إطلالة على كتاب (الرحّالة الأوربيون في شمال الجزيرة العربية: منطقة الجوف ووادي السرحان 1845 – 1922)
حجاج سلامة
في كتابه "الرحّالة الأوربيون في شمال الجزيرة العربية: منطقة الجوف ووادي السرحان 1845 – 1922"، يرصد الدكتور عوض البادي، ما شهدته مناطق الجزيرة العربية خلال القرن التاسع عشر الميلادي من توافد عدد كبير من الرحّالة والمستشرقين إليها من مختلف المشارب والاتجاهات، ولأهداف مختلفة. وكيف قدّم هؤلاء، كل حسب الهدف الذي أتى من أجله، الكثير من المعلومات، التي حصلوا عليها في تجوالهم عبر المناطق المختلفة للجزيرة العـربيـة، عـن شـؤون وأوضاع هذه الجزيرة المجـهـولة لديهم، إما في كتب أصدروها، أو تقارير رفعوها إلى الذين مولوا رحلاتهم، وسجلوا فيها شاهدوه وسمعوه.
ويُشير "البادي" في كتابه الصادر عن الدار العربية للموسوعات ببيروت، إلى تفاوت القيمة العلمية لما كتبه هؤلاء الرحّالة والمستشرقون وما قدموه من معلومات، تتفاوت من رحّالة إلى آخر، إلا أنه يؤكد لنا على أن ما تم تقديمه بقي وسـيـبـقـى مـادة أولية لا غنى عنهـا لأي باحث في تاريخ أحـوال الجزيرة في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
ويلفت مؤلف الكتاب إلى أن دارسي أدب الرحلات إلى الجزيرة العربية أوضحوا بأن لبدايات الاهتـمـام بأخبار تلك الرحلات بدأ برحلة لويس فارثيما البولوني إلى مكة والمدينة منطلقاً من سورية سنة 1503ميلادية. وأن التأريخ العلمي لاكتشاف الجزيرة العربية، يبدأ مع رحلة کارستن نـيـبـور أحـد أعضاء البعثة الدانماركـيـة التي أرسلهـا ملك الدنمارك لاكتشاف اليمن سنة ١٧٦١ميلادية. وأنه في عام ١٧٧٢ ميلادية ظهر العمل الأول لکارستن نيبور عن شبه الجزيرة العربية، وهو كتاب مـُهـدى إلى ملك الدنمارك واشتمل على وصف عام للبلاد، من النواحي الدينية والاجتماعية والسياسية واللغوية، وفصول عن المناطق المختلفة للجزيرة: اليمن، حضرموت، عمان، مناطق الخليج، ونجد، والحجاز وصحراء سيناء.
وبحسب صفحات كتاب "الرحّالة الأوربيون في شمال الجزيرة العربية: منطقة الجوب ووادي السرحان 1845 – 1922"، فإن کارستن نـيـبـور يُعد أول من حمل إلى أوروبا أخبار الحركة الوهابية، التي كانت قد بدأت في نجد.
ويدلنا الكتاب على أنه على خطى "نيبور" ومع بدايات القرن التاسع عشر، بدأ الأوربيون بالتوافد على المناطق المختلفة للجزيرة العربية، وقد كان هؤلاء بمثابة الروّاد في عملية الكشف عما كانت عليه الحال. وقد شكّلت كتاباتهم مصدر المعرفة الغربية الأول عن هذه المناطق، جغرافيا وسياسيا واجتماعيا ونفسيا. وكان من أهمهم: الرحّالة سيتزن، والرحاّلة بيركهارت.
ووفقا للكتاب، فقد تركّز اهتمام الرحّالة الغربيين مع منتصف القرن التاسع عشر على منطقة وسط الجزيرة، التي كانت تموج بأحداث وتطورات سياسية مختلفة، لكونها المنطقة الوحيدة التي لم يتيسر للرواد الأوائل زيارتها ومعرفة تفاصيل أحوالها.
وينوّه مؤلف الكتاب الدكتور عوض البادي، إلى أنه توافد على هذه المنطقة بداية من عام ١٨٤٥م حتى نهاية القرن، عدد من الرحّالة الذين تفاوتت أهدافهم، وتنوّعت شخصياتهم، واختلفت مصادر تمويلهم، وأن هؤلاء الرحّالة سجّلوا الكثير من التفاصيل المهمة، عن أوضاع هذه المنطقة وأخبارها. كما كانوا شهود عيان على الكثير من التفاصيل الدقيقةالتي تعبر عن حياة سكانها، وتركيباتهم السياسية والاجتماعية والقبلية.
