الدهام في كتابه الجديد: هذه مقاربات واعية بين التشكيل والأدب
عبد الحفيظ الشمري
بيت التجويد والبناء سمة عطاء بارع
عُرِّف الفنان التشكيلي سمير الدهام ومنذ أربعة عقود في مشواره الإبداعي بوصفه واحداً من الفنانين الذين ينتهجون أسلوب التكوين الواقعي الذي يمزج الجماليات بالتجريد المفضي إلى فهم جمالي واضح يحقق المتعة والفائدة من لحظات التأمل لأي عمل يقدمه الفنان للمشاهد.
ففي هذا التعالق بين الرؤى الجمالية الثابتة يبرع الفنان الدهام في أثر الفن بأبعاده الاستلهامية الشيقة ... تلك التي تحقق للمشاهد متعة التأمل، والاستنطاق المفضي إلى فهم حقيقة لكينونة الإبداع وعطاء الإنسان المسلح بالمعرفة والوعي.
فالدهام وإن قارب بين هذه المفاهيم الفنية، وتجارب جمالية أخرى; فإنه يخلص صراحة إلى استنباط الفكرة الجيدة، واستحضار اللون المناسب، ورسم الخطوط الواضحة لكي لا يكون العمل الفني لديه مجرد تجريب وحسب إنما ليتجسد على هيئة إطار فكري مكتمل، يحدد مسار التجربة التشكيلية لديه، ويأذن في إقامة تواصل واضح بينه وبين المشاهد، لخلق ثقة جمالية تحقق للذائقة أجمل ما تريد.
لقد نهل الفنان سمير الدهام من معين التراث المحلي، واستنبط الرؤى الإنسانية فصاغ هذا المشروع التشكيلي المتكامل، حيث امتد على مدى أربعة عقود ولا يزال.. فهو المواظب دائما على بناء معادلة (الجمال والفائدة).. ففي الطرف الأول من هذه المعادلة يطمح الفنان «الدهام» إلى تقديم ما يدهش من جماليات التكوين الفني، وفي الطرف الآخر يؤسس لأهمية أن يخرج المتأمل للوحاته بفكرة واضحة لا يمكن أن تلتبس عليه أي صورة أو تتداخل فيما سواها.
يستحضر الفنان سمير الدهام صورة البيئة المحلية، حيث يبرع في رسم صورة الإنسان المكافح على نحو لوحة الراعي والعامل والمزارع والفنان الحرفي والنجار وصانع التحف، فهؤلاء يرى فيهم الفنان طاقة هائلة من العطاء، فهم إلى جانب كونهم شخوصاً لأعماله يظلون في حالة دائمة لإنتاج فن يوازي حقيقة المتعة، ومؤثرات الفائدة، حيث يكون هؤلاء طرفاً فاعلاً في معادلة النجاح والتمّيز والبهاء في أي لوحة يقدمها الفنان.
«بنات أفكاري» بين خطوط الفن وحروف الأدب
يقدم الفنان سمير مرزوق الدهام ومن خلال كتابه الجديد «بنات أفكاري» رؤية جديدة ونادرة في حضورها إلى القارئ.. ليقدم لنا من خلال مقاربات فنية وأدبية في اللوحة، فيعرض أمام الجميع ما عنَّ له من صور معبرة برؤيتين متقاربتين قابلتين للقراءة.
ففي كل صفحتين من صفحات هذا الكتاب نطالع على الضفة اليمنى لوحة تشكيلية من أعماله، وعلى الأخرى نصاً أدبياً يولد الصورة الفنية المكتوبة، إلا أننا وأمام هذا التأمل ندرك أن كل نص في الكتاب يأتي مفسراً للوحة أو التكوين، حيث يكون الأصل للفن التشكيلي ومن ثم يأتي النص الأدبي ليمازج بين الرؤى ويضيف بعداً دلالياً على هذه الأعمال اللي قدمها «الدهام» بحرفية عالية، تشيع الكثير من الفن الواقعي الذي لا يقبل التأويل أو الشطحات التصويرية.
أمرا آخر نقف في موازاته مع هذا الكتاب الجديد للفنان الدهام يتمثل في الفوارق الزمانية بين تاريخ اللوحة ولحظة كتابة النص المرافق لها، حيث يعتد الفنان بالكتابة الآنية عما ظل يجيش بخاطره من رؤى وأفكار منذ أن رسم هذه اللوحات وحتى كتابته لهذه النصوص الجمالية التي تحقق بعدها التأثيري بالذائقة على نحو استلهامي مميز يحسب للفنان سمير الدهام بوصفه أستاذاً بارعاً لجيل كامل من الفنانين في الوطن.
فالرحلة التي تجمع الفن التشكيلي بالأدب المكتوب هي دائماً ما تكون غاية في الروعة والإدهاش، حيث يظل البعد التذوقي كامناً في تضاعيف هذه التجربة; ففي رحلة كتاب «بنات أفكاري» على وجه التحديد نجد اللون والخطوط والأبعاد والصور ونكهة المشهد المصور. كما نجد في المقابل النص وقد احتشد بمتعة الإبداع في اللفظ، وتجسيد الرؤى الجمالية، ففي هذه المزاوجة بين الفن والأدب يخرج القارئ برؤية متكاملة تتعاضد فيها الصور الجمالية وتتزاحم جنباً إلى جنب مع معطيات إنسانية متواثبة في البناء والتميز والحضور الإنساني.
