الخليل أحمد الفراهيدي.. مؤسس علم العروض (أوزان الشعر) وواضع أول معجم للغة العربية
إعداد: مجاهد حسين نعناع
هو أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي من بني راح يد بن مالك بن فهم، عربي النسب من عمان، ولد فيه الأجد سنة 100 هجري، وهو مؤسس علم العروض ومعلم سيبوبه وواضع أول معجم للغة العربية وهو العين.
أخذ النحو عن: علي بن نصر الجهضمي، عاصم الأحوال، وآخرون.
من تلاميذه: سيبويه، الكسائي، الأصمعي، وآخرون.
إن الحديث عن العالم الجليل الخليل بن أحمد الفراهيدي يسير في نفس مشاعر العبقرية الفريدة من نوعها، فقد كان الخليل يقف عند ظواهر الأشياء وقفة المتعمق، ويغوص في مكامنها أوصل واعي الحريص على استنباط كنهها واستخلاص النتائج مما غمض على عامة الدارسين من أسرارها، فيبرزها في صورة جميلة واضحة سرعان ما تغدو قواعد يحتذيها كل سائر على درب الفكر والعقل.
لقد شغل الخليل نفسه بعلوم اللغة العربية وتراكيبها وأوزانها واستنبط لنفسه وسائله وأدواته الخاصة شأن كل صانع ماهر وعالم حصيف يعكف على تطوير أدوات العمل التي بين يديه حتى يستجيب لتطلعاته العلمية المتشوقة إلى الاستنباط والوصول إلى النتائج الأفضل للبحث الطويل المتعمق.
ولعل الدارسين يعرفون من أعمال الخليل عملين اشتهر بهما أيام الشهرة وضع صيته في الآفاق تأسيسا على قدرتي الإبداعية الفذة التي بدأت معالمها في العملين كليهما أكثر من أعماله التي لا تقل أهمية، ولكن طالت يد الحدثان منهما الكثير.
ولعلنا نحاول أن نستوضح في عجالة ملامح العملين اللذين اشتهر بهما الخليل وهما: " علم العروض" الذي عني بضبط أوزان الشعر العربي، و" كتاب العين" الذي وضعه الخليل قابوس ا لغويا صوتيا يستند إلى مخارج الأصوات في وضعه، وهي خاصية ميزت " قاموس العين" عن غيره من مختلف القواميس والمعاجم.
أولا: علم العروض
لقد كان الشعراء فيما قبل عصر الخليل يمتلكون ناصية اللغة امتلاكا أعانهم على التعبير عن دخائل أنفسهم في قالب شعري رصين، وفي سابقة مطبوعة على النظم الصحيحة من حيث ضبط الأوزان ونظم القصائد.
إلا أن مع مرور الأيام والتغيير الأزمان، وتفاوت النبوغ الفني لدى الشعراء المتأخرين أقعد عديدا من الشعراء عن الالتزام بضوابط القرض الشعري، مما أدى إلى الإخلال بأوزان الشعر نتيجة ضعف الملكات الشعرية، وهو الأمر الذي أزعج الخليل بصفته أحد علماء العربية مرهف الحس، فكان أن تفاعلت حساسيته في الشديدة مع غيرته على اللغة العربية، و توقدت عبقريته الإصلاحية التواقة إلى الخلق والإبداع، ولاحظ ليضع أمر الوزن الشعري في نصابه ويوفر له أسانيد الاستقامة والانضباط، فشرع في تأسيس علم جديد على اللغة العربية، بل ربما جديد على كل العلوم قاطبة في مجاله وهو علم " العروض" الذي يقوم ما أعوج من أوزان ونغمات.
وتذكر كتب تاريخ الأدب في مناسبة إقدام الخليل على وضع حلم العروض أنه لما أزعجه خروج الشعراء عن على المألوف من الأوزان طافة بالكعبة ودعا الله أن يلهمه علما لم يسبق إليه أحد من السابقين، ثم اعتزل الناس وأغلق عليه بابه، وأخذ يقضي الساعات الطويلة يا جماعة أشعار العرب ويزنها على أنغامها ويجانس بينها حتى حصر كل الأوزان الشعرية المألوفة وضبطها وحدد قوافيها فيما عرف بـ " عروض الشعر".
وبعد رحيل الخليل سارة علم العروض مادة يتدارسها طلاب العربية حتى يومنا هذا دون إضافات تذكر، اللهم إلا بعض الشروح والتفاسير والأوزان التي ظنه اللاحقون عنا الخليل قد أغفلها بالرغم من أنها لم ترتق إلى مصاف البحور الأصلية التي وضعها الخليل رغم احتفاظها بميزة الاجتهاد والابتكار، وما يزال وعلماء اللغة والأدب في قلت لهم ينكرون الخروج على أوزان الخليل، ويعدون الشعر الذي يتحرر منه الوزن والقافية خارجا عن إطار الشعر ويلحقونه بالنصر نظرا لخلوه من الأوزان التي عرفت بـ " بحور الشعر".
ومما يجدر ذكرى أن بعض علماء اللغة لجأ إلى استخدام عروض الشعر بوصفها وسيلة لتسهيل حفظ قواعد اللغة العربية والدين والقراءات، فعمدوا إلى نظم تلك القواعد على أوزان خليلية، وبذلك استفادت علوم أخرى غير الشعر من علوم العروض ليكون أداة للحفظ على الشعر العربي وصيانة أوزانه.
هو من أشهر ما ورد من نظم في ذلك المجال ألفية ابن مالك الشهيرة في قواعد اللغة العربية التي تبدأ بقولها:
كلامنا لفظ مفيد كاستقم ***** واسم وفعل ثم حرف الكلم
وعلى المنوال نفسه نسج واضعوا أحكام القراءات القرآنية يسهلوا على الطلاب حفظ تلك الأحكام، إذ أن الوزن الشعري للقواعد يعين على استظهارها كما هو معروف، وبخاصة منها ما كان صعب الاستظهار تداخل القوانين والتشابك الأحكام.
لقد اعتمد الخليل في وضع هذا العلم على مصطلحات لغوية كان العرب يستخدمونها في حياتهم اليومية، كما استمد من أسماء بعض الأدوات المألوفة وبخاصة تلك الأدوات التي تشد بها الخيمة في الأوتاد والأحبال والأسباب وغيرها ليكون قريبا من أذهان المتلقين يتقبلون العلم الجديد بقبول حسن لا يستفيدون منه خير إفادة، وحتى يقبل عليه أولئك الذين نفسها جوه أشعارهم على أوزان وقوالب لم يعرفها العرب، روبي ذلك يحتفظ الشعر العربي بخصوصيته الفريدة.
إن البحور عند الخليل تقوم على خمسة عشر وزنا تسمى " بحرا" وهي: الوافر، الهزج، المتقارب، الكامل، الوجز، السريع، الرمل، الطويل، البسيط، الخفيف، المجتث، المنسرح، المديد، المضارع، المقتضب.
وقد ظلت أوزان الخليل أحد أهم المقاييس لبيان حسن الشعر من رديئة، كما تحفل المكتبة العربية في العديد والعديد من المؤلفات المتعلقة بهذا العلم القديم الجديد" علم العروض" الذي يعود الفضل في وضع أساسه وأركانه إلى العالم الخليل بنت أحمد الفراهيدي الذي أعجزت عبقريته من عهده ومن جاء بعده على السواء، حيث لم يجاريه في عمله أحد يضع القواعد والقوانين ويبتكر العلوم النافعة ويفسر ما غمضة منها ويأتي بما لم يسبق إليه سابقه.
وهنا سؤال يطرح نفسه: هل يلقي الخليل وعلومه القيمة مزايدا من البحث والتأصيل والتنقيب وعما ضاع من علوم اختص بوضعها الخليل عن غيرها؟
إننا جد مطالبين بملاحقة الماضي واستيراد بعض أعمال الخليل ونفض ما تراكم عليها من سحائب النسيان.
ثانيا: الخليل ومعجم العين
أما في الجانب اللغوي من تراث الخليل الخالد ما أقصد به على وجه التحديد " كتاب العين".
حري بنا ال نبذل كل الجهد لنقف على ما يزيد من الجوانب شخصية الرجل الذي التف حوله التلاميذ المخلصون وينهلون منه علمي ويسعون إلى مواصلة الإبداع الفكري الذي بدأه، ويحفظون مسيرة الفكر العربي ناصعة متألقة، فقد أصبح تلاميذه من بعده علماء مخلصين ظهرت عليهم معالم النبوغ فتوسدوا أعلى المراكز العلمية، ثم التفة من حولهم تلاميذ لهم يأخذونه عنهم ويطورونه ما أخذوا وينشرون نتائج فكرهم في مختلف الأعصار العربية والإسلامية.
