تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

مشاهد من رحلة إبراهيم الناصر الحميدان بين التذكر والتخيل وعالم السرد

مشاهد من رحلة إبراهيم الناصر الحميدان بين التذكر والتخيل وعالم السرد

خاص أحوال المعرفة

يمثل إبراهيم الناصر الحميدان واحدا من رواد الإبداع الأدبي في المملكة العربية السعودية في مجالي: القصة القصيرة والرواية، لقد استهل نهجه الأدبي المديد بإصدار مجموعته القصصية الأولى: ((أمهاتنا والنضال)) في العام ١٣٨٠هـ - ١٩٦٠م. كما أصدر في العام التالي ١٣٨١هـ ١٩٦١م روايته الأولى بعنوان: ((ثقب في رداء الليل)) وهو بهذا الاستهلال إنما وضع لبنة جمالية أولى في مشهد القصة القصيرة والرواية بالمملكة، هذا المشهد الذي كان في بدايات تشكله القصصي حيث لم تحمل هذه المرحلة إلا أعمال عدد قليل من كتاب القصة والرواية السعودية.

كانت الساحة الأدبية في أوليات تشكلها، كانت الأسماء الحاضرة ما تزال تشكل بواكيرها الأولى، وتنقب عن عمل أدبي يقدمها. كان الشعر هو المهيمن على المشهد، وفيما يزداد عدد الشعراء ويتنامى لم يكن للقصة القصيرة والرواية سوى عدد محدود من كتابها.

كانت هناك أسماء: سعد البواردي، وفهد العريفي، وحامد دمنهوري، مسبوقة ببعض الأعمال السردية البسيطة من لدن أحمد السباعي وعبد القدوس الأنصاري وبعض المحاولات السردية البسيطة.

لم يحظ هذا الفن السردي باهتمام كبير سواء على مستوى القراءة أم على مستوى المتابعة النقدية والإعلامية وقتها. كان فنا جديدا يسعى لمحاكاة ما تنتجه المراكز الثقافية العربية المعروفة في مصر وبلاد الشام. كان على إبراهيم الناصر الحميدان أن يمضي حثيثا لتقديم نتاجه الأدبي.

بيد أن هذا المضي الفني للأمام كان يتطلب قدرا من الاطلاع على المنجز السردي العربي والعالمي، للتأمل في كيفية تقديم الحبكة السردية القصصية والروائية، وأي الأساليب يمكن أن تحمل الحكاية بعمق، وإيضاح العلاقة بين الوصفي والسردي في الرواية، والوقوف على تحولات الشخصيات الروائية، والتفكير في الضمائر الراوية وغيرها من الأمور الفنية والأسلوبية التي ينبغي على السارد الوقوف على خواصها، وهذا ما فعله الحميدان في بداياته السردية.

يشير الحميدان في كتابه: " غربة المكان" إلى تأثره بعالم السرد الروسي حيث قرأ بعمق أنطون تشيكوف، وهو يعتبره أفضل كاتب قصة قصيرة في العالم، يقول الحميدان: " أسهمت دار اليقظة العربية في سوريا - ومثلها بعض دور النشر المصرية- بقسط وافر بالتعريف بالأدب السوفياتي ومنها تعرفنا على مكسيم جوركي وتولستوي وبوشكين إلى جانب تشيخوف، وبالمناسبة فإن مكتبتي تحوي حتى الآن بعض تلك الترجمات القديمة لفرط عنايتي بذلك الأدب، ومحاولة إبعاد التلف عنها، وقد أعجبني ما ألمح إليه بعض النقاد من أن المرحوم يوسف إدريس - القامة القصصية الكبيرة في مصر - تأثرت بعض أعماله بأسلوب تشيخوف ذات العوالم المهمشة المسحوقة بين الطبقات الدنيا الفقيرة، مما يعني أن الكاتب العظيم تبقى بصماته على الأجيال بعد مماته بعشرات السنين".

بيد أن هذا التأثر وحده لم يكن ليحقق فعالياته ما لم يقترن بالممارسة الكتابية، التي بدأها الحميدان بالكتابة في الصحف في جريدة ((الظهران)) وجريدة ((اليمامة)) حيث تشكلت لديه العناصر الأسلوبية التي جعلته على علاقة دائمة باللغة وأنسجتها المتعددة.

