تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

المتربصون بالكُتب والمخطوطات....

المتربصون بالكُتب والمخطوطات....

 حسنى عبد الحافظ


 ثمة طابور طويل من الأعداء الطبيعيين، يتربصون بالكتب والمخطوطات، ويتحينون الفرصة المناسبة، لمهاجمتها وتدميرها، وبرغم أن جل الأعداء يُمارسون أنشطتهم التدميرية في الخفاء، ويراهنون على عامل الزمن، إلا أن هناك الكثير من الوسائل، التي يُمكن أن يُعول عليها، لمواجهتهم، وحماية الكتب والمخطوطات، من شرورهم.
 فماذا عن أعداء الكتب والمخطوطات؟
 وما هي السُبل لمواجهتهم، والقضاء عليهم ....؟
 جدير بالإشارة، بادئ ذي بدء، فإن جميع ماديات الحياة، تتألف بنسب مُتفاوتة من ثلاثة عناصر رئيسة هي الكربون C الأوكسجين O الأيدروجين ...H وبتفاعل هذه العناصر الثلاث، تتكوِّن المواد الكربوهيدراتية، التي تتحوَّل بدورها، في ظِل تفاعلات كيميائية مُعقدة، إلى مواد بروتينية ودُهنية.
 والورق، من حيث كونه أحد ماديات الحياة ،والمكوَّن الرئيس للكُتب والمخطوطات، تتمثل فيه المواد الكربوهيدراتية، بمادة السليولوز، كما أن الجلود والرقوق والبارشمنت، وهي من المواد التي تدخل في صناعة المخطوط والكتاب، تحتوي على نسبة من البروتينات والدهون، وجميعها تؤثر فيها عوامل الطبيعة، وتعمل على أكسدتها، ومن ثم ظهور الورق باللون الأصفر، وبهتان الألوان والأحبار، سواء على الغلاف الخارجي، أو في الداخل، كما أن إهمالها، دون حفظ وصيانة بشكل جيد، يجعلها هدفاً للقوارض، وطابور من الحشرات والطفيليات والبكتيريا، التي تجد لذتها في العبث ببيئة المخطوط والكتاب، والتهام أجزاء منه، وترك آثارها وتداعيات معركتها عليه، قبل أن تُغادر، وإذا لم تجد رادعًا يصبح المخطوط أو الكتاب في خبر كان....!
 أعداء متربصون
 
ويمكن تصنيف الأعداء الطبيعيين، للكُتب والمخطوطات، على النحو التالي:
 أولاً: القوارض، ومن أمثلتها الفئران والجرذان، التي تتواجد في شقوق الأسقف وأرضيات وجدران الخزائن والمكتبات المُهملة، ولديها القُدرة على سرعة الاختباء، عند الشعور بالخطر، كما أنها تتسم بمداها الواسع في تحمُّل تباينات الحرارة والرطوبة، ونحوها من المؤثرات البيئية، التي سنذكرها لاحقًا، مما يزيد من خطورتها، والقُدرة على الانتشار، والتكيُّف في مختلف الظروف، وعادة ما تُهاجم القوارض المخطوطات والكُتب، وتقوم بالتهام الأوراق والجلود، بادئة من الكعوب، إلى الأطراف، ومن ثم الولوج إلى وسط الصفحات.
 ثانيـًا: الحشرات، وقد أحصي منها ما يزيد على سبعين نوعـًا، تُهاجم الكُتب والمخطوطات، ومن أمثلتها: حشرة النمل الأبيض Termites Isoptera، وهي فتَّاكة ليس فقط بالكتب والمخطوطات، بل وأيضـًا بالأرفف الخشبية، والجلود، والعديد من المواد العضوية الأخرى.
 حشرة السمكة الفضية Silver Fish، ولونها رمادي لؤلؤي، وهي عديدة الأرجل، تتسم بسُرعة الحركة ،والتخفِّي.. تتعايش بشكل رئيس، على عموم المواد العضوية، وبخاصة الورق والخشب والأحماض، وتُحدث ثقوباً وقروضاً في الكتب والمخطوطات والجلود، وهي حشرة ظلامية، تهرب مع أول ضوء.
 قمل الكتب، ويسمى أحياناً بـ ((الحشرة القارضة ))  . Corridentia Book - Lice
 دودة الورق ،Book Worm - Book Moth وهي بيضاء غليظة الجسم نسبيـا، طولها يُقارب واحد سنتيمتر، سريعة الحركة، شرهة في أكل الكتب والمخطوطات الورقية، وغالباً ما تبدأ بالتهام الكعوب، ثم تحفر نحو الداخل.
 دودة الكيلو بترا Celoptra، وهي صنف من الخنافس Beetles الصغيرة، طولها يتراوح بين 5:2 ملم، وإتلافها للكتب والمخطوطات، لا يقتصر فقط على التهام أجزاء منها، بل وأيضـًا بتعمُّد وضع بيضها، قبل موتها، داخل ما تُحدثه من ثقوب، في مناطق الكعوب على وجه الخصوص.