ووفقا للكتاب، فقد مثّلت منطقة الجوف ووادي السرحان، التي تشكل القسم الشمالي للجزيرة العربية، البوابة الرئيسية لعبور الرحّالة الأوربيين إلى وسط الجزيرة العربية، مما يسر لها أن تكون أول وأكثر المناطق التي قدم عنها هؤلاء الرحالة الكثير من المعلومات والتفاصيل التي تصف جغرافيتها وتؤرخ لأحوالها وسكانها لما يقرب من قرن كامل.
ورأى مؤلف الكتاب بأنه نظراً لأهمية ما ذكره وكتبه هؤلاء الرحالة (بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معهم حول ما جاؤوا به) للباحثين والمهتمين، فإن تقديم ما كتبوه يصبح من ضروب الواجب العلمي لمن عرفه واطلع عليه، ويمكنه تقديمه، لتسهيل أمر المعرفة عن جزء استراتيجي ومهم من الجزيرة العربية.
وكما يروي لنا الدكتور عوض البادي في كتابه، فإن منطقة الجوف ووادي السرحان المنشأ الأول للإنسان العربي ومهـد عروبته، كما أثبتت وتثبت النقوش والحفريات والمكتشفات الأثرية، وأن هذا الكتاب الوثائقي جاء ضمن اهتمامه بالتاريخ السياسي الحديث لمنطقة الجوف.
ويُضيف بأنه خلال إعداده لكتابه هذا، تبيّن له بأنه من غير الممكن تقديم تصور كامل عن وضع تلك المنطقة خلال القرن الماضي وبدايات هذا القرن بدون معرفة جميع ما كتبه الرحّالة الغربيون الذين زاروها، وأنه بعد عملية مسح شاملة، وجمع لكامل ما كتب باللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية، والقيام بترجمة ذلك إما شخصياً فيما يتعلق باللغة الإنجليزية أو بالاستعانة بمترجمين متخصصين باللغتين الأخريين، تبيّن له أهمية ما قدمه هؤلاء الرحّالة الذين تجاوز عددهم الخمسة عشر، ومنهم العالم، والتاجر، والجاسوس، والسائح، والمُبشّر، في الفترة الواقعة ما بين عامي ١٨٠٨م- ۱۹۲۲م.
وأن المعلومات التي احتوتهـا هذه الكتابات والوثائق كانت من الأهمية بمكان، بحيث لا يمكن لأي باحث أو كاتب تجاهلها، أو حتى كتابة أي شيء له قيمة تاريخية بدون معرفتها أو الاطلاع عليها.
وشدّد مؤلف الكتاب على أن ما كتبه الرحالة الغربيون يشمل كل جوانب الحياة العربية في هذه المنطقة، وأن توفير هذه الكتابات أمر ذو فائدة كبيرة، وأن الدارس للتاريخ الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي أو السكاني أو حتى الروائي، يجد بالتأكيد معلومات أولية تفيده في دراساته أو تحليلاته أو رواياته. ولهذا رأى ضرورة جمع هذه المعلومات وإصدارها في هذا الكتاب.
وقد اختار الدكتور عوض البادي، في تقديم كتابه الرحّالة الأوربيون في شمال الجزيرة العربية: منطقة الجوب ووادي السرحان 1845 – 1922"، أن يكون من خلال نهج مُيسر، حيث بدأ بتعريف الرحّالة والرحلة، ومن ثم أورد نص ما قاله كل واحد من الرحّالة، دون تدخل أو تعديل أو تبديل إلا ما تطلبته عملية تحرير النص، بهدف تصحيح معلومة أو كلمة أو تاريخ، وتقديم النص بنفس الأسلوب الذي انتهجه الرحّالة، مع مراعاة عدم تكرار بعض المعلومات أكـثـر مـن مـرتين إلا إذا اختلف الأسلوب أو جـوهر المعلومة لأن الكثير منهم يقتبس من الآخر .
وقد تناول الكتاب الرحّالة الذين زاروا منطقة الجوف ووادي السرحان خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، والذين خصوها باهتمام خاص في كتاباتهم وهم: جورج أوغست والن، وجيفورد بلغريف، وكارلوغوارماني، وتشارلز هوبر، والليدي أن بلنت، وجوليوس أويتنغ، والبارون إدوارد نولده، وارتشيبالد فوردر، واس. اس بتلر، والويس موسيل، وسانت جون فيلبي.
وحرص مؤلف الكتاب على عدم تقديم ما يورده الرحّالة من معلومات على أنها حقائق لا تقبل المناقشة، تاركا للقارئ الحكم على ما جاء به هؤلاء الرحّالة، الذين - أياّ كانت أهدافهم ـ عانوا أقسى المشقات ليقدموا ما قدموه، خدمة للمعرفة في بلادهم في ذلك الوقت، وخدمة للمعرفة في بلادنا في هذا اليوم.

