ما يزال شاهدًا على انتصار المسلمين على بيزنطة.. جامع أيا صوفيا : أربع مآذن وقباب تاريخية تعبر عن المدلول الروحي للإسلام
قبل ما يقرب من ستة قرون حدث الفتح الكبير على يد القائد محمد الفاتح للقسطنطينية التي استعصت على كل الفتوحات الإسلامية السابقة عليه قبل العام 1453م ، ومع هذا الفتح كان جامع أيا صوفيا المتميز بطرازه المعماري هو واحة النور التي استظل بها المسلمون وشكلت وعيهم الديني هناك حتى اليوم ، حيث الجامع الكبير بمآذنه وقبابه ، حيث يصفه الباحث المعماري د. عفيف بهنسي بالقول: تشكل اللوحات الست الضخمة الدائرية التي تحمل اسم الله ومحمد والخلفاء الراشدين ، هذه اللوحات الست كانت الأثاث الروحي الذي حوّل البناء إلى مسجد ، وما زالت شاهدًا على انتصار الإسلام على بيزنطة، وكانت المآذن السامقة المضافة تعبيرا عن مجد الله في السماء.
أصل الجامع:
جامع أيا صوفيا كان في الأصل كاتدرائية ، بُنيت في عهد الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول بين عامي 522 و 527م وقد شارك في تصميمها وهندسة بنائها عدد من كبار المهندسين المعماريين الذين تم استدعاؤهم من روما والإسكندرية.
وعندما فتحت القسطنطينية على يد القائد محمد الفاتح حوّلت الكاتدرائية إلى مسجد وكان ذلك عام 857هـ / 1453م بعد أن أدخلت إصلاحات وترميمات على بعض أجزائها المتهالكة ، خاصة قبتها الشهيرة والأبواب.
والمسجد عبارة عن مبنى كبير طوله 269 قدما وعرضه 243 قدما، وفي داخله 170 عمودا من الحجر السماقي والرخام، بحسب وصف المؤرخ سليمان جاويش، وللمسجد أربع مآذن، وقبة مركزية تعلو عن سطح الأرض 56 مترا وقطرها 31 مترا بالإضافة إلى قباب وأقواس صغيرة.
وتذكر روايات مؤرخين مسلمين عاصروا حدث الفتح، مثل المؤرخ عاشق باشا وآق شمس الدين وطورسون بك وآخرين، أنه عندما سار محمد الفاتح إلى كاتدرائيَّة آيا صوفيا حيثُ تجمَّع خلقٌ كثيرٌ من النَّاس فأمَّنهم على حياتهم ومُمتلكاتهم وحُرِّيتهم، وطلب منهم العودة إلى بيوتهم. بعد ذلك توجَّه إلى الكاتدرائيَّة وأمر برفع الآذان فيها، وأدّى صلاة العصر داخلها إيذانًا بجعلها مسجدًا جامعًا للمُسلمين، وهناك جدل وروايات مختلفة حول ما إذا كان السلطان محمد الفاتح قد اشترى آيا صوفيا وأوقفها مسجدًا أو أنه قد حولها مسجدًا بحكم أنه السُلطان والحاكم الفعلي للمدينة التي جرى فتحها قِتالا وليس صُلحا.
جماليات أيا صوفيا:
أدرجت منظمة اليونيسكو عام 1985 جامع أيا صوفيا ضمن قائمتها لمواقع التراث العالمية، ووُصف بالأعجوبة الثامنة في العالم بقبته المميزة التي بلغ قطرها 31 مترا.
و"جامع آيا صوفيا" أحد أهم المعالم الأثرية في مدينة إسطنبول التركية، يجمع بين العمارة البيزنطية والعثمانية والزخارف المسيحية والإسلامية، ويعد أول كنيسة بُنيت بقباب في تاريخ المسيحية. إبان "فتح القسطنطينية" عام 1453 حُوّلت الكنيسة إلى مسجد، وبعد الانتقال إلى النظام الجمهوري في تركيا، صار المسجد متحفا وبقي كذلك 85 عاما، إلى أن عاد مسجدا عام 2020.
يقع جامع آيا صوفيا في القسم الأوروبي من مدينة إسطنبول، في منطقة السلطان أحمد، على مقربة من سوق بيازيد المعروف أيضا باسم "غراند بازار" وحديقة غولهانة الشهيرة ومنطقة "إمينونو" السياحية.
ويطل على ميناء القرن الذهبي ومدخل البوسفور، وإلى جانبه يقع قصر "طوبقاي سراي"، وإلى الجنوب منه يوجد مسجد السلطان أحمد، المعروف بـ"الجامع الأزرق"، وبالقرب منه مسجد سليمانية ومسجد شاه زاده محمد والأسوار التاريخية.
في العمارة الإسلامية، تُمثل القبة السماء ووحدانية الله. ولذلك، تُنقش آيات من القرآن الكريم تتحدث عن التوحيد والسماء والشمس والنجوم والنور على القباب. فعلى قبة مسجد آيا صوفيا، نُقشت الآية الكريمة التالية: "اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ... الآية (سورة النور)
ويتضمن الجامع عدة أبواب منها : الباب الامبراطوري، وهو أكبر أبواب أيا صوفيا ويعود للقرن السادس الميلادي، يبلغ ارتفاعه سبعة أمتار، وله إطار برونزي مصنوع من خشب البلوط، وباب جميل، ويقع هذا الباب البرونزي عند مدخل الرواق الداخلي، ويعود تاريخه إلى القرن الثاني قبل الميلاد، وقد نُقل إلى آيا صوفيا، وهو أقدم عنصر معماري في المسجد ، وهو مزين برموز وزخارف نباتية وهندسية بارزة متنوعة، وباب رخامي يفصل الرواق الجنوبي، عن الرواق الغربي، واليوم، تُعد الألواح الموجودة في الرواق الخارجي نسخًا طبق الأصل من الألواح الأصلية.
والجامع حافل بالزخارف الإسلامية والفسيفساء والأرابيسك والرخام، وتنتشر اللوحات والجداريات الإسلامية المعززة بالآيات القرآنية في مختلف جوانبه.
إشارات:
· د. عفيف بهنسي: المدلولات الروحية في عمارة المساجد ، مجلة عالم الفكر، العدد 2المجلد 51 – ديسمبر 2002
· حسني عبدالحافظ: المآذن والقباب التاريخية في المساجد الكبرى بمدينة إسطنبول التركية، مجلة: ىفاق الثقافة والتراث، العدد 74 – يوليو 2011
· https://ar.wikipedia.org/wiki/
· https://muze.gen.tr/muze-detay/ayasofya


