أول أكاديمي يتناول أدب الجزيرة العربية في العصر الحديث .. زيارة تاريخية لطه حسين إلى المملكة والقشعمي وبافقيه يرصدان أكثر من 100 مادة ثقافية
قوبل بحفاوة بالغة من لدن المثقفين السعوديين، ربما هي حفاوة منقطعة النظير في ملاقاة مثقف عربي بارز، كيف لا؟ وهو وقتها: عميد الأدب العربي، وصاحب أكثر من خمسين كتابا، وصاحب مشروع إعادة النظر في دراسة الشعر العربي القديم والشعر الجاهلي، وصاحب الدراسات المتميزة عن الأدب العربي القديم والمعاصر، والتاريخ الإسلامي، والترجمات عن التراث اليوناني، وصاحب الدعوة إلى مجانية التعليم بشعار: "التعليم كالماء والهواء" ورائد السيرة الذاتية التي تجلت في كتابه الشهير:" الأيام" الذي طبع أكثر من (70) طبعة .
في 15 يناير 1955م استقبل المثقفون السعوديون في مدينة جدة الدكتور طه حسين في زيارة ثقافية تاريخية ، سبقتها أصداء العميد صاحب المؤلفات الشهيرة:" في الأدب الجاهلي" و" حديث الأربعاء" و" تجديد ذكرى أبي العلاء" و" مع المتنبي" وغيرها من الكتب ذائعة الصيت وقتها والتي أحدثت بين المثقفين العرب سجالات أدبية ونقدية لم تتوقف حتى اليوم.
عن هذا اللقاء الثقافي الكبير ، ألف الباحثان السعوديان محمد عبدالرزاق القشعمي، وحسين بافقيه كتابين ، الأول للقشعمي بعنوان:" طه حسين في المملكة العربية السعودية" والثاني لبافقيه بعنوان:" طه حسين والمثقفون السعوديون" حيث قام الباحثان اللذان أصدرا كتابيهما في وقت متزامن في العام 2009م برصد هذه الزيارة الطه- حسينية للمملكة العربية السعودية، ورصد انطباعات المثقفين السعوديين وقتها وهم رواد الأدب والثقافة بالمملكة .
وقد اعتمد المؤلفان في كتابيهما على قراءة هذه الزيارة قراءة تاريخية توثيقية تنحو إلى الرصد والوصف عند محمد القشعمي ، وتتجه إلى التحليل عند حسين بافقيه. والعامل الجوهري المشترك لدى الكاتبين يتجلى في رصدهما للزيