تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

القلق والصمت والغياب في المحطة الأخيرة لمحمد المنصور الشقحاء

القلق والصمت والغياب في المحطة الأخيرة لمحمد المنصور الشقحاء

عامر ملكاوي


كثيرة هي إبداعاته وتجلياته الأدبية، وهو ما يجعل القارئ يقف مندهشا لكثافة أعماله وثرائها من الجوانب كافة، ولأن أعماله القصصية وفيرة ومتنوعة وهو ما أوقعنا في حيرة من أمرنا عندما أردنا التقديم لأحدهما، غير أن محطته الأخيرة كانت اختيارنا الذي سنبدأ منه تقديمنا.

المحطة الأخيرة هي المجموعة القصصية الأخيرة للأديب القاص والشاعر الأستاذ محمد المنصور الشقحاء، صدرت هذه المجموعة من دار الفارابي في بيروت عام 2008م، وهي عبارة عن 56 نصا تصنف ما بين القصص القصيرة والقصص القصيرة جدا أو ما يعرف بالقصص الومضة، وقد أخذت المجموعة عنوان إحدى قصصها (المحطة الأخيرة)، وتقع المجموعة 191 صفحة من القطع المتوسطة.

تتميز قصص هذه المجموعة بسلاسة أسلوبها وسهولة الوصول إلى معناها، كما أنها تحتوي على الدهشة والتشويق وهو ما يزيد من فضول القارئ يواصل تتبع الأحداث، بل قد يتجاوز ذلك ليضع النهايات المسبقة، نتيجة لأسلوب الكاتب الذي يجعل من القارئ جزء من النص، فجميع النصوص ذات نهايات يسهل على القارئ إيجاد مفاتيحها، وهذا يكشف جزء يسيرا من إبداع هذا الأديب الكبير.

كما أنه لا بد لنا من الإشارة أيضا إلى أن الكاتب لم يتدخل في مجريات قصصه، ويظهر ذلك جليا في العناوين التي اختارها لها، بل أعطى للقارئ كامل الحرية في قراءتها بعد أن يستدل على إشارة الكاتب، وبما أننا لسنا في صدد إجراء قراءة نقدية لهذه المجموعة القصصية، فإننا سنقدم بشكل مفصل لهذه المجموعة بناء على إعجابنا وتقديرنا لأدب هذا المبدع المدهش.

وهذه المجموعة القصصية، يظهر لنا الكاتب يضع بين سطورها هواجسه وهمومه، والتي هي هواجس المجتمع بأسره وهمومه، حيث تظهر حساسيته المفرطة في القراءة لواقع المجتمع، وهو ما جعله يحمل الهم ليعرج به على نواحي الحياة كافة ليضعنا أمام الواقع مباشرة، وتمسك حروفه بأصابعنا مشيرة إلى مكان الجرح، كما أنه وسع نطاق قراءته يدخل فيه مكامن النفس الإنسانية، محاولا فك طلاسمها وسير أغوار الغموض لدينا كبشر على اختلاف أجناسنا.

مما تجدر الإشارة إليه هو أن الكاتب استطاع أن يجعل المكان عنصرا من عناصر المعنى الذي يتذوقه القارئ عبر قصصه، وعندما تجاوز المكان بوصفه عنصرا من عناصر القصة، ليجعله أحد أركانها الذي يلتصق التصاقا وثيقا بها، من ألفها إلى انهاها، تمام أنه وبذكاء شديد استطاع أن يعبر عن دواخل الرجل من خلال المرأة وبالعكس، فهو يتكلم بلسان المرأة ليحكي هموم الرجل، ويتساءل بلسان الرجل يا عثر على إجابته على لسان المرأة.

في ضوء الجو العام لهذه المجموعة القصصية، نجد أن الكاتب تنقل عبر نصوصه بين الانفعالات عاطفية إنسانية شتى، طغى على معظمها القلق والنهايات الصامتة، والتي كان الغياب سيد بعضها الآخر.

وريني أن المجموعة القصصية تحمل اسم إحدى القصص فسوف نبدأ من المحطة الأخيرة، وهو عنوان لقصة الذي اختاره الكاتب ليكون عنوان مجموعته أيضا، في هذه القصة يضعون الكاتب أمام فكرة مركبة تفيض منها رغبات الإنسان بكل أشكالها، كما أنه يبين لنا من خلالها تلك التناقضات التي ترغم النفس البشرية على القبول بواقع القلق والتوتر والقفور، عرفت صراع الفضيلة مع الواقع الذي ينقله لنا الكاتب مجردا كما هو.

