منمنمات الواسطي في مقامات الحريري: أول رسم تشكيلي لرحلات الحج قبل 800 عام
أحوال المعرفة – خاص
من أبرع الفنون التشكيلية المبكرة في العالم الإسلامي فن المنمنمات الذي يعود ظهوره للقرون الأولى في الإسلام، ومن الفنانين البارزين في هذا المجال الفنان يحيى بن محمود الواسطي الذي برع في رسم مائة لوحة لكتاب مقامات الحريري مضمنا 50 موضوعا من موضوعات الكتاب مع اللوحات .
وتطرز المنمنمات من الألوان الصريحة ويركز فيها الفنان على الألوان الرملية وألوان البني بدرجاته والأخضر بدرجاته والأسود فضلا على ألوان ملابس الشخصيات المتعددة التي تظهر في لوحات المنمنمات ، وكان يستخدم مزيجا من الألوان كالخردل الذي يخلطه بزيت الكافور الأسود في رسم منمنماته أو لوحاته التشكيلية، فضلا على توظيف الخطوط، وفقرات من الحكايات، وأحيانا يستخدم أبياتا من الشعر أو آيات قرآنية.
وقد ركز الواسطي في رسوماته على استلهام الحياة الإسلامية التي عاش فيها كما رسم عددا من المنمنمات يعبر فيها عن استلهامه لرحلات الحجيج التي كانت تمر عبر طرق الحج السبعة في صحراء الجزيرة العربية .
ومن أبرز لوحات الواسطي أو المنمنمات لوحاته عن رحلات الحج، حيث رسم بعض الرحلات التي تستخدم فيها الجمال غالبا، وبعض الخيول، وبين في منمنماته كيف يسير الحراس وكيف يفخرون بحرصهم على أمن القافلة من قطاع الطريق .
حيث رسم الواسطي أكثر من لوحة عن قوافل الحجيج مبرزا حالات التشوق والحنين في مقدمات رؤوس الإبل وأعناقها، وقد ابتدع الواسطي أسلوبا خاصا به. حيث نجده قد أعطى أهمية كبيرة للشخصيات التي تنصت وتستمع أو تراقب شيئا ما. هذه الشخصيات ترتسم على وجوهها تعابير واضحة.
كما صوَّر الواسطي الطبيعة، وصوّر الحياة اليومية من دون مجاملة أو تحيز، ولوحاته تعكس مجالس الأنس والطرب ، ومجالس القضاة، وقوافل الحج.
شخوص الواسطي ثابتة مستقرة متوازنة، تستند إلى الأرض بكل ثقة وصلابة، وليست عائمة أو تطوف في فضاء اللوحة يتأكد لنا ذلك من رسم خط الأرض، وما يمثل هذا الخط من مفردات بيئوية، من تشكيل جذاب مدروس للشوك، أو رسم شجرة برتقال أو جمل يحرك قائمته، أو حصان يمد رأسه إلى الأمام يتطلع قدما إلى الرحيل، مشاركا الحجيج رغبتهم العارمة الذهابَ إلى بيت الله، كما في صورة قافلة الحج.
ويبدو أن الواسطي كان يتذوق الشعر جيدا، لذا يحضر التناغم والتوازن والإيقاع كمعطيات واضحة في أعماله. إحدى اللوحات تُظهر حركةَ الجمل، وميلان أغصان النبات، وانحراف النخلة، والدجاجة التي تلتقط الحب.. كل هذه التفاصيل صوّرها الواسطي بروح تشكيلية. كذلك الحال في صورة قافلة الجمال، التي تبدو سيمفونية نغمية لفظية تشكيلية. وفي صورة الحج هناك تجاوب في الحركة المندفعة إلى الأمام، وترقب وتأهب من قبل الجِمال، وكلاهما -الإنسان ومطيته- يحسّ برغبة الوصول إلى مبتغاه بسرعة، وحركة الرايات المندفعة إلى الأمام.. كل هذه صور شعرية بحتة.
وقد عاش يحيى بن محمود الواسطي في القرن الثالث عشر الميلادي ، وهو رسام وخطاط عربي مسلم اشتهر بفن المنمنمات الإسلامية، ويعد أحد أهم مؤسسي مدرسة بغداد للتصوير وأشهر الرسامين العرب والمسلمين في أواخر العصر العباسي ، ولد في مدينة واسط في وسط العراق في بداية القرن الثالث عشر الميلادي، وقد كتب نسخة عام 1237م من مقامات الحريري المعروفة، وزينها بمائة منمنمة من رسومه وكان عمله هذا أول عمل في التصوير العربي يُعرف اسم من قام به ورسمه.
وكان الواسطي مثقفا واسع الاطلاع وترجم الصور الذهنية إلى واقع، عاصر جيلا من مفكري بلاد الرافدين أمثال المؤرخ ابن الأثير الجزري والعالم ابن الرزار الجزري، والجغرافي ياقوت الحموي، وغيرهم.. أقام معارض في مكتبات المدرسة المستنصرية ببغداد واقتنيت له أعمال فنية (مخطوطات) في الأندلس والمغرب العربي خصوصا من قبل ملوك الموحدين في مراكش
ويحيى الواسطي صاحب مدرسة بغداد للتزويق، كما كان يُطلق على الفنون التشكيلية.
وقد عُرفت فنون التزويق في الحضارة العربية الإسلامية مع ما عُرف من مؤلفات الحضارات والموروثات السابقة .
هوامش:
· https://alrai.com/article/334880

