تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

"حجر الدم".. سحر النهايات وغموضها في فصل متخيل من حياة ابن بطوطة بقلم الرحّالة البريطاني تيم ماكنتوش – سميث

"حجر الدم".. سحر النهايات وغموضها في فصل متخيل من حياة ابن بطوطة بقلم الرحّالة البريطاني تيم ماكنتوش – سميث

حجاج سلامة

"حجر الدم".. كتاب سرد روائي يتمم عبر عمل المخيلة فصلا من فصول حياة الرحالة العربي الأشهر ابن بطوطة، الذي ينطلق هذه المرة مع خادمه سنان، في رحلة إلى بلاط دولة بني نصر في غرناطة للقاء صديقه القديم لسان الدين بن الخطيب، ويلتقيان بابن زمرك لتبدأ فصول تلك الرواية، التي الرحّالة والكاتب البريطاني تيم ماكنتوش – سميث، والتي صدرت عن دار النشر منشورات المتوسط في إيطاليا، ودار السويدي للنشر والتوزيع في أبوظبي، ونالت جائزة ابن بطوطة في فرع الرحلة المترجمة 2024، وترجمها لنا السوري عماد الأحمد.

يقول الرحّالة والكاتب تيم ماكنتوش – سميث: تكونت بذرة هذه الحكاية  - حجر الدم - من قراءتي الأولى لكتاب رحلة أبي عبد الله ابن بطوطة "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار"، وكان من بين النصوص التي قرأها  تيم ماكنتوش – سميث في هذا الكتاب، أن ابن بطوطة التقى عام 1353 في بلدة ما على نهر النيجر تقع بين تمبكتو وغاو خلال آخر رحلة مسجلة له إلى غرب أفريقيا، بقائد رفيع المستوى من إمبراطورية مالي. 

وقد حدث في تلك الرحلة أن "دخل غلام خماسي فدعاه وقال لي: هذا ضيافتك، واحفظه لئلا يفرّ.. والغلام الذي أعطانيه باق عندي إلى الآن".

 وقد تحوّل هذا الغلام مع مرور السنين في مخيّلة  تيم ماكنتوش – سميث، إلى سنان- أحد أبطال رواية حجر الدم – إذ تخيّل "سميث" أن هذا الغلام لقد أدركت أنه لا بد أن لديه قصة أو قصتين ليرويهما، وقرر أثناء إقامته بالنيجر عام 2008، أن يروي حكايات "سنان"، فكانت روايته التي بين أيدينا "حجر الدم". 

ويشير الرحّالة والكاتب البريطاني تيم ماكنتوش – سميث، في خاتمة روايته "حجر الدم"، إلى أن "ابن بطوطة" كان رفيقه غير المرئي في السفر، وأنه ظل حاضراً معه على الدوام لأكثر من عقد من الزمن، حيث كان يتتبّع خطواته عبر كتابه وعبر ثلاث قارات، وعبر الأراضي العديدة التي زارها، وأنه من تلك المرافقة وهذا التتبّع تشكّلت كتبه الثلاث المسمّاة بثلاثية ابن بطوطة، وهي كتب: رحلتي مع ابن طنجة، وصالة الألف عمود، والوصول إلى اليابسة.

ويضيف "سميث" بأنه أغرم بابن بطوطة وخصاله المتنوّعة، وكان يكره أن يتركه بعد تلك المرافقة غير مرئية، ويوضّح لنا بأن الرواية الوحيدة المتوفرة عن وفاة ابن بطوطة كانت غامضة، وأن خياله كان يذهب به إلى التساؤل: هل كان لدى ابن بطوطة حياة أخرى سريّة خارج قبره المسئول، وأنه في رواية "حجر الدم" جعل ابن بطوطة يشد الرحال وينطلق في رحلة جديدة مرة أخرى، ولكن هذه المرة مع "سنان" الغلام الذي التقاه ابن بطوطة في بلدة ما على نهر النيجر.

ويُحدثنا تيم ماكنتوش – سميث، في خاتمة روايته "حجر الدم"، عن العلاقة بين أبي عبد الله ولسان الدين بن الخطيب وزير غرناطة في عهد السلطان محمد الخامس، مستعيناً بالمراسلات المتبادلة فيما بينهما، ويُحدثنا كذلك، عن ابن زمرك، كاتب السر السلطاني والشاعر والمتآمر، الذي جاءت شخصيته في رواية حجر الدم أكثر قبحاً مما كانت عليه في الحياة الحقيقية.

ويذكر لنا كذلك  أن هروب البرميخو مع جواهر تاج غرناطة وقتله لاحقاً على يد دون بدرو ملك قشتالة موجودان في التواريخ العربية والإسبانية. 

وقد جاءت شخصيات عدة أخرى في الرواية، من مخيّلة تيم ماكنتوش – سميث، الذي جمع تلك الشخصيات وشكلها من مجموعة شخصيات لأشخاص حقيقيين يظهرون في التاريخ، وخاصة في كتاب لسان الدين "الإحاطة في أخبار غرناطة" معجمه الكبير لسيرة غرناطة بخلاف إبراهيم بن زَرزَر، وهو أيضاً شخص واقعي امتدت مسيرته التاريخية، مثل مسيرة اليهود المغامرين الآخرين في ذلك الزمن، بين مملكتي غرناطة وقشتالة.

كما جمع "سميث" بين جوانب من شخصيتي صبح، محظية خيميائي من القرن الرابع عشر وتلميذته التي تعلمت الشعر على يديه، وشاعرة سابقة تدعى نزهون، والتي استعار منها لقاءها الفعلي مع شاعر الأعمى، لكنه خفّف – بسب قوله - من حدة جرأتها لتتلاءم مع ذائقة القراء المهذبين.

وتحدثنا الرواية كذلك، عن الشعر بغرناطة في القرن الرابع عشر الميلادي، حيث كانت غرناطة بمثابة زمان ومكان شعريين على نحو خاص. وكان معظم المتحدثين باللغة العربية في الحقيقة مفتونين بالشعر، في كل مكان وزمان. قال أبو تمام أحد أساتذة الشعر:

وبحسب الرحّالة والكاتب البريطاني تيم ماكنتوش – سميث، فقد كان المغرب وغرناطة في القرن الرابع عشر مشبعين بالقصائد والشعر، وحتى لو أن مخزون الإلهام الشعري أصبح راكداً بعض الشيء، كما ادعى النقاد اللاحقون، فإن التعطش للشعر لم يكن ليرتوي.

وقد استخدم ابن عم السلطان محمد الخامس، أبو الوليد إسماعيل، استعارة أخرى لوصف الهوس الشعري في ذلك العصر. فقد جاء الشعر بكل لون يمكن تخيله، وسلّط الشعر الضوء على العبقرية، وخرج بألوان لا يمكن تصورها، متألقة بالحقيقة التي لا يمكن التعبير عنها بأي كلمات أو طرق أخرى.

لمحات من سيرة مؤلف الرواية 

تيم ماكنتوش سمیت: رحالة وكاتب بريطاني ولد في مقاطعة لينكولنشاير في شرق إنجلترا عام 1961، ودرس في اكسفورد كلاسيكيات الأدب الإغريقي والروماني، ثم قادته دراساته وشغفه باللغة العربية وبالرحّالة الأشهر في العالم الإسلامي (ابن بطوطة) إلى اليمن.

أصدر في عام 1997 كتابه عن اليمن "رحلة المتيم المهووس في بلاد القاموس"، ثم أخذ يتتبع رحلات ابن بطوطة لينتج عمله الضخم ثلاثية ابن بطوطة (رحلتي مع ابن طنجة -  صالة الألف عمود - الوصول إلى اليابسة)، كما صدر له كتاب "العرب: ثلاثة آلاف عام من تاريخ الشعوب والقبائل والإمبراطوريات".

غادر ماكنتوش سمیت صنعاء على مضض، بعد أن قضى فيها ردحاً طويلاً من الزمن ليستقر اليوم في الإمارات متابعاً كتابة أبحاثه ومؤلفاته في جامعة نيويورك - أبوظبي.

مُترجم الرواية في سطور

عماد الأحمد، شاعر ومترجم وكاتب صحافي سوري ولد عام 1984. يحمل إجازة في الأدب الإنكليزي، وماجستير في دراسات الشرق الأوسط من الجامعة الكاثوليكية في ميلانو بإيطاليا.

صدر له العديد من الترجمات عن الإنكليزية منها: جورج أورويل الأعمال الشعرية الكاملة (2018) "ترومبيت" لجاكي كاي (2016)، "جرام" لليان إللول (2015)، و"القبلية: هل الحرب على الأبواب؟" و"الكورت دينوف" ( 2021),، و"المينوتور العالمي" ليانيس فاروفاكيس (2016)، و"هل يستطيع غير الأوروبي التفكير؟" للحميد دباشي (2016).

توطئة 

وننشر – هنا – التوطئة التي تصدّرت فصول الرواية:

قُرب آثار ايتاليكا في اشبيلية 29 جمادى الثانية 763 للهجرة، 25 أبريل 1362 من الميلاد:

أدرك أن أجله قد حان، هنا والآن، فقاتله المسيحي كان وراءه.

واصل مسيره محدقاً في الفراغ المتلألى أمامه، محصياً اللحظات المتبقية من حياته بدقات القلب التي لم يسمع سواها في قيظ الصباح الحارق مع صرير جلد السرح وهبوط حافر الدابة المكتوم على التراب. ويا لها من دابة حمار يمتطيه سلطان وابتسم ابتسامته الأخيرة. كانت هذه العباءة القرمزية بمثابة كفن جنائزي مناسب له على الأقل، لمحمد بن إسماعيل، سلطان غرناطة، أمير المسلمين.

أطلق عليه قاتله الملك الشاب لقب البرميخو، أي الأحمر. عباءة حمراء وشعر أحمر ولحية حمراء. أما في الكيس الذي التف حول رقبته، فكان هناك شيء أكثر احمراراً، أكثر من دمه الذي سيراق قريباً. أحس ببرودة ذلك الشيء وهو يطرق صدره بلا هوادة.

وانبثق السؤال: من سيغسله ويصلي عليه ويدفنه؟ لا أحد. سوف يُطعن حتى الموت ويُعلق على خشبة، لينتصب هناك بمثابة عبرة للمعتبرين.

غردت قبرة وهي تحلق عالياً في السماء فوق السهل.

ثم اقتربت أخيراً الضربات القوية الجافة للحوافر، فالتفت لمواجهتها.

ضربه الموت في عظمة الصدر برأس رمح الملك بدرو.

لم يشعر بالألم. بل انهار كل شيء من حوله وحسب، وانقلبت سماء الربيع رأساً على عقب.

افتّر وجه بدرو بعينيه الزرقاوين الباردتين عن ابتسامة. "ولا غالب إلا الله، یا بیرمیخو؟" "أليس هذا شعار العائلة؟" ضحك الملك الشاب وركله في رأسه.

سمع صوتاً يقول: "هذا .. كثير ... على الفروسية ... المسيحية"، وكان ذلك الصوت صوته. تلاشى الألم، ولكنه كان يدرك أنه راحل.

قال بدرو دون أن تفارقه ابتسامته: "لحظة، وسأخذ هذه أيضاً"، ومد يده إلى الأسفل لينتزع عن رقبته الكيس الملطخ بالدماء "كتعويض، لإفساد علاقتي مع مملكة أرغون".

رأى بدرو يسحب الحجر من الكيس الذي يقطر دماً ويقلبه تحت زرقة السماء: تقطر الحجر دماً قرمزياً، أكثر احمراراً من أي شيء آخر في الخليقة. أراد فتح فمه ليحذره من أنه حجر ملعون. لقد أراد أن يموت وهو يرى خوف بدرو في عينيه، وليس ابتسامته. ولكن الكلمات لم تطعه.

لا يهم سيكتشف بدرو أمر الياقوتة في الوقت المناسب. كما فعل هو، وكما فعل من قبله.

ثم تحول كل شيء إلى اللون الأحمر ولم يعد يدرك شيئاً، ولا حتى عندما جاؤوا وأجهزوا عليه.


"حجر الدم".. سحر النهايات وغموضها في فصل متخيل من حياة ابن بطوطة  بقلم الرحّالة البريطاني تيم ماكنتوش – سميث
Ehsan Logo