تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

إيقاعية الوجوه في الفن التشكيلي النسوي السعودي

إيقاعية الوجوه في الفن التشكيلي النسوي السعودي

عبدالله السمطي

تشكل الوجوه بزواياها المتعددة، مهادا أساسيا في تجربة الفن التشكيلي، فهي بخصوبة عوالمها، وباتساع فضاءاتها في تعدد الملامح والتقاطيع، وفي حملها للدلالات الزمنية، والقومية، جعل منها نبعا أثيرا لدى الفنان التشكيلي، وانتقلت بها الاتجاهات التشكيلية من أفق البورتريه، والنظرة التقليدية الكلاسيكية التصويرية، إلى أفق آخر يعكس التعبيرات الجلية والمضمرة، كما يتبدى في الفن الحديث لدى ماتيس وبيكاسو على سبيل المثال.، وسوف نتخذ بعض النماذج الفنية عند عدد من الفنانات التشكيليات السعوديات لإبراز كيفية رسم الوجوه وتأملها .
إن أول ما يلفت النظر في لوحات الفنانة التشكيلية علا حجازي يتجلى في الجاذبية اللونية التي تمارس سطوتها على الحواس، ثمة غبطة طفولية باللون، ثمة لعب لوني يتحرك ضمن المنظومة اللونية الطفولية ، إذا صح التعبير، حيث تلعب الفنانة بريشتها ، وتصطفي الألوان المبهجة الصريحة : الأحمر، الأزرق الصافي، البرتقالي، الأصفر، الأخضر الفاتح، وهي تستخدم هذه الألوان في تشكيل لوحتها إنما تقيم علاقة دلالية وطيدة بين ما تتضمنه اللوحة من خطوط ، ورسومات طفولية تستعيرها من عالم الطفولة حيث التشكيل في بدائيته، وحيث اختيار الموضوعات الطفولية نفسها: العروس، الدمى، البنات الصغيرات، شكل الفساتين ، الزهور، أدوات المدرسة، الحروف، علامات العمليات الحسابية ، واستخدام هذه الدلالات التشكيلية في لوحة مركبة من بعض هذه الدلالات، أو استثمار هذه الدلالات نفسها كموتيفات تشكيلية تتكرر ما بين لوحة وأخرى.


ويمثل الوجه  دائما مركز اللوحة عند علا حجازي ، إنه نقطة الإضاءة الثاقبة ، إنه العنصر الحي المتكلم الناظر المشاهد، إنه انطباعة الإنسان حيال العالم اللوني المحيط، الوجه في اللوحة علامة سيميائية، قدرة على البوح والرؤية، قدرة على تشغيل الحواس في جسد اللوحة، قدرة على محاورة الألوان والاحتفاء بها، إنها دلالات الحضور، ودلالات البوح والحركة. هكذا يمكن لنا تأويل هذا الوجه- المركز. 


وفي لوحتها " وجوه" تقسم أمل فلمبان اللوحة بشكل هندسي طولي وعرضي، إلى ستة أقسام متفاوتة المساحة، حتى إن اللوحة بصيغتها الكلية تأتي على شكل مربع ( 100x 100 ) لكنها تكسر هذا المربع بذهنية الاستطالة الدقيقة، بمعنى أن التركيز على استطالة الوجوه والأجسام النسوية في اللوحة وبعض أعضاء الجسم الأخرى أعطت بعدا مغايرا لمساحة اللوحة المربعة، وتمثل الأنثى الممسكة التفاحة في منتصف اللوحة مركز اللوحة الأساسي. 

تتشكل لوحة ( وجوه) من عدة عناصر : شخوص نسائية، آنية زهور، أوراق أشجار متطايرة. 

في منتصف اللوحة أنثى تحتل مساحة اللون طوليا تقريبا، خلفها شكل وجه أنثوي مغمض العينين قليلا كأنه في ابتعاده في الخلفية يدقق النظر، يصبح النظر أكثر تأملا ، فيما إن وجه الشخصية الأمامية أكثر جلاء ووضوحا : فالعينان مفتوحتان تماما، والوجه مكتمل التعبيرات، وعلى يمين ويسار اللوحة أنثى جالسة على درج، وأخرى واقفة مستندة برأسها على وجه الشخصية الأمامية الأساسية في اللوحة. 

الوجوه متعددة الجوانب، كان " بيكاسو" ينهض بذلك في لوحته ليعطي دلالات أخرى حيث يقوم برسم الوجه من زوايا متعددة، هذا التعدد يدل على أبعاد سيميائية في اللوحة. أمل فلمبان تستدعي هذا التعدد وهذه الأبعاد. 

وفيما يمثل " السماوي" اللون الأكثر دلالة على الاتساع بما يمنحه من فضاء مطلق، فإن اللون البرتقالي في منتصف اللوحة يعطي الدلالة الأكثر توهجا بأهمية الأنثى في منتصف اللوحة. 

هي تمسك بتفاحة .. هل تشير إلى الآخر؟ هل هن في انتظار آخر يأتي من التأمل، من المطلق المتواري خلف النافذة في سماويته؟ 

هل ثمة من بعد زمني ؟ قطار الوقت الذي يمضي، فتتساقط أوراق الشجر، وتنحلُ الأجسادُ ، وتدق النظرات، وتسكن الحركة؟ 

إن " وجوه" أمل فلمبان تشي بذلك كله، وهي تستخدم ثيماتها وعناصرها في اللوحة كالزهرات والتفاحة والشمعة والطائر، وأوراق الشجر المتطايرة لتهب لوحتها قدرا من الرمزية ، وبعدا تأويليا يجعل الذهن في يقظة دائمة على الرغم مما يبدو على اللوحة من سكون وتأمل ودعة. 

وقد اصطفت حنان باحمدان الوجوه، وقدمت بورتريهات متنوعة لهذه الوجوه، والوجه هو عنوان الإنسان وميسمه، وحين يقدم في لوحة تشكيلية فإنه يقدم بأشكال وطرق متعددة ، هذه الطرق تحمل دلالات الانطواء والعزلة، وقد تحمل دلالات الفرح بالحياة في لحظتها الماضية. إنها وجوه منسية عابرة نراها في الشوارع في الطرقات في المقاهي في الحياة العامة في العمل، في الحقل، على بوابات المدارس أو المصانع ، وجوه عابرة منسية، تستعيدها الفنانة هنا لترسخ وجودها فنيا، لتقتطف منها هذه اللحظات الجميلة أو غير الجميلة، فمن المهم أن تبقى دلالاتها .
  
تتجه حنان باحمدان في تشكيلها للوجوه إلى وجوه البسطاء لاكتشاف وسبر إنسانيتها، وفي وجوه البسطاء تتجلى الدراما بأفدح تفاصيلها، فالضحكة ليست هي الضحكة التامة، إنها ضحكة ساخرة من الناس والوجود ، والحزن حزن مخفي يتوارى وراء تقاطيع الوجه، ولا يبوح بتفاصيله في التقاطيع التي يناط بها الزمن، الحزن هنا شفيف لا حزن قهري بالضرورة أو قسري، الحزن لا يمتلك اللحظة وإن كان يغلفها ويحيق بها. 
  وتتجلى وجوه الفنانة هنا في شكل مستطيل على الأغلب، في وجوه تقشفت وتجعدت وشفت بفعل الزمن، وتركز الفنانة على إبراز تفاصيل الوجنتين البارزتين، والتجاعيد، في تجانس لوني تلعب فيه الخطوط الصغيرة المكتنزة دورها في إبراز معالم الوجه وتقاطيعه، كما تركز على شكل نظرات العينين المليئة بالدلالات بما تنطوي عليه من عمق زمني، ومن ثراء في التمعن في الأشياء وكأنها تقدم لنا حكمة العينين في تلقي الواقع. 

و الوجه الإنساني  عند الفنانة شادن التويجري هو الصورة التي يعبر بها الإنسان عن مواقفه، عن أحزانه أو مباهجه، ومن هنا اتخذ دلالات متعددة بدءا من الوصف السيميائي للوجه، حتى البعد التأويلي. إن سيمياء الوجوه مجال معروف في ثقافتنا العربية. ومن هنا لا نتوقع أن تنأى الفنانة عن الميراث العربي المعهود لقراءة الوجه وملامحه، فالعرب الذين أطلقوا فن الفراسة كانوا يحددون الملامح بشكل بديهي ويقرأون به النسب، والجنس، والنوع، وحياة الأمم، بل ويقرأون أحيانا ماذا يضمر الشخص من خلال قراءة وجهه وملامحه. 

لا تغيب هذه الرؤية كثيرا عن وجوه ولوحات شادن التويجري، حتى وإن انسربت في الوعي بشكل غير مباشر، أو عبر ما يسمى في الأدب ب" الوعي الحر" . وهو وعي يقتنص من الغموض والسريلة والآفاق البعيدة للحلم مجاله وحضوره. 

و تتحرك اللوحة عند شادن التويجري حركة رأسية على الأغلب، لأن الوجوه التي في أعلى اللوحة لابد أن يمتد الوصول إلى رسمها صعودا وهبوطا. هي في الأعلى دائما، وهذا العلو يتطلب رؤية رأسية للوحة وهذا ما تفعله الفنانة شادن التويجري في مختلف لوحاتها التي تقلنا إلى عوالم من الدهشة والترقب والتأمل. 


إيقاعية الوجوه في الفن التشكيلي النسوي السعودي
Ehsan Logo