الجوائز الأدبية: ما لها وما عليها..
د. نورا مرعي - لبنان
تعي الأممُ الواعيةُ أهمّيةً تكريمِ المبدعين من أبنائها في المصر الحديثِ، وقد وعَتِ الأمّةُ الإسلاميةُ هذا الأمرّ منذُ نشأتِها وتكوينها، فنحنُ نقرأ في كتاب الله عزّ وجل ( إنّا لا نضيع أجر مَنْ أحسن عملا). إذ سعى الحكامُ والأمراءُ إلى تقدير مكانةِ العلماءِ والأدباءِ على السّواء.
فنجدُ في بلاطِ المأمونِ جمهرةً عظيمة من رجالِ العلمِ والأدبِ والشعر، وقد شملَهم جميعًا بعنايةٍ جيّدةٍ. هذه الظّاهرةُ كانتْ منتشرة في عهدِ الدولةِ العباسيّةِ في قصورِ الخلفاءِ والأمراءِ، بدأَها هارون الرّشيد وتابَعها المعتضد بالله الذي كانّ يُكَثِرُ من مجالسةِ العلماءِ وأصحابٍ المواهب والكفاءاتِ، كما كان يقدّمُ لهم كثيرًا من الهدايا والمنح إذا، لم تكنِ الجوائزُ العلميةُ والأدبيةُ من ظواهرِ عصرنا، إنْما كانتُ معروفة في العصورِ المختلفةِ، وتهدف إلى رعايةِ العلمِ والثقافةِ والإبداعِ غيرَ أنْ الّذي حدثَ هو تحوّل الجوائزِ من شكلِ الهّبةِ الفرديةِ الَتِي يُمَنحُها الخليفةُ إلى الشكلِ المؤسسيِّ الذي ترعَاهُ هيئةً ما أو الدولةُ. ونلاحظُ تزايدّ المؤسساتِ في رعايةِ الفكر والإبداعِ، مثلما نلاحظ تعاظم القيمةِ المعنويةِ للجوائز عمًا كانتْ عليه، إذ تعد الجوائزُ شكلاً من أشكالِ التكريم للكاتب ماديًا ومعنويا، وتمثل اعترافًا بقيمة الإبداع، وتساعدُ على تحفيزِ المؤلفِ وتشجيعِهِ على الخلق والابتكار، وبذل المزيدِ من العطاءِ. والسّؤال الذي يطرحُ نفسَهُ، لماذا كل هذا الاهتمامِ بالجوائزِ الأدبيّةِ؟ وهل الجائزة تحدّدُ درجة إبداع الكاتب وتوصلُهُ إلى العالمية خصوصًا مع تعاظمِ عددِ الجوائزِ إذ صارّ يفوق عددُها عددَ المؤلفين؟ (١)
اللّافتُ للنّظرِ أنْنا نعيش عصرَ الجوائزِ الأدبيةِ، وفي كلُّ عامٍ، يتهافَتْ النّاسُ إلى معرفةٍ اسم الرّوايةِ الفائزة بجائزةٍ من الجوائز المحلية أو العالميةِ. وقد تنبّهَتْ أوروبا أو العالمُ المتقدّمُ لإعطاءِ العلماءِ بعض حقوقِهم على شكلٍ جوائز، ومن أشهرها جائزة نوبل المعروفة والتي سنتكلمُ عليها لاحقا.
يعودُ اهتمامُ النّاسِ بالجوائزِ الأدبيّةِ إلى أسباب عديدةٍ، منها:
أَنَّ البشرَ مخلوقاتٌ شهرياريَّةٌ إنْ صحَّ القول يعشقون الرّوايةَ والقصصّ الطّويلةَ، وتعدُّ الرّوايةُ الفنَ الأوّل في القرنِ العشرين، لذا فقد ازدهرَتْ كثيرًا وبشكلٍ ملحوظٍ بعدَ ازدهارِ صناعةِ الكتابِ من ناحيةٍ، والإبداع من ناحيةٍ أخرى. ووسطَ هذا الكمِّ، يتعذّرُ على القارئ أن يقرأ هذا العدد، لذا يلجأ إلى الرّواياتِ المرشحةِ للفوز أو الرّواياتِ التي كَتِبَ عنها نقدُ بنّاءُ ونُشِرَ في الصّحفِ والمجلاتِ.
