تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

رواد ُ الشعر الحر وتجديد القصيدة العربية المعاصرة

رواد ُ الشعر الحر وتجديد القصيدة العربية المعاصرة

كان المجتمــع العربــي فــي منتصــف هــذا القــرن مهموما بكثيـر من القضايا المتعلقة بالتجديد والتحرير والثورة والاستقلال، وقد امتلأ الشارع العربي بهذه الكلمات لانشغاله بالهموم العربية الإقليمية والقومية «وخلال أكثــر مــن نصــف قــرن... استمرت عوامـل المقاومة في التفاعل داخل المجتمع العربي  وتبلورت شيئا فشيئا في مواجهة الاحتلال جبهــات وطنيــة مكونــة مــن أحزاب سياســية متعددة المشارب والاتجاهات، نجحــت في صياغة برنامج جديد للحركة العربية مضمونه الأساسي الاستقلال وتكوين نظام إقليمي عربي عبر عنه تأسيـس الجامعــة العربية التي جسدها و ضبــط صياغتها أكثــر فأكثر تيار ُ القوميــة العربيــة لما بعــد الاستقلال منــذ الخمسينيات كانت الغلبة في كل هذا لقوى التغييــر المندفعة إلى الأمام الباحثة عن وجه جديــد للحيــاة فــي كل مظاهرها السياسية والاجتماعية والفكرية.


الدكتورة كاميليا عبد الفتاح


وقــد بزغت إلــى الوجود طبقـة اجتماعيـة استرعت الانتباه إليها وإلى حاجاتها المختلفــة ، وهــي الطبقـة المتوســطة التــي لم تجــد فيما هو متــاح مــن النتاج الشعري والأدبي ما يعبر عن همومها الخاصة ، وبدا هذا الفـراغ من جهة - والحاجات الملحة للمجتمع الجديد من جهة أخرى - مــن أبــرز الدوافع للقصيــدة الجديدة التي قدمها رواد الشعر الحر، وإزاء مفهــوم مختلــف للقصيدة ووظيفتها «وإزاء الطرح الحياتي والأدبي لتــازم الصلــة بيــن الفكـرة والصور والأشكال التعبيرية أصبح الشــكل الصارم للقصيدة القديمة الذي كان سائداً حتى قدومهم غير صالح كأداة بأي حال من الأحوال» ويعبر الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي –أحد رواد هذه المرحلة - عن هذه الصلة بين طبيعة المناخ العام في هذه المرحلة وبين ظهور القصيدة الجديدة، فيقول:

«لمــاذا القصيـدة الجديدة؟ لأنها حاجة حيوية كما أنها حاجة ثقافية : حاجة حيوية لأن كل شــيء في حياتنا قد تغير، وما دامت الأشياء قد تغيرت فلا بــد أن تتغيــر الرؤية» ويربط الشـاعر بين حاجــة المجتمع إلى الخلاص السياسي وحاجة الشاعر إلى الشعر الجديد المعبر عن شخصيته الجديدة، فيقول: «الجســد المصعوق ليس جســد الشـاعر وحده، بل هو الجســد العربي كله الذي يختلج بعنف منذ خروجنا من العصور الماضية متأخرين وألقينا بأنفسنا -أو ألقي بنا - في هذه العصور الحديثة التي كانت فيها انتصاراتنا المحدودة وهزائمنا الكثيــرة آلاما متصلة غيرتنا وغيرت العالم فــي عيوننــا صورة ومعنــى، فنحن لا نملك إلا أن نــرى ونحصل ونبحث لهــذا العالــم الجديد عن لغة جديدة ولنقل باختصار: أن القصيدة الجديدة كان لابــد لهــا أن تظهــر نتيجة للتطورات والهزات الشــاملة التي تعاقبت منذ اغتصاب فلسطين إلى الآن.

الاطلاع ُ على الثقافة الغربية ، والوعي ُ الفني ُ الجديد .

كذلك كانت القصيدة الجديدة التي قدمها رواد الشــعر الحر نتاجا طبيعيا لذلك الوعــي الفنــي الجديــد الــذي تشكل لــدى الشــعراء المعاصرين باطلاعهم علــى الثقافة الغربية وتوفرهم علــى المقارنة بين مقومات الحضارة الغربية والحضارة العربية، يقول صلاح عبد الصبور واصفا ذلك:

«نحن نعيش الآن مرحلة تغير جديد منذ أن اصطدم هذا الشــرق العربي بالحضارة الأوربية التي تقدمت صناعيا وفنيا إلى حد كبير، وطمح إلى أن يقيم الموازنــة الواجبة بيــن ماضيـه وتطلعاته وبين جذوره وآفاق استشراقه، واستطاعت هذه اللغة الخالدة أن تحوي أدبه الجديد، ومن البديهي أن هذه التغيرات الحضارية قد انعكســت انعكاســا واضحا على الأدب العربي وإلا لما كان الأدب مصداقا لعصره أما الغرب في صورته الثقافية والحضارية فقد هيأ الاحتكاك المعرفي، واستنفر قوة المحاكاة والاستفزاز والمنافسة.

وقــد لفتت الثقافــة الغربية أنظار الشــعراء والنقاد –على حد سواء- فترددت على ألسنة الجميع أسماء رموز هذه الثقافة –فــي مجالاتها المختلفة وعلى رأسها مجال الأدب والشـعـر «فهنـاك فــي كل الجمعيــات والروابــط الأدبيـة والمقاهي تجمــع هــؤلاء الدارســون الجــدد الذيــن يشعرون بأن ســياط التاريــخ تلهــب ظهورهــم للانتهــاء مــن صياغــة رفيعــة للفــن والواقـع في مصــر، وبدا كأن العيون تنكشــف –ولأول مرة- كونا جديدا يتألق بنجوم ٍ ، اسمها : شكسبير، تشيكوف، بول إيلوار، لوركا، ناظم حكمت ، ت.س . إليوت»

ويســجل الشعراء الرواد شهاداتهم بهذا الصدد بطرق شتى منها سيرهم الذاتية، ومنها تلك الإهداءات التي يوجهونها إلــى رمــوز الثقافــة الغربيــة فــي دواوينهــم أو قصائدهــم المفــردة معبريــن عن أثر هذه الرموز في تجربتهم الشعرية الجديدة، فيشــير السياب على ســبيل المثال إلى أثر بودلير في نفســه –»فهــو يلتفت إلى بودليــر ويخاطبه على الورق فــي وحــدة المــرض ويحمله ذنــب ضياعــه الأول... ويهديه العذاب الذي يحمله :

دخلت من كتابك الأثيم. حديقة الدم التي تؤج الزهر « ويصور السياب أثر نماذج شعرية غريبة يعينها في شعـره، منهــا قصائد الشاعرة الإنجليزية إيديت سيتويل، وقصيدة سينارا للشــاعر الإنجليزي داوسون وهو يصرح بإعجابه بهذه القصائد، ويبدي رغبته للمقربين منه في احتذائها، فيقول «هنــاك قصائــد أرددها، وأظــل أرددها حتى أحــس أنها من شعري وكتبتها لنفسي»

ولــم تقتصــر معرفــة الســياب على هــذه الرموز من شــعراء الغــرب، بــل قــد أتاحت له دراسته الإطلاع على دائرة أوســع منها، يقول في ذلك:

«درســت شكســبير وملتــون والشعراء الفكتورييــن ثــم الرومانتيكيين، وفــي ســنتي الأخيرتيــن فــي دار المعلمين العالية، تعرفت –لأول مرة- بالشاعر الإنجليزي ت.س إليوت، كان إعجابي بالشاعر الإنجليزي جون كيتس لا يقل عن إعجابي بإليوت».

وقــد ترجــم الســياب أعمــال كثير مــن الشــعراء الغربيين مثل «باوند وأراجون وإليوت وســتيول وسبندر وداي لويس ودي لامير وريلكه ورامبو ونيرودا».

ولــم يكــن الســياب ُ الوحيــد َ مــن رواد الشــعر الحــر فــي هذه المبــادرة فقــد قــام صلاح عبــد الصبـور - بالتعاون مــع وحيد النقــاش – بترجمة مســرحية «يرما وبعــض القصائد الأخرى» للشاعر الإسباني فيديريكو جارســيا لوركا «كما قدم ترجمة لقصيدة ت.س إليوت «أغنيــة حــب ج الفــرد بروفــروك» وصدرهــا بمقدمــة عــن إليــوت مفســرا فــي ذات الوقــت الإشــارات والتضمينات التي وردت في القصيدة من العهد الجديــد ومــن شــعر شكســبير والأدب الإنجليزي والفرنســي المعاصرين « بمــا يعبــر عــن ثقافة عبــد الصبــور الغربية أما البياتــي فقــد قــدم فــي كتابــه «رســالة إلــى ناظــم حكمــت وقصائــد أخــرى تقريبـا « – كمــا يقول عنــوان الكتـــاب – قدم - لقصائــد لبابلــو نيــرودا وأتو غلســتند، ومنلاوس لاودمس، بــول إيلــورا وأودن وهــاوارد فاســت، ولــوركا الــذي حظــي باهتمام خاص في هــذا الكتاب، وفضلا عن ذلك فقد ترجم البياتي –بالتعاون مع الفنان أحمد مرسى- كتاب «بول إليوار مغني الحرية والحب» للكاتب كلود روا وكتاب «أرغوان شــاعر المقاومة» للكاتبين مالكوم كولي وبيتر. س. رودس.

ويســجل البياتــي فــي ســيرته الشــعرية «حرائــق الشــعراء» مذكراته مع أبرز شــعراء الغرب والشرق أيضا الذين أثروا في تجربته الإبداعية، ويخص بالذكر لوركا والقاص جارســيا ماركيز ورفائيــل ألبــرت، وقد بلغ تأثره بالأخير حــدا قامت معه بعض الدراسات النقدية بإجراء مقارنــة بينهما فيما يتعلق بالتجربة الشعرية والإنسانية لكل منهما.

إن تجربة الشــعر الحر بكل ما قدمته من إسهامات فنية كانت تقدم في ذات الوقت نموذجاً شــعرياً جديداً لم يألفه الذوق العربــي التقليدي وإن كانت قد حافظت على بعض الخيوط بينها وبيــن هذا الذوق فهذه التجربة قد حافظت على بعض الخيوط بينها وبين هــذا الـذوق فهـذه التجربة استطاعت «نفض كل أصباغ الوجــه القديم، أو على الأقل ما فيها من مبالغة وخداع وتسطيح للموقف، وامتداد أفقي للصياغة، و أصبحــت تعتمــد أولا ً وقبــل كل شــيء علــى حــرارة التجربة وحيويتها وصدقها، ثــم علــى استغلال كل مــوارد الحيــاة الكامنة في خلايا الكلمات والتعابير والنسيج الفني بشــكل عام».


رواد ُ الشعر الحر وتجديد القصيدة العربية المعاصرة
Ehsan Logo