في كتابة «بنات أفكاري» يلون سمير الدهام مساحة هائلة من أفق الوطن لنراه وقد أبدع في رسم صورة الإنسان الحقيقي الذي يسعى إلى بناء مجده الجميل ، وتأمله الواقعي للحياة التي لا تقبل الخيال المفرط ، وإن جاء الخيال في تجربة الفنان الدهام فإنه يظل خيالاً محفزاً لقيام رؤية استنطاقية لبعض الجوامد التي لا يمكن الفنان أن يقدمها بحالته الراهنة على نحو ما يرسمه للمشاهد من تصوير للبناء والحجارة والطين والأدوات التي قد أصابها شئ من البلى والركود ، إلا أن قدرة الفنان الدهام قد تواصلت في بناء هذه الحقيقة الفنية ليجسد لنا البعد الإنساني الحقيقي وإن كان من خلال هذه الصور الخيالية التي تعتمد على فكرة التخييل للواقع رغبة في تمثله بصورة حقيقية وواضحة تحقق المتعة والفائدة .
في كتاب «بنات أفكاري» ثنائية متناغمة تعمد إلى استنطاق الصورة الإنسانية للواقع المعاش على نحو استهلاله بلوحة «القرية» الذي دعمه برؤية نصية موسومة بعنوان «من ليس له ماضٍ...»، فهو الذي يثبت في اللوحة صورة الماضي بوصفه الهوية الأصلية، فيما يسرد رؤيته الواقعية التي تحتم القراءة المتواترة لكل تفاصيل الحياة التي كونت لنا الماضي على هيئة تراث يجب أن نتواصل معه.
في وقت يرى الدهام أن الحاضر سيكون زاد للمستقبل. فهو في ذلك يصنع من التاريخ متوالية حقيقية على هيئة موجة تدفع أخرى، ليتكون مع الوقت هذا الزخم الإنساني الذي يختزنه بعضهم بوعي، فيما يفرط فيه بعضهم الآخر.
رؤية الجمال.. استطراد في رسم «كان»
يعمد الفنان سمير الدهام في هذا الكتاب.. «بنات أفكاري» إلى إبانة حقيقة واحدة لهذه الرؤى المتعددة، حيث تكمن فكرته الرئيسية في نبش ركامات الحياة المتوالية على الإنسان لأجل أن يبحث عن صور جمالية طالها التهالك، أو مسّها البلى، فلا شيء غير الفن الأصيل والكتابة الجميلة هي من تعيد بريقها لنراه وقد أخلص في استنباط صور الحياة الجميلة في الماضي.
فقد ظل مزهواً ومفتخراً ومبتهجاً بذلك الماضي الجميل الذي يسكن الأمس ويقيم في تلك الردهات الحافلة بالحضور الكثيف للماضي على نحو لوحة «أفراح» ونص «مس كول»، ففي هذا التمازج بين اللوحة والنص ما يعيدنا للماضي ويقربنا له من خلال دلالات اللغة التي أخذت تشرح لنا المعاصر والجديد بأسلوب مميز.
وفي وقت تظل فيه جماليات الماضي بذلك الحبور واللون الجمالي العاصف في تلك اللحظات فيه من الفرح الجميل الذي يختزن البياض وألوان البهجة في تموجات هذه الأنغام لعرس قديم تتجاذب فيه الأصوات الشجية هذه الإيقاعات المتواثبة للدفوف وكأننا أمام لحظة فرح لا يزال يهطل الآن على مسامع هذا الزمن الذي أصبح مزيداً من النشاز في مقطوعة العمر اللاهث خلف حياة مثابرة.
يستعد الفنان سمير الدهام في رسم تفاصيل كتابته عن الماضي في جملة من المحفزات التي تأتي الفكرة هي الأساس، فيما تستنطق اللغة خطوط اللحظة الغاربة لتسجل حضورها في الذات، لا سيما حينما تكون اللوحة خارجة من رحم الماضي. فهو هنا معنا باستمالة القارئ نحو مشاهدة اللوحة ومن ثم قراءة النص المقابل ليكون هذا التعاضد مفضياً إلى رسم صورة المقارنة بين الماضي(كان) بوصفه جميلاً، وبين الحاضر (الآن) بوصفه تجلداً مثابراً في استحضار ما هو أجمل من هذه الإرهاصات العصرية التي لا ينقذنا منها عادة سوى تمثُّل الماضي الجميل.
من هنا يمكن لنا أن نلخص إلى حقيقة أن الفنان التشكيل الدهام قد عني بأمر القارئ فلم يشأ أن يشق عليه في تمثل بعض اللوحات فعمد إلى تقديم إضمامة من خبرتاه اللونية وإن جاءت في ثنايا هذا الكتاب غير ملونة ، إنما تعكس رؤية استنطاقية لفكرة اللوحة و معناها الذي يصفه بالعنوان المصاحب لها ، وما يمطره من كتابة تحيلنا إلى أن نقف في موازاة مشهد إنساني يستحق المشاهدة والقراءة معاً ، وهو ما برع فيه حينما صور لنا آخر خطو الإنسان في ركضه الدائب مع الحياة الحديثة ، وفي وقت يحاول فيه وبأسلوب جميل أن يذكرنا بأن قطار الحياة سيقف بأي محطة فيحمل معه وجوهاً جديدة ، فيما سيخلف وراءه من عفى عليهم الزمان.. فلم يكن أي منهم حري بالوصول إلى غاية مثالية.