الخنفساء السوداء Black Beetles، وهي واحدة من ألد الأعداء الطبيعيين للكتب والمخطوطات، حيث تلتهم الأغلفة الورقية المُقوَّاة، والجلود والرق . Parciiennt
 الصراصير Cockroaches، التي تجذبها غالباً مادة النشا اللاصقة للغلاف، ثم تتجه نحو الداخل.
 ثالثـًا: الكائنات الدقيقة، وهي تلك التي يصعب رؤيتها بالعين المُجرَّدة، ويُمكن تقسيمها إلى ثلاث فئات:
 الفطريات fungi، وتكون على هيئة خيوط رفيعة جدًا، تعرف بالهيفا Hyphae، يتراوح قطرها بين 5:1 ميكرون، وتنمو على هيئة شبكة عنكبوتية، مُكوِّنة ما يعرف بالميسيليوم، أو الغزل الفطري، ويطلق عليها البعض اسم ((النباتات الدنيئة)) لتمييزها عن النباتات الراقية، التي تحتوي على مادة الكلوروفيل الخضراء... ومن أخطر أنواعها التي تُهاجم الكتب والمخطوطات، الفطريات الرمِّية Saprophytic fungi، التي تقوم بتحليل الورق، في وجود نسبة رطوبة تصل إلى أكثر من 80%، وحرارة تتراوح بين 30:24درجة مئوية، ومن أمثلتها فطر البنسيليوم، وفطر الأسبرجلس.
 البكتيريا Bacteria، وهي كائنات حية متناهية الصغر، وحيدة الخلية، يتراوح قطرها بين 1:0,5 ميكرون، وهي تتسم بسُرعة الانقسام والتكاثر، وتتباين أشكالها ما بين العصوية والكروية والأسطوانية واللولبية، وتكمن خطورتها على الكتب والمخطوطات في كونها تقوم بتحليل السليولوز، وهي تحتاج إلى نسبة رطوبة مُرتفعة، تزيد على 90% ،وحرارة أعلى من 30 درجة مئوية.
 الأكتينوميستيات Actinomycets، وهي فصيلة من الكائنات الدقيقة، كانت تُصنف قديمـًا، ضمن البكتريا، إلاَّ أنها صُنفت حديثاً لتكوِّن فصيلة مُستقلة بذاتها، تجمع كثيراً من صفات الفطريات والبكتيريا معـًا، وهي تنمو في أسقف المخازن وشقوق الجُدران المُهملة، وتهاجم الكتب والمخطوطات، التي تعرَّضت للماء وأُهملت، حيث تنمو وتتكاثر على المواد السليولوزية والبروتينية، وتفرز إنزيمات من شأنها إحداث العفن الشديد، الذي يصعب مُعالجته، في المراحل المُتأخرة، ويكون ظاهراً على هيئة بُقع مُلونة.
 عوامل مُحفّزة
 وعادة ما ينشط الأعداء الطبيعييون للكتب والمخطوطات، في ظل توافر عامل، أو أكثر من العوامل البيئية المُحفـِّزة، التي من أبرزها:
 الرطوبة، وهي تُعد بمثابة طريق سريع، يتخذه طابور أعداء الكتب والمخطوطات، يقول أوين أغروال ((إن السبب الرئيس لظهور هذه الكائنات المُهاجمة، وفي مُقدِّمتها الكائنات الفطرية، هو الرطوبة العالية، التي تصل نسبتها إلى 75% فأكثر، حيث أن الحد المسموح به والآمن، يجب أن لا يتجاوز 68% )) .
 •الحرارة: وهي ترتبط ارتباطاً وثيقا بالعامل السابق، وتبدأ خطورتها في خزائن الكتب والمخطوطات، إذا زادت نسبتها عن الحدود المسموح بها، حيث تعمل على تسريع جميع التفاعلات الكيميائية، في المواد العضوية، ومن ثم تفكيكها إلى وحدات أصغر، كما أن تدنِّي درجة الحرارة، له أيضـًا تداعياته وعواقبه ... مع العلم بأن مُعدَّل درجة الحرارة المُثلى، لحفظ الكتب والمخطوطات، يتراوح بين 24:18 درجة مئوية.
 •الضوء المُباشر، بمصدرية الطبيعي والصناعي، حيث يعمل على أكسدة المواد العضوية، بتفاعله مع شوائب الورق كاللجنين، وتظهر هذه الأكسدة في هيئة بُقع صفراء وبُنيَّة كما تؤثر الموجات الضوئية القصيرة، كالأشعة البنفسجية وفوق البنفسجية، على الصور والرسوم المُلوَّنة، والأخبار المُستخدمة في الكتابة، وأيضـًا العمل على تكسير جُزيئات السليولوز.
 •الغبار والأتربة، وهي جُزيئات صغيرة، قُطرها لا يتجاوز 76 ميكرون، تُحمَل بواسطة الهواء، وتلتصق بجلود الكتب والمخطوطات، ثم تنتشر بين الصفحات الداخلية، حاملة معها أنواعاً مُتباينة، من الفطريات والبكتيريا، وبويضات الحشرات التي سُرعان ما تنمو، إذ ما وصلت الرطوبة والحرارة، إلى المُستوى المُناسب لنموِّها.

