة التي يمكن فيها للمستفيد الولوج إلى مجموعات المكتبة. والحقيقة أنها - حتى الآن - لا تعد نمطًا من أنماط المكتبات، وإنما خدمة تجميعية أكثر دقة وإحكامًا من محركات البحث وبديلاً مجانيًا عن مراصد البيانات ذات الاشتراكات التجارية. وصحيح أن نطاقها لم يعد بعد عالميًا بما يطابق رؤيتها المعلنة، إلا أن الإفادة المتزايدة لها يوميًا من قبل الطلاب والمعلمين واختصاصيي المكتبات سوف يشجع - أكثر من أي وقت مضى - حركة المرور إليها، مما يدفع بطبيعة الأمور إلى مزيد من التطوير. وهكذا، فإننا يمكننا جميعًا أن نلعب دورًا ما في بناء تلك المكتبة الرقمية الجليلة لأمريكا.


(*) Paulmeno, Michael. Digital Public Library of America: Building a National Digital Library..8-7 .Pp .2 .No ,78 .Mississippi Libraries.Vol

(*) اختصاصي الخدمات الإلكترونية – إدارة النظم – مكتبة روبرت لافورج – جامعة ولاية دلتا

(**) قسم علوم المعلومات – جامعة بني سويف


تعليقات المترجم

(Endnotes)

  1. المكتبة العامة الرقمية الأمريكية (دبلا)، متاحة على الرابط: https://dp.la

  2. إحدى مؤسسات التمويل الأمريكية، والتي تقوم بتقديم المنح لدعم البحوث الأصلية والمشروعات التعليمية المتعلقة بالعلوم والتقنية والأداء الاقتصادي؛ وتحسين نوعية الحياة الأميركية. رابط المؤسسة على الإنترنت: http://www.sloan.org

  3. يعد متحف سميثسونيان Smithsonian أحد أكبر المتاحف في العالم، وهو في الحقيقة مجمع تعليمي وبحثي يشتمل على 19 متحفا ومعرضا، إضافة إلى حديقة الحيوان الوطنية، و9 مرافق بحثية.

  4. بدأت سلسة من المؤتمرات وورش العمل تحت هذا الاسم عام 2013 في ولاية بوسطون. أنظر موقع السلسلة على الرابط: -http://dp.la/info/getinvolved/dplafest

  5. يشبه الاهتمام بالطلاب هنا، ما قام به مشروع «بنك المعرفة المصري» Egyptian Knowledge Bank بإتاحة مصادره وفق ً ا لأربع فئات هي عموم القراء، والباحثين، والطلاب، والأطفال. أنظر: .http://www.ekb.eg/register

  6. «هيريست» HathiTrust مستودع رقمي يهدف إلى الحفظ طويل المدى وتوفير خدمات الوصول لمصادر النطاق العام والمحتوى المحمي بحقوق التأليف وذلك من مجموعة مختلفة من المظان مثل جوجل، وأرشيف الإنترنت، وبعض مبادرات المعلومات المحلية. المستودع متاح على الرابط: .https://wwwhathitrust.org

نحو مكتبة رقمية وطنية: المكتبة العامة الرقمية الأمريكية نموذجاً
Ehsan Logo