ويقص الحميدان طرفا من تجربته الكتابية الصحفية، حيث يقول: ((كانت علاقتي قد بدأت منذ وقت مبكر قبل التحاقي بالعمل بالمستشفى العسكري، عندما وقعت في يدي صحيفة محلية عنوانها: ((الخليج العربي)) كانت الجريدة فقيرة المادة تعالج مواضيعها بتهيب.. وكان هناك أكثر من كاتب يستعملون أسماء رمزية، وقد قررت بخطوة جريئة أن أزور إدارة الجريدة وأتعرف على العاملين فيها، وفعلا ذهبت إليها وتعرفت على رئيس تحريرها وهو الأستاذ / عبدالله أحمد شباط الذي مازال يكتب في جريدة اليوم، وقد أبديت رغبتي في التعاون مع الجريدة فأظهر ترحيبه وهذا ما تم إذ بدأت أكتب في الصحيفة مواضيع اجتماعية مختلفة ثم تطور التعاون عندما أوكل إلي الإشراف على الصفحة الأدبية التي تقرر بأن تصدر أسبوعيا، وعن طريق الجريدة تعرفت على بعض كتابها وأشهرهم الأخ: ((عبد العزيز مؤمنة)) و((أحمد طاشكندي)) و ((خليل الفزيع)) ومن هذه الجهة انطلق تعاوني مع الصحف المحلية الأخرى وقد تركزت أكثر مشاركاتي مع صحيفة ((القصيم)) لصاحبها: (( المرحوم عبدالله العلي الصانع))، وكان يرأس تحريرها الصديق ((عبد العزيز عبدالله التويجري)) .

عالم السرد

كانت المجموعة الأولى التي أصدرها إبراهيم الحميدان في العام ١٣٨٠هـ هي البداية التي استهل بها سيرته الأدبية، وقد صدرت بعد أحداث عربية كبرى تمثلت في نهوض واستقلال البلاد العربية عن الاستعمار الغربي، وبعد العدوان الثلاثي على مصر في العام ١٩٥٦م، وقد جاءت التسمية حاملة هذا المجال الدلالي الذي يمتدح النضال والكفاح من أجل الوصول إلى الاستقلال فجاءت تسمية المجموعة ب: ((أمهاتنا والنضال)) .

ويحكي الحميدان قصة طبع هذه المجموعة في كتابه: غربة المكان حيث يقول: ((أول مجموعة قصصية لي كنت قد وسمتها بعنوان: ((أمهاتنا والنضال (( ، حيث اتفقت مع دار نشر مصرية على تولي طباعتها بتكاليف محدودة وليست باهظة، لولا أنها جاءت مخيبة لأمالي بالنسبة للإخراج إذ جاءت صغيرة الحجم وأوراقها صفراء رخيصة، والغلاف لا يمثل أية مدرسة فنية، لذا فقد سارعت لإبلاغهم برفضي لهذا الإخراج فوعدوا بإعادة طباعته وتحسين إخراجه واستبدال الورق بأفضل من السابق". وأنقل هنا بعض الفقرات من المقدمة التي كتبتها تصديرا لمجلد الأعمال القصصية الكاملة الذي يضم ست مجموعات قصصية.

وفي سرد الحميدان يتقدم السؤال الإنساني وتنبثق الفكرة الاجتماعية

لقد اختزنت هذه المرحلة الآفاق الدلالية التاريخية بما فيها من أحداث وطنية وتاريخية واجتماعية داخليا وخارجيا، طغى فيها الهم العربي، وسادت مرحلة النضال الوطني والتحرر من الاستعمار الغربي، والصراع العربي الإسرائيلي، مما انعكس بشكل أو بآخر على الأبعاد الدلالية لبعض نصوص مجموعة: (أمهاتنا والنضال) حيث تحمل هذه المجموعة الهم الوطني العربي، وتعد نموذجا معبرا عن هذا الهم، أما المجموعات التالية فقد صدرت على فترات زمنية متقاربة أو متباعدة، وهي: أرض بلا مطر، غدير البنات، عيون القطط، نجمتان للمساء، العذراء العاشقة)، وتتضمن (١٠٦) قصة قصيرة، وهذه المجموعات جميعا تمثل تجربة الكاتب وصورته وتحولاته من مرحلة الأخرى، ومن تقنيات جمالية إلى تقنيات أخرى، تؤكد على سيرورة الرؤية الإبداعية لدى الحميدان، وعلى اعتصامه بالمخيلة السردية لتحقيق صورة فنية مثلى تعبر في الجوهر عن عالمه القصصي الأثير الذي تتشابك في أطرافه وجهاته الرؤى الرومانسية والواقعية والاجتماعية.

ذاكرة المكان ولوحاته:

ينطوي الفعل الإبداعي السردي عند المبدع الرائد إبراهيم الناصر الحميدان على جملة من القيم الفنية المثلى التي ترشح بها نصوصه القصصية، إنه يقف بدئيا موقف المتأمل في هذه اللوحة الإنسانية الكونية، المتأمل بدأب وبتساؤل شاسع، فيرصد النماذج والشخصيات المتحولة دراميا التي تختزن ذاكرة المكان والزمان معا، وعبر التحديق في الواقع وتبدلات المجتمع يتقدم السؤال الإنساني على ما عداه، تتقدم الفكرة وانبثاقاتها الاجتماعية ليس تقصيا لما هو سيسولوجي، إنما للبحث عن هوية الإنسان المعاصر الذي يحيا على إيقاع أحداث كبرى أو صغرى يشارك بها، يتأثر بها، وينفعل بتوتراتها حتى لو كان في بقعة قصية من العالم.

إن الوعي الماثل الذي يتحرك في مكامن نصوص الحميدان يتجلى في هذا الاحتفاء المترع

بالكثافة بكل ما هو جميل وفاتن، والجمال هنا لا يومئ إلى المعنى الحسي فحسب، أو إلى ما تطاله الحواس من لذة بصرية أو سمعية بل إنه جمال لا يحد، يمتد في المطلق عابثا بمكونات الحياة، مغتبطا بها إلى أبعد مدى... إن هذا الميسم السردي يحقق لدينا حالة شعرية باذخة تتحلى بها نصوص الحميدان. فمن الجمال النائم على شاطئ البحر إلى جمال المشهد الصحراوي حين تزحف عليه المدنية، إلى القرية الطاوية تجدد آمالها في أن تمسها يد الحضارة، إلى هذه الغرائبية ببراءتها وتلقائيتها ولا وعيها أيضا التي تتحرك في لحمة بعض النصوص وسداها.. إلى البحث القلق عن فتنة الحياة، وربما لذة الحزن التي يشير إليها الحميدان في أحد نصوصه بالقول: (معذرة ألا يكون أحدكم قد عاش حزنا أبديا كتجربتي، أو أنه فقد لذة الحزن لفرط ما عب من جرعاته المترعة، وتلظى على موقده المستمر حتى أصبح مدمنا على تناوله)، إن هذا كله يمثل فيما يمثل الأفق الرحب الذي تترى فيه نصوص الحميدان القصصية، والذي يحتضن تجربته الناهضة المتحولة التي تقدم جمالا من نوع آخر، يتجاوز تفاصيل الحسي إلى كينونة المعنوي.

مضامين سردية:

تتمظهر الفعالية السردية لدى إبراهيم الناصر الحميدان في إيثاره التعبير عن مكامن الجمال الإنساني بكل مستوياته من جهة، والبحث الأبدي عن الحرية بكل تجلياتها.... بما يمثل نسقا دلاليا جوهريا يتبدى حيالنا في التحليل الله نهائي لتجربة الحميدان السردية.. من هنا فإن السيرة العاطفية، والتجربة الوجدانية للشخوص القصصية، والكشف الدائب عن الجمال الأنثوي، وابتكار الأفق النسائي بكل صيغه، والانشغال بهموم المرأة بحثا عن الحب والأمل والغبطة والتوتر العاطفي الرومانتيكي والدرامي، أيضا تمثل أوابد أساسية لدى الحميدان، وتشغل مساحة كبيرة كمية ونوعية من قصصه في المجموعات الست... إنها أحلام ومواقف وتجارب، ورؤى، وصراعات صغيرة، وسورات عاطفية تحتدم في قلوب العاشقين يصوغها الحميدان بشكل نضر وتلقائي.. يبرز جانبا في العمق من جوانب الصيغة البشرية الإنسانية الباحثة عن الحب والجمال.

إن المرأة وعالمها تمثل بعدا دلاليا رئيسيا في تجربة الحميدان، ولو استقصينا من وجهة كمية قصص المجموعات، سنجد أن حضور المرأة فيها يتجاوز ثلثيها، سواء كانت المرأة بصورتها الرومانسية العاشقة أو المرأة بصيغتها الاجتماعية الصرف :أما وزوجة وأختا وابنة، وهي تظهر بشكلها القصصي لتقدم نماذج متعددة للمرأة سواء المرأة البدوية الصحراوية أم المرأة في القرية أم التي تسكن المدينة، وهي في كل ذلك لا تتغير كثيرا، فيما تقدم القصص، بل إن مزاجها وطبعها متقارب، خاصة فيما يتعلق فيها بالجانب العاطفي الرومانتيكي الذي يؤثره الحميدان في قصصه.. الذي نظر إلى النساء من منظور الجمال ، خاصة حين يتخلصن من الغضب كما تقول إحدى شخصياته: ((لو تخلصت النساء من الغضب لأصبح جمالهن يفتن عباد الله)) !!

في ظل هذا الأفق فإننا نطالع وجوها متعددة للمرأة في قصص مثل: ((أمهاتنا والنضال، أمينة، خيانة، الزوجة الثانية، العودة إلى الحياة)) حيث المرأة المكافحة، المرأة المثال، كما نرى المرأة المغوية الفاتنة، والمرأة البدوية والقروية والغجرية كما في : ((الوجه الأبنوسي ، والصديقة، والهينة، وعروس القرية، وغدير البنات، وناعسة في ليلة الفرح، والغجرية، والعذراء العاشقة)) على سبيل المثال. إن هذا الانشغال بالمرأة هو انشغال بقيم الجمال الإنساني وصوره المتعددة.

وتحمل القصص صورا من القضايا الاجتماعية المختلفة المتعلقة بمشاكل القرية وتطويرها والاحتفاء بالكهرباء مثلا، أو ظهور السيارات والهاتف والتليفزيون والراديو وأدوات الحضارة الأخرى ونظرة القرويين أو سكان الصحراء لهذه الأدوات واعتبارها (مخترعات شيطانية)، وتضمين ذلك رؤية غرائبية للأشياء، كما تحمل الهموم الاجتماعية وقضايا الزواج والطلاق والعنوسة، وقضايا العمل والمعيشة والقضايا الحياتية الأخرى، وهي تقدم ذلك في نسق فني واقعي اجتماعي يحتفي بالمباشرة وقيم الوضوح الفاتن الذي تتخلله تعبيرات سردية مكثفة تحملها لغة ذات إيحاءات بعيدة أحيانا. ولعل هذا الطقس القصصي الذي يفضي به الكاتب إنما يشكل لوحة تاريخية اجتماعية مهمة يمكن التأمل في دلالاتها وانعكاساتها لأنها تنقل التاريخ الحي التحتي كما ذكرت سالفا لمجتمع ما يزال يشهد من التحولات الخصبة ما تزكو به حياته، وما تتعزز به هويته وثقافته.

ولا تثريب على الحميدان وفق ذلك أن يقدم شخصيات اجتماعية وواقعية صرف، فأغلب شخصياته هي من الشخصيات المهمشة البسيطة التي تجابه الواقع والعالم بتلقائيتها وبراءتها، خاصة أنها تحيا في أفق زمكاني يختلف ويتعدد في ثقافته وثوابته ومتغيراته،وهي شخصيات تحتية بالأساس مما يعزز قيم المفارقة المكانية ما بين الصحراء والقرية والمدينة، وما بين الدخل والخارج، وهذا الاختلاف والتفاوت على المستوى المكاني أدى بطبيعة الحال إلى التفاوت الشخصي في آليات التفكير وتلقي الأحداث والتأثر بها والتأثير فيها.

إن شخصيات القرويين، والصحراويين، والعمال البسطاء، والنسوة المتشحات بالأمل، والصبية الصغار تمثل الملهاة المأساة القصصية التي يبرزها الحميدان في قصصه.. وعلى المستوى السيري فإن الذاكرة القروية للحميدان تلعب دورا دلاليا ناتنا في صياغة الأبعاد السيميولوجية والرمزية نادرا في خطابه السردي... ولعل للقرية وفق هذا ميسما، وتجليا كبيرين في هذا الخطاب.

مستويات لغوية:

وقد أصدر إبراهيم الناصر الحميدان بين عامي ١٣٨١-١٤٢٤هـ ثماني روايات هي: ((ثقب في رداء الليل، سفينة الموتى، عذراء المنفى، غيوم الخريف، رعشة الظل، الغجرية والثعبان، دماء البراءة، حيطان الريح)) وقد دارت الروايات جميعا في أفق واقعي اجتماعي كعادة الحميدان في طرح رؤيته السردية وتجربته الفنية، وقد واكبت هذه الروايات التحولات الاجتماعية التي شهدتها المملكة، ففيما ترصد رواية: ((عذراء المنفى)) مثلا بدايات تعليم المرأة السعودية عبر إحدى الشخصيات القصصية، تقدم رواية:

مشاهد من رحلة  إبراهيم الناصر الحميدان بين التذكر والتخيل وعالم السرد
Ehsan Logo