 •المُلوِّثات المُنبعثة من المناطق الصناعية، وهي من أخطر المُحفِّزات لتلف الكتب والمخطوطات وأنواعها عديدة، منها غاز ثاني أكسيد الكبريت، الذي تمتصه صفحات الكتاب أو المخطوط، من الهواء المحيط، وعند وجود رطوبة مُرتفعة، يتحد مع بُخار الماء، مُكونا حمض الكبريتوز، الذي يتحوَّل بدوره إلى حمض الكبريتيك، المعروف بتدميره للأوراق والجلود معـًا....
 ومنها كبرتيد الهيدروجين، الذي يؤثر على الرسوم والأشكال الزُخرفية، ويطمس معالمها، مُكوّنـًا بُقعاً سوداء..... ومنها الأكاسيد النتروجينية، وهي أحد المصادر الرئيسية لحموضة الورق.. ومنها أيضـًا غاز الأوزون، الذي يستهدف سليولوز الأوراق، حيث يعمل على تكسيره... ومنها الأدخنة، التي لها القدرة على الانتشار، في خزائن الكتب والمخطوطات، وتُسبب عوالقها على الصفحات الورقية بقعاً سوداء، وتفاعلات غير مرغوب بها.
 ومن أبرز الأعراض المرضية، التي تُعاني منها الكتب والمخطوطات، جرَّاء انتشار هذه العوامل المُحفـِّزة، التي تجذب طائفة كبيرة، من الأعداء الطبيعيين:
 (( جفاف الأوراق، وتقصف أحرفها )) .
 (( انتشار الثقوب والقطوع، على هوامش ونصوص المخطوط )) .
 (( انتشار البُقع اللونية، الكيميائية والبيولوجية، على الصفحات المكتوبة، وجلود الأغلفة )) .
 (( التصاق الصفحات، وتحجُّر المخطوطات )) .
 (( تآكل الأوراق، تحت أحرف الكتابة )) .
 (( بهتان لون الأحبار، ومواد الكتابة )) .
 (( التواء وانكماش الجلود، والرقوق المكتوبة )) .
 (( تفتت وهشاشة الكعوب، والأغلفة الجانبية )) .
 (( تصلُب الأغلفة الخارجية، وتمزُّق مفاصلها )) .
 سُبل المواجهة
 ويمكن مواجهة هذه المخاطر، المُحدقة بالكتب والمخطوطات، باتباع استراتيجية حفظ وصيانة مُتكاملة، تتضمن استخدام التقنيات الحديثة، في عمليات المُكافحة، والتبخير بالمُبيدات، وفق شروط ومعايير السلامة والأمان المسموح بها.
 •ضبط درجة الرطوبة، وكذا درجة الحرارة، في خزائن الكتب والمخطوطات... ويُستعان في ذلك بأجهزة تكييف مُتقدّمة. •الاستعانة بمصابيح خاصة، مُزوَّدة بمُرشـَّحات لها القـُدرة على حجب الإشعاعات الضارة، وكذا استخدام زُجاج، يؤدِّي ذات الغرض، على نوافذ الخزانة.
 •لحفظ المخطوطات الثمينة، يُمكن استخدام دواليب حديدية، شديدة الإحكام، مُزودَّة من الداخل، بأرفف مُتحرَّكة، توضع فوقها المخطوطات، بحسب حجم كُل منها، على أن تُفتح هذه الدواليب بصورة مُنتظمة، من أجل التهوية، والاطمئنان على سلامتها.
 •الاهتمام بنظافة الخزانة، على نحو مُتكامل ومُنتظم .
 •في حالة الكشف عن تلف ما، يجب الإسراع باتخاذ الأسلوب الأمثل، في مُعالجة هذا التلف، وفي ظِل مُعطيات العلم الحديث، لم تعد مسألة المُعالجة أمراً عسيراً.
 •ضرورة الاستعانة بأجهزة مُراقبة بيئية، بمقدورها رصد دقيق لمُعدَّلات التلوث، داخل خزانة الكتب والمخطوطات، وحتى في محيطها الخارجي.
 •مُعالجة شقوق الأسقف والأرضية والجُدران، بحيث لا يكون ثمة مأوى للقوارض والحشرات، المرئية منها والغير مرئية، التي تتربص بالكتب والمخطوطات.


