تركز على الحلم والكتابة والطفولة .. هدى الدغفق في ديوانها:" بلا طيره ألمي "
عبدالله السمطي
هل للألم طير؟
إن الشعور بالفقدان والانكسار وتواتر الجراح على الذات يُشعر بألم عرم، تتكسر فيه النصال على النصال ، بحسب تعبير أبي الطيب المتنبي الموجع، فهل يطيرُ الألم؟
هل يصبح له أجنحة؟ وأين يطيرُ ؟ وكيف؟ وإذا طار وحطّ بعيدًا في الأقاصي هلى يمكن نسيانه أم أن يعود تارة بعد أخرى؟
إن الشعر – بوصفه فنا متجاوزًا لما هو منطقي، وصانعًا لحيواته وصلواته الخاصة عبر اللغة – يتسنى له أن يجعل للألم طيرًا، وأن يجعله يحلق إما في سموات الحواس أو فضاءات الروح. للألم طير. والطير له أدبياته ومجازاته في الموروث الديني والأسطوري والشعري والنثري العربي والإسلامي.
للطير حضوره الملهم، وفي الأساطير يقوم طائر الفينيق بعد احتراقه، وفي الموروث العربي تحضر العنقاء وتقوم من رمادها.
هكذا هو منطق الطير أو هذا هو مشهد حضوره، وكثيرا ما شبه به أو استعير أو دخل في حالة رمزية متكررة في الشعر والنثر .
وهو في الموروث الشعبي أكثر جلاء وانتشارا. وفي ديوانها:" بلا طيره ألمي، دار نينوى للدراسات والنشر ، الذي يضم (37) نصًّا ويقع في (72) صفحة قطع متوسط .
تنفي الشاعرة حضور الطير مع الألم، لكنه نفي مؤقت، فالألم ينقرُ كما الطيرُ، والألم لا يذهب بعيدا، بل يتجدد، الألم عنوان للروح ، وليس بالضرورة يكون ألما حسيا ناجما عن جراح قد تطيب وتُشفى، لكنه ألم الروح، وألم الكتابة، وألم لمخيلة.
بحرف وثلاث كلمات تستهل الشاعرة هدى الدغفق ديوانها بنص موجز تماما في عنوان مثير من وجهة دلالية وله بعده المؤسطر هو :" تناسخ" ، اختيار العنوان لا يتأتى عبثا. اختيار العنوان جزء من النص، ومن هنا فإن الشاعرة حين تُسمي بهذه الكلمة الدالة المشحونة بأسطرتها فإنها تشير إلى أفق كبير، بغض النظر عن وجازة الكلمات وكثافتها. هي جملة شعرية موزعة على أسطر أربعة تقول:
أليفة
لا ...
... تملني
...غربتي
الغربة هنا أليفة، ألفت الذات الشاعرة وسكنتها. الغربة لا تكتفي بهذه الألفة بل تتناسخ وتتوالد، في فعل مشترك بين الذات الشاعرة والغربة. لذا فإن تسمية النص ب:" تناسخ" هي تسمية دالة إذا استدعينا معنى التناسخ في بعض الرؤى الأرضية الأسطورية التي تجعل الأرواح لا تختفي ولا تذهب، أو تصعد لبارئها بل تتناسخ من روح إلى روح، ومن جسد إلى جسد. والجسدان المجازيان هنا اللذان تقدمهما الشاعرة كأمثولة شعرية هما: الذات الشاعرة والغربة.
أصبحت الغربة أكثر اعتيادا وألفة، وهي ليست غربة سفر على اليقين، لكنها غربة مكان وزمان، وغربة عصر، وغربة روح وغربة كلمة.
هكذا تقلنا الشاعرة إلى هذا الأفق المغترب في نص موجز جدا، توزعه الشاعرة بصريا، وتترك مساحات لتلقي القارئ من جهة أو لأن يضيف من وعيه من جهة ثانية.
النص القصير الموجز المكثف هو أحد الأشكال الشعرية التي تكتب بشكل مسنون ، وتكتب برؤية فلاشية برقية وامضة متجددة، تحمل الكثير من الدلالات في كلمات قليلة .
فما هي دلالة أن نكتب نصًّا بهذه الرؤية المكثفة جدا؟
إن الشعر ابن البوح، وابن الإضافة والإطناب الجميل، والقارئ العربي يتوقع أن تكون القصيدة أو النص الشعر عبارة عن فيوض متواتر من الكلمات، وهو ما اعتاد عليه وعلى قراءته سواء في المناهج المدرسية والجامعية أم في الحياة العامة.
الشعرُ ابن التدفق والبوح والكلام والموسيقى والإيقاع، والثرثرة الجمالية – إذا صح التعبير – وإذا مضى إلى كثافته وتجريده واختزاله فإنه يعوض القارئ بطائفة من الصور والمشاهد المكثفة والتعبيرات الأكثر عمقا.
من الأخيرة تنطلق الشاعرة من التعبيرات الأكثر عمقا، بالاستغناء عن الجملة الشعرية وإضاءة الكلمات.
طاقة الكلمات:
تضيء الشاعرة الكلمة لا الجملة فحسب، الكلمة حين تصبح موضع تركيز تشع أكثر. الكلمة بفرادتها ووجودها متألقة وحدها في سطر خاص بها يجعلها أكثر اكتنازًا بالدلالات والمعاني، ويجعلها صانعة لسياق بمفردها، فيما تشعُّ طاقاتها المكنوزة بها، فضلا عن إشعاعها فيما يسبقها أو يليها من كلمات.
إن عناية الشاعرة بالكلمة جعلتها تعتني فيما حول الكلمة، بالشكل الطباعي للصفحة، بالتوزيع الحروفي للكلمات، بعلامات الترقيم، بحجم البنط، كأن الشاعرة لا توقّع الكلمة في بعدها الصوتي الموسيقي فحسب، ولكن توقّعها ببعدها التشكيلي، والشاعرة من المفتونات بالموسيقى والتشكيل كما تروى في كتابها:" أشق البرقع .. أرى " .
ويبدأ التشكيل بالكلمة عند هدى الدغفق في ديوانها:" بلا طيره ألمي " من العنوان على غلاف الديوان ، وتقطيع كلمة : " أل .. م .. ي " الذي يجعل الكلمة تتمدد أفقيا أكثر، وتترك مسافة بين حرف وآخر، كأنها كناية بصرية عن شدة الألم، وتأثيره.
مع كل كلمة تتوارد نحن نصغي لصوت الشاعرة المخبوء، فيما نصغي لبوحها الدال، لأن هذه الكلمات – وفق هذه الطريقة المكثفة – لم تكتب إلا بنزق، وقهر، وتأمل، وربما فرح بالعالم. اللجوء للكلمات لجوء للمخيلة والتأمل ومفارقة الواقع، ومن هنا تفرح الذات وتبتهج بنشوة الكلمات ولذة القصيدة، فتحلق أعلى وأبعد .
وتتشكل النصوص في ديوان:" بلا طيره ألمي" في عدة آفاق دالة تتمثل في: الحزن، والغربة، والتمرد، والكتابة، والطفولة، وتجليات الزمن، والحلم.
وتكتب الشاعرة عن غربتها واغترابها. الغربة الروحية هي الأقسى، حينما تكون في وطنك وتغترب، تشعرُ أنك في عزلة اختيارية أو إجبارية، تشعر أن الجهات بمثابة حصار يومي. أن اللحظة تكاد تختنق في تنفسها، بيد أن الوعي الطليق يقاوم غربته بالكلمات.
هكذا ترد الإشارة إلى الغربة في نصوص ديوان:" بلا طيره ألمي" في أكثر من موضع، يمكن اقتطاف هذه الإشارات كالتالي:
1- تناسخ:
أليفة
لا
تملني
غربتي . / ص 5
2- من : عباءة أمضي:
غرفتي
الصغيرة
أيضا
إلى أي غربة
أرحل؟!
يدي ذابلة.
في الشعر لا تُقاس المفردات بحضورها المعنويّ فقط، ولا بالبحث عن مترادفاتها فيعبر الحزن عن الحزن أو الفرح عن الفرح، أو الحلم عن الحلم، فالكلمات في الشعر غيرها خارج الشعر، تحضر الكلمات في النص الشعري بكل محمولاتها الدلالية والمعنوية والإيقاعية والبصرية والصوتية والنحوية والزمنية والرمزية المترادفة والمتضادة معا، فهي غير أن كونها تقود إلى معنى أو صورة أو مجاز أو تعبير جمالي، هي أيضا شكل فني مكتوب ومرسوم، وهي أيضا صوت وإيقاع، وهي تعبير نحوي فاعل، وهي طاقة رمزية تتفتح على أبعاد خصيبة ودالة.
من هنا لا نستغرب حين يومئ النص، ولا نعجب حين يقلنا إلى حقوله الرمزية البعيدة أو القريبة، ولا ندهش حين نقع على صورة مباغتة، أو قطع للسياق، أو وجود ثغرات لا يستسيغها منطق الكلام بين مفردة ومفردة وبين جملة وجملة. الشعر حالة خاصة وكيفية فنية لها تجلياتها الجمالية في التعامل مع الذات واللغة والواقع والعالم والمطلق عبر خيال حيوي متحرك.
وحين تقلنا الشاعرة هدى الدغفق إلى نصوصها المركزة إنما تقلنا إلى أعمال فنية تخييلية جمالية لها دلالاتها وإصاتاتها وتركيباتها، لكنها أعمال تطلعُ من ذات ما، ومن مكان وزمان، ومن بيئة واقعية أو غير واقعية. الشاعرة هنا لا تكتب عن تجربتها فحسب، وإنما تكتب ب" تجربتها" وترى العالم من خلالها .