كما يعرج الكاتب عن قضية الشعور بالذنب لدى الإنسان، عندما تصطدم رغباته بجدار الضمير لديه، ويظهر ذلك واضحا في قصة (الكسار)، أما قصة القنبرة فهي ترجع لهنا نقف أمام كاتب يعرف جيدا كيف يوظف الموروث في معالجة الحاضر ووصفه، كما أنه ينبهنا إلى أن التراكم المعرفي والموروث الجمعي هو جزء لا يتجزأ من واقعنا المعاش، ويأتي ذلك في شخصيات ابن عرس والتنين، والتي هي مشاهد من رسالة تداعي الحيوان على الإنسان لإخوان الصفا.

أما الغياب تمام أسلفنا فقط كانت سيد كثير من قصص هذه المجموعة، وهو ما جعلنا نقف تمام سؤال مصيري، لماذا الغياب؟ ونحن عندما نتكلم عن الغياب هنا، لا نتحدث عنه بوصفه الصريح فقراءة متأنية بهذه المجموعة القصصية، تجعلنا نشعر بهذا الغياب، والذي ربما أراد منه الكاتب أن يوصف لنا عمق المأساة الإنسانية في هذا العصر، حيث لا يتحصل أي منه هلا النذر اليسير من رغباته الكثيرة، هي جد في الغياب مال الرغبة وفيه دلالة الغياب فنائها.

ومما يحسب للكاتب أيضا أنه طرق أبوابا لم يسبقه إليها أحد، فقد اتسمت قصصه بالجراءة والتحليل الواقعي، وقالت الشخصيات خلالها ما نود أن نقوله دون تردد أو مراعاة، وكأنها كانت الضمير الجمعي للمجتمع، وقد أشاحت عن وجهها النقاب، وجهزت بأعلى صوتها، بقالة كل ما يجب أن يقال، وصمتت عندما كان الصمت أجمل الكلام.

في هذه المجموعة سيجد القارئ أنه أمام جوقة من الآلات التي تعزف على كل الجراح، سيجد أنه يرى الحياة بكل صورها في صفحات هذا الكتاب، وفي كل قصة يضع يده على شيء تاه عنه طويلة، كما أنه ومن أول قصة حتى آخر قصة سيجد أن الكاتب يلامس أعماقه ويتحسس دواخل نفسه، وهو ما سيشعره بأن هذا الكاتب ذا الحسية المفروضة، لم يكتب ما كتب إلا ليشعره بأن هناك من يسمع أنينه ويشعر بألمه ويحاول الإجابة على أسئلته، وربما يبحث معه عن أجوبة لأسئلة كثيرة لم تزل تقلقنا جميعا.

ولأننا لا نستطيع أن نقدم لكل قصة من القصص المجموعة لكثرتها فإننا نكتفي بالإشارة إلى بعض القصص التي تحمل كثيرا في طياتها، مما تميز به هذا الكاتب المبدع، ولأن كل قصة من قصص المجموعة هي واحة بحد ذاتها فنرجو أن يحصل القارئ على صورة عامة نجعل فيها الحديث عن هذا العمل المتكامل، الذي هو بمنزله عصارة فكر، وخلاصة تجربة لكاتب مبدع متبصر، يحاول جاهدا اهتزازات الواقع بخيوط إبداعه القوية الناعم.

وبما أننا بدأنا تقديمنا هذا بالمحطة الأخيرة للأستاذ محمد المنصور الشقحاء، فإنه من الواجب علينا أن نسلط الضوء على محطته الأولى، حيث إن هذه المجموعة القصصية هي المجموعة الثالثة عشر له، لقد سبقها إصداراته القصصية التالية:

البحث عن ابتسامة 1976م، حكاية حب ساذجة 1978م، مساء يوم في آذار 1981م، انتظار الرحلة الملغاة 1983م، الزهور الصفراء 1983م، قالت إنها قادمة 1987م، الغريب 1988م، الانحدار 1993م، الرجل الذي مات وهو ينتظر 1994م، الطيب 1997م، الحملة 2007م، والغياب 2005م.

أما إصداراته الشعرية فهي:

معاناة 1977م، بقايا وجود 1978م، ومقاطع من أوراق عاشق 1987م.


القلق والصمت والغياب في المحطة الأخيرة لمحمد المنصور الشقحاء
Ehsan Logo