"بايرون" و "شِيلِي".. شاعران رومانسيّان عظيمان
حجاج سلامة
حياة الشاعر الإنجليزي الرومانتيكي، "پرسی بيش شيلي" غير العادية وتفاؤله العنيد وصوته القوي عوامل ساهمت في جعله شخصية مؤثرة، وعرّضته للتشويه خلال حياته وبعد مماته.
الشاعر الذي ولد في 4 أغسطس 1792 وتوفي في 8 يوليو 1822م، يُعد واحدا من أفضل الشعراء الغنائيين، وكان أيقونة للجيلين الشعريين الذين تلياه، ومن ضمن المتأثرين به الشعراء الفيكتوريون من الحركة ما قبل الرافايلييه روبرت براوننغ، ألفرد لورد تينيسون، دانتي غابرييل روسيتي، ألغرنون تشارلز سوينبرن، كما تأثر به لورد بايرون وويليام بتلر ييتس وهنري ديفيد ثورو، وشعراء من لغات أخرى مثل يان كاسبرويك وجيبانانادا داس وسوبرامانيا باراثي.
وقد أُعْجِبَ بـ "شيلي" كارل ماركس وهنري ستيفنز سولت وبرتراند رسل وأوبتون سنكلير.. كما اشتهر بصحبته لكل من جون كيتس ولورد بايرون، وكانت الروائية ماري شيلي زوجته الثانية.
وأما جورج غوردون بايرون أو "اللورد بايرون" (ولد في 22 يناير 1788 بإنجلترا – وتوفي في 19 أبريل 1824 باليونان) فهو شاعر انجليزي وأحد رواد الرومانسية في الشعر، والمؤمن دوما بحرية الشعوب، وجمع شعره بين الرقة والعنف، وعكس نتاجه الشعري معتقداته على الدوام، واتسمت الكثير من أشعاره بالغرابة.
"شيلي" و"بايرون" صديقان حميمان، يتشاركان في نفس الأفكار السياسية، وهما شاعران مختلفان أيضا.
وقد ترعرع "بايرون" في اسكتلندا، وكانت أمه إسكتلندية، وورث لقب لورد بایرون، فضلا عن أملاك واسعة في عام ١٧٩٨.
وتلقى دراسته في هارو وكمبريدج، وفي عام ١٨٠٧ نشر بعض الرسائل ومجموعة شعرية بعنوان "ساعات من البطالة"، وربما كان من المحتمل أن يمر هذا الحدث دون أن يثير اهتماماً، لولا أن "بايرون" عرض بطريقة تفاخرية، لقبه وسنه، وبذلك أثار اهتمام اللورد "بروام" الناقد بصحيفة إدنبره ريفيو، ودفعه لنقده بروح من الخبث والاستهزاء.
رحلة إلى الشرق
وقد رد بايرون على هذا النقد بقصيدته: "أغنيات إنجليزية" و "نقاد إسكتلنديون"، وابتداء من عام ١٨٠٩، أبحر "بايرون" في رحلة طويلة إلى الشرق هربا من حياة الخمول التي كان يحياها.
وبجانب كونه من كبار الشعراء، فقد كان أيضا، صحفياً ورحالة مقداما يجمع المعلومات والوثائق، ويقرأ في جدية، ويعرف أقدار الرجال، ويتفاهم معهم ويفهمهم.
وما أن عاد من رحلته في عام ١٨١٢ حتى نشر أولى أغنياته، رحلة النبيل هارولد ثم الملحـد وعروس أبيدوس في عام۱۸١٣، ثم القرصان ولارا في عام 1814، وحصار كورينثة، وپاريزينا في عام ١٨١٦.. وفى ذلك العام، وبعد سنة من زواجه، انفصلت عنه زوجته، واحتفظت بابنتها أدا.
وبدا "بايرون" شغوفاً بحياة المجتمع اللندني، وأحيط بعشاق الأدب الذين فتنهم نجاحه، وعندئذ أدرك أنه لابد له من الابتعاد بحواسه المادية، عن هذا الوسط الأدبي اللندني، الذي شعر بأنه سجين فيه.
وغادر "بايرون" إنجلترا عام 1816، وأقام في سويسرا مع أسرة "شيلي"، وأخذ يتردد على ندوات مدام دی شتايل في کوپیت، وهناك التقى بـ "أوجيست جييوم شلیل"، الذي لقنه كلمة جديدة هي الرومانسية، ثم غادر "بایرون" سويسرا ليستقر في فينيسيا، ثم في راقينا، وقد كان للكونتيسة جيتشيولى، وللبلاد الإيطالية تأثير كبير عليه وظهر في أعماله، وفي لهجة مؤلفاته، وقد توفى "بايرون" في ميسولونجي في شهر أبريل ١٨٢٤.
اما پرسی بیش شیلى، فقد ولد في مقاطعة ساسكس في أسرة من الأشراف الريفيين، ودرس في إيتون ثم في أكسفورد التي تم فصله منها بسبب آرائه المضادة للدين.
وفي عام ١٨١١ تزوج من "هارييت ويستبروك"، وفي عام ١٨١٣ نشر قصيدة فلسفية بعنوان "الملكة ماب"، بعد رسائل شعرية منها: "الشعر الأصيل لفيكتور وكازير"، وأخرى نثرية مثل: "زاستروزی".
ثم انفصل "شيلي" عن زوجته، وغادر إنجلترا برفقة ماري جودوين، ابنة الفيلسوف " جودوين" الذي سبق وأن اعتنق "شيلي" فلسفته.
وفي عام 1816، في أثناء إقامته بسويسرا، حيث تعرف إلى بايرون، ألف ملحمة رمزية وثورية بعنوان "لاون وسيثنا"، و بعد انتحار زوجته، وزواجه الثاني، وقبل صدور الحكم القضائي الذي رفع وصايته على أبنائه، هاجر نهائياً إلى إيطاليا (١٨١٨) ، و أقام لفترات في كل من فينيسيا، وروما، وپيزا، ونشر العديد من القصائد من بينها دراما غنائية بعنوان "پروميثيوس طليقا" وذلك في عام ١٨٢٠، و در اما هجائية بعنوان "اپيپسيشيديون" في عام ۱۸٢١، ومرثية على وفاة الشاعر كيتس بعنوان "أدونيس"، في عام ۱۸٢١ أيضا، وقد توفى غريقاً في أثناء إعصار في عام ١٨٢٢، وأحرقت رفاته.
وكان نشر أولى أغنياته المعروفة باسم "رحلة النبيل هارولد" سبباً في انتشار مذهب البايرونية في كافة أنحاء أوروبا.
تبكيت الضمير
وأما "بايرون" فقد نجح في أن يُثَبِت نهائيّا في إنجلترا، الطراز الأوروبي للفنان الرومانتيكي، الذي كان فنه يتغذى بأوجاعه، والذي يعاني بشغف، ويختلق الجمال من خلال تبكيت الضمير.
ولما اتخذت أعماله اتجاها جديداً بعد عودته من إيطاليا، رفض المعجبين به، لفرط تعصبهم، أن يعترفوا بهذا التحول، وبذلك مهدوا لذلك الانفصال العجيب المؤلم بين بايرون والبايرونية.
إن الطابع الأدبي لـ "بايرون" ليس بسيطاً، رغم أن أغوار قريحته "تتسم بالكلاسيكية".. لقد تأثر كثيراً بالقدماء، وأعلن - انتماءه لمدرسة پوپ، وإذا كان الأمر قد انتهى به إلى استشعار جاذبية شيللي، إلا أنه لم يؤمن مطلقاً بالتقاليد، ولم يجدد كثيراً في الواقع من حيث اللغة أو وزن الشعر... غير أن ثمانيات "دون چوان"، وهي مقاطع ساخرة رشيقة، هي التي تتضمن الاستخفاف الذي كان أبرز ما تميز به شعره.. كما أن أعماله متنوعة: فـ "رحلة النبيل هارولد"، و"الملحد"، تبرزان الأسلوب البايروني في مجال الكآبة والحزن الواعي، ممتزجا بخيلاء الجال وسحر الطبيعة.
وأما "شيلي" فإن النقد يضعه من الناحية التقليدية، في إطار من الأفلاطونية، ويقدم له جودوين مذهباً جديداً، يعتنقه، ولكنه يغير من جوهره شيئاً فشيئاً.. وتتحول الفردية الفوضوية تحولا قوياً، في اتجاه أخوة إنسانية، وسيطرة الحكماء.
ومن هذا المنطلق فإن "پروميثيوس طليقاً" تعتبر أقوى وأجمل انصهار للمذهب، مع مجموعة تعبيرية من العواطف والصور.. وكذلك المرثية، حيث يبكي "شيلي"، في شخصية "كيتس".
نزعة صوفية
أما "إپيپسيشديون"، فهي انشطار للحب الأفلاطوني المشبوب، الذي توجهه نزعة صوفية، بانطلاقاته وحدته، وهي تعرض الطابع الغنائي الذي لا يقارن، والذي اتسم به الشاعر ولم يسبقه شاعر آخر في مجال هذه الثقة الكاملة، وتلك السرعة المنتصرة.
إن كل شيء بالنسبة لـ "شيلي" انفعال موسيقى: فالأحاسيس مثلها في ذلك كمثل العواطف، تكاد تكون في حالة ثوران بالنسبة له.. لقد حاول كل الأنغام والمرونة والتنوع في نظمه، وهي ذات طابع غير عادي.. ان مقاطعه السبنسرية في "أدونيس"، واللحن الثالث في "انتصار الحياة"، والتركيبات الموزونة في "بروميثيوس طليقا"، هي تنوعات لا يقوم بها سوى أستاذ.
وبينما كانت الموجة التأثيرية التي أثارها "بايرون"، قد اختلطت باتجاهات الرومانسية الفرنسية.. فقد حافظ "شيلي" فقد حافظ "شيلي" على مكانته كأحد أعظم شعراء إنجلترا، بل لعله كان أعظم شعراء أوروبا الحديثة، وكان يؤمن دائما بأن "الشعر يُخلد كل ما هو أفضل وأجمل في هذا العالم.. وأن الشعراء هم المشرعون المجهولون للعالم".
إشارات:
1 – موسوعة الهدف التي وضعها (مجموعة من المؤرخين والكتاب) – الطبعة العربية 1975 – الصادرة عن شركة إيد بتريد السويسرية بجنيف وتوزيع مؤسسة الأهرام بالقاهرة.
2 – كتاب مختارت من الشعر العالمي بلغة مزدوجة – اختيار وترجمة بهجت عباس – المؤسسة العربية للدراست والنشر ببيروت – الطبعة الأولى 2009.
3 – كتاب حقيقة الأشياء – تأليف الدكتور ضرغام الدباغ – أكاديميون للنشر والتوزيع بعمان / الأردن – الطبعة الأولي 2016.
4 – كتاب شعراء الجيل الغاضب – تأليف عطا محمد ابو جبين – دار المسيرة بعمان / الأردن – 2004.