لما أكثر القارئون للقرآن من الغلط ولا حل فيه القراءات قرر أبوه الأسود الدؤلي أن يضع النقاط على الحروف لضبط مخارج الألفاظ -جزاه الله كل خير على الأمة الإسلامية جمعا- ولكن الخليل هو الذي ابتكر الفتحة والضمة والكسرة بوصفها علامات إعرابية، وبذلك زعل اللبس بين النقطة التي تميز الحروف عن بعضها وبين العلامات الإعرابية التي تختلف في مهمتها عن النقاط التي على الحرف، وانت قلة ابتكار الخليل النحوي إلى مختلف مدارس القرآن واللغة العربية عموما، مما أزال الغموض عن اللغة لدى جمهور المتأخرين من العرب ومن دخل فيه حوزتهم من المسلمين، إذ أن العرب الأقدمين لم يكونوا بحاجة إلى نقاط على الحروف أو علامات إعرابية لكي يجيدوا النطق بلغتهم التي كانوا يمتلكون ناصيتها امتلاكا دونما جهد أو عناء.
وهكذا صار الخليل منعطفا هاما وضروريا في تاريخ النطق بالعربية، وصار بمثابة نهاية عصر وبداية عصر جديد في التعامل مع اللغة العربية بشكل سليم من خلال الضوابط التي وضعها في نتائج فكرة الوقاد، ولكي ندرك مدى أهمية ما صنع الخليل علينا أن ننزع العلامات والهمزات على الحروف ثم نقرأ اللغة العربية، هل لنا إلا ذلك من إمكانية أو سبيل؟ بلي أن أقول: إن ما نعنيه من عثرات لغوية في عصرنا وبسبب تجاهل ضوابط علماء اللغة كالخليل وأبي الأسود وتلاميذهما.
كيف وضع الخليل معجم العين؟
قام منهج تأليف " العين" على نظرية صوتية وضعها الخليل، وهي الأخذ بالمخارج الصوتية لترتيب الحروف في المعجم ترتيبا يبدأ من الحروف التي تخرج من الحلق، ثم يتقدم شيئا فشيئا حتى ينتهي بالحروف التي تخرج من الشفة، ثم بعد ذلك حروف العلة، ثم الهمزة.
وقد جعل الخليل لكل حرف من تلك الحروف كتابا خاصا به، وقسم كل كتاب بدوره إلى أبواب أسماها:
باب المضاعف، باب الثلاثي الصحيح، باب الثلاثي المعتل، باب اللفيف، باب الرباعي، وباب الخماسي.
ثم أخذ في كل باب يركب الحرف الذي يبدأ به الباب مع ما يأتي بعده من حروف متناولا كل حرف على حدة، مكان أول الكتب هو حرف " العين" الذي اختير ليكون عنوان المعجم بكامله، ولدي يبدأ به ترتيب الحروف ترتيبا صوتيا كما يرده الخليل، على ذلك ترتيب الحروف الهجائية بأكملها على النحو التالي:
ع - ح - ه - غ - ق - ك - ج - ش - ض - ص - س - ز - ط - د - ت - ظ - ذ - ن - ر - ز - ن - ب - م - و - أ - ي ثم الهمزة.
وهكذا نلاحظ أن الترتيب الصوتي عند الخليل بدأ بحرف العين الذي يخرج من أعماق الحلقة، ثم انتهى بحرف الميم الذي يخرج من طرف الشفة، وبعدها حرف العلة الواو والألف والياء، ثم الهمزة.
من أقواله المشهورة: (إذا خرجت من منزلي لقيت أحد ثلاثة: إما رجلا أعلم بشيء مني فذلك يوم فائدة، أو رجلا مثلي فذلك يوم ذاكرة، أو رجل دوني في ذلك يوم ثواب).
ومن أقواله كذلك: (من الناس من يدري ويدري أنه يدري فذلك عالم فاتبعوه، ومنهم من لا يدري أنه لا يدري وذلك جاهل فاحذروه، ومنهم من يدري ولا يدري أنه يدري فذلك ضال فأرشده).
وغير ذلك من الأمثلة والحكم المأثورة التي تدل على علم واسع وأدب وفير وتواضع جنب حتى قال عنه ابن المقفع حين لقيه: (رأيت رجلا عاقلا أكثر من علمه).
توفي الخليل بن أحمد الفراهيدي في البصرة في يوم الجمعة لثلاث بقين جماد الأخر سنة 173هـ الموافق 789م.
لقد توقفت مسيرة الخليل العلمية بوفاته، إلا أننا ما نزال ننعم بنتاج عقله وننهل من إبداعات فكرة التي طالتها أيادينا بعد رحلة الزمن الطويلة بين عصر الخليل وعصرنا، تلك الرحلة التي تزيد على الألف عام بكثير.
رحمك الله يا أبا عبد الرحمن، وجزاك الله عن المسلمين خير الجزاء بما قدمته لهم من خير عميم ومعرفة قيمة وعلم ينتفع به.