التّعرفُ بكتّابٍ وروائيين من مختلفِ أنحاءِ الوطنِ العربيِّ.
أن القارئ غالبًا ما يُصابُ بحيرةٍ إزاءَ هذا الكمِّ الهائلِ الصّادرِ من الكتبِ، وفي النّهايةِ يختارُ ما فازّ بجائزةٍ أدبيّةٍ، فما إن تظهرْ رواية ما، في قوائم الجوائز حتّى نجد دمغةً الطبعةِ الثانيةِ على غلافِها، بعد أيّامٍ من الحدثِ، وقد وصلَتْ طبعاتُ بعضَ الرّواياتِ إلى العشرين.
إثراءُ الوعيِّ الثقافي.
كلّ ما ذُكِرّ من محاسنِ الجوائز أمرُ لا يُمكننا غضَّ النّظرِ عنه، ولكنْ هناك جانبٌ آخر يتمثّلُ بخطورة الجوائز إذ إنّ هناك عدد لا يُستهانُ به وصار عددُها يفوقٌ المعقول، فعلى سبيل المثال، فإنّ دولةً مثل فرنسا تمنحُ ما لا يقل عن ثلاثمئةٍ جائزةٍ أدبيّةٍ سنويًّا، منها عشرُ جوائزَ على الأقلِ في مركز الصّدارةِ، مثل: جونكور، وأنتراليه، ومدسيس وجائزة الأكاديمية، ما أَدّى إلى تحوّل بعض القرّاءِ إلى روائيين في محاولةِ تقليدِ مَنْ سبقَهُم إلى الكتابةِ بالمواصفات نفسها، خصوصًا، إنّ فوزَ أيِّ روايةٍ بجائزةٍ ما سيدفعُها إلى أن ترتفعَ إلى أعلى سلم المبيعاتِ في فترةٍ غيرَ قصيرةٍ، وهذا صار طموحَ الكثيرين حتّى لو لم يمتلكوا الميزات الكتابية التي يطمح إليها القارئ فيكفي أن يثير قضية ما من شأنها أن توصّلَه إلى ما يريدُهُ.
هناك نوعان من الجوائز:
الأوْلُ يمثّلُ تقديرًا لقيمَةِ الكاتبِ. وأشهر ثلاث جوائز:
١. جائزة نوبل. ( السّويد)
٢. جائزة الملك فيصل. (السّعودية)
٣. جائزة الدولة التقديرية. (مصر)
الثّاني يمثّلُ تقديرًا لإبداعِ منشورٍ حديث، يمنحُ للكاتبِ مرّةً واحدة فقط في حياتِه، إذ لا يحقُّ له أن يترشّحَ لها مرّةً أخرى.
أهمّيةُ بعض الجوائزِ الأدبيّةِ:
- جائزة نوبل أكثر الجوائز شهرةً على الرّغم من أنّ عمرَها يتجاوزُ تسعةً عقودٍ، تُمنحُ للكاتبِ لقيمتِهِ بصرفِ النّظرِ عن وطنِهِ وجنسيتِهِ وفقَ ما أَرادّ صاحبُها ألفرد نوبل في وصيّتِهِ. ولا شك أنَّ هناك اعتباراتٍ دخلَتْ عليها، فجعلَتِ الكثيرَ من الشّبهاتِ تلتصقَ بها.
مُنِحَتْ لأَوّلِ مرّةٍ فِي العامِ ١٩٠١ للشاعرِ الفرنسي سولي برودوم وحصل عليها الكثيرُ من المشاهيرِ مثل جان بول سارتر وألبير كامي وطاغور وماركيز، وعُدّتِ الجائزةُ بمنزلةٍ تكريم للثّقافةِ الغربيةِ، فلمْ تمنح للثقافةِ الأسيويةِ إلّا مرتيْن، كما مُنِحَتْ لإفريقيا ثلاثَ مرّاتٍ، ولكنّها مُنِحَتْ عشراتُ المرّاتِ في أوروبا والولايات المتحدّة الأميركية... وقد حَظِيَتْ بقدرٍ من المتابعةِ، لم تحظ مثلها أيّ جائزةٍ أخرى.
- جائزة الملك فيصل من أهمِّ الجوائزِ ليسَ في منطقةِ الخليجِ فقط، بل في العالم كلَهِ، قيمتها ( ١٧٥،٨٨٨ ريال سعودي)، بالإضَافةِ إلى ميداليةٍ ذهبَيّةٍ وشهادةٍ تحملُ اسمَ الفائز وملخصا للعملِ الّذي أهْلَهُ للجائزةِ، ومن أهدافِ الجائزةِ الإسهامُ في تقدّم البشريةِ وتأَصيلُ المثلِ والقيم الإسلاميّةِ في الحياةِ الاجتماعيّةِ وإبرازها للعالم، والعمل على خدمةِ الإسلام والمسلمين في المجالاتِ الفكريّةِ والعلميَّةِ والعمليّةِ.
أمّا في فرنساً فإنّ جائزةَ جونكور تُعدُّ أهمُّ جائزةٍ أدبيّةٍ في غرب أوروبا على الإطلاق، وهي تحمل اسم الأخوين جونكور، وهما من أعمدةٍ رجالِ الصّحافةِ في النّصفِ الثّاني من القرنِ التّاسعِ عشر، مُنِحَتْ لأوّلِ مرّةٍ في العام ١٩٠٣ ، وكانت عبارة عن خمسةٍ آلافِ فرنك ذهبي، وصارَتْ لاحقا خمسين فرنكّا فقط، ومن أشهر من فازوا بها أندريه مالرو ومارسيل بروست. وتتميّزُ هذه الجائزةُ بأنّ الإعلانّ عنها تلازمُهُ حملةٌ إعلاميةٌ ضخمةٌ، والرّوايةُ الفائزةُ تتصدّرُ المبيعاتِ لأسابيعَ طويلة، وهذه سمةٌ لا تحدِّثُ أبدا للرّواياتِ الفائزةِ ببقيةِ الجوائز.
جائزةُ بوليترر في الولايات المتحدّة الأميركية، تُمنحُ للرّوايةِ وللصّحفيين وللشّعرِ وللموسيقى. وبوليترر هو اسمُ صحفيٌّ مجري هاجرَ إلى الولايات المتحدَّة وهو في الثّامنة عشرة من عمرِهِ، أسّسَ صحيفةً " عالم مساء نيويورك" في العام ١٨٨٧م. حصل على هذه الجائزة أرنست هيمنجواي، مرجريت ميتشل، وقيمةُ الجائزةِ ألفُ دولارٍ في كلُّ الفروع لأنّها تمنحُ لأحدَ عشرَ فرعًا على الأقل.
- جائزةٌ بووكر وهي أشهرُ جائزةٍ في بريطانيا، وعلى الرّغم من أنّها حديثة نسبيًا حيث تمَّ منحُها لأوّلِ مرّةٍ في العام ١٩٦٩م. وقيمتُها تصل إلى عشرة آلاف جنيه أسترليني. مُنِحَتْ للأديبةِ جوردير في العام ١٩٧٤م.
- أمّا في ألمانيا وإيطاليا فيعدّان في مركز الصّدارة من حيث اهتمام كلِّ منهما بالجوائز الأدبيّةِ بعدَ فرنسا، فَفي ألمانيا تحملُ الكثيرَ من هذه في الاتّحاد السّوفياتي سابقًا كانَتْ جائزةُ لينين أهمّ جائزةٍ تُمنحُ في فروع عديدةٍ، واختفَتْ في السّنواتِ الأخيرةِ، وكانتْ قيمتُها
٧٥٠٠٠ روبل تمنح لاثني عشرَ عالمًا وثلاثةٍ عشر تقنيًّا وثمانية أدباء وفنّانين، وهي أقربُ إلى الجوائزِ التّقديريةِ للفنّانِ.
- تعدُّ جوائزُ الدولةِ في مصرَ _ من النّاحيةِ التّاريخيّةِ- أقدمَ الجوائز التي تمنحُها دولة في عالمِنا العربيِّ تقديرًا للأدباءِ والمفكرين في العلومِ والعلومِ الاجتماعيّةِ والفنونِ والآداب، ومنها خمسُ جوائزَ تقديريّةٍ تُسمّى جوائز الدّولةِ للإنتاجِ الفكريِّ وثمانٍ وعشرين جائزةً تشجيعيةً تُسمّى جوائز الدّولةِ لتشجيع العلومِ والفنونِ والآدابِ والعلوم الاجتماعيّةِ. وقد فازّ بجائزة الدولَةِ التّقديريةِ في الآدابِ كل من الأساتذة د. طه حسين (١٩٥٨)، عبّاس محمّود العقّاد (١٩٥٩)
توفيق الحكيم ( ١٩٦٠) الخ...
- جائزةُ كتارا أطلقَتْها المؤسسةُ العامةُ للحي الثقافي_كتارا في بداية العام ٢٠١٤، وتهدفُ إلى ترسيخ حضور الرّواياتِ عربيًّا وعالميًّا، وإلى تشجيع الرّوائيين العرب المبدعين لتحفيزهم للمضيِّ نحو آفاقٍ أرحب.
وهناكَ جوائزُ كثيرةٌ أخرى ولسْتُ بصددِ الحديث عن كل واحدةٍ منها كجائزة نجيب محفوظ للرّواية، وجائزة كومار للإبداع الرّوائيِّ في تونس، وجائزة أبي القاسم الشّابي التّونسية وجائزة الطّيب صالح للرّوايةِ فِي السّودان، وجائزة ناجي النّعمان في لبنانَ وغيرها الكثير...
ختامًا، إنَّ تكريمَ المبدعين والعلماء وأجبٌ يفرضُهُ الوفاءُ والتّقديرُ لكلّ مَنْ زَرَعَ فكرًا نيّرًا، وقدمَ جديدًا من خلال عملِهِ الأدبيِّ وسعى إلى نقلِ رؤاه الفكريّةِ إلى العالمِ للتأثيرِ بهِ وصَقَلَ الوعيّ الإنسانيَّ، فهؤلاء يستحقّون التّكريمَ؛ فالَقيمةُ الْمعنويَّةُ للجائزةِ هي الأكثرُ أهمية والأبقى أمامٍ قيمتِها الماديّةِ.. ويبقى هناك مَن لا يكترثُ إلى فكرة الجوائزِ في حدِّ ذاتِها، وهناك مَنْ يرى فيها صكّ اعترافٍ بهِ وبإبداعاتِهِ، ومَنْ ينظرُ إليها كطريقٍ مختصرٍ ومضمونٍ للنجاحِ.
(١) يقول الكاتب المسرحي الأميركي غور فيدال: « إن هناك جوائز في الولايات المتحدّة الأميركية يفوق عددها عدد الكتّاب الأميركيين».
ويقول الشّاعر الأسترالي بيتر بورتر: « هناك عدد كبير من الجوائز، في أستراليا، حتّى لا يوجد كاتب في سيدني لم يحصل على واحدة».