أهم المراجع

نعيسة، حسن سليم دراسات مكتبية منشورات وزارة الثقافة دمشق 1995م.

يوسف مصطفى السيد:

العلم وصيانة المخطوطات عكاظ للنشر والتوزيع الرياض 1404هـ / 1983م.

صيانة المخطوطات علمـًا وعملاً عالم الكتب القاهرة 1422هـ / 2002م .

المشوخي، د. عابد بن سليمان: أثر العوامل الطبيعية على التراث العربي الإسلامي المخطوط المجلة العربية للدراسات الأمنية والتدريب المُجلَّد 22 العدد 43 مُحرَّم 1428هـ (يناير فبراير 2007م) فصلية تصدر عن جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية.

حمودة، د. محمود عباس: أمن الوثائق الحفظ التصويرالترقيم الصيانة مكتبة غريب القاهرة (بدون تاريخ).

(6) الطباع، أ. د. عبد الله أنيس: عالم المكتبات الإدارة والتنظيم دار الكتاب العربي بيروت (بدون تاريخ).

محمود، أ. د. حسام الدين عبد الحميد: تكنولوجيا صيانة وترميم المقتنيات الثقافية الهيئة العامة للكتاب القاهرة 1979م .



المتربصون بالكُتب والمخطوطات....
Ehsan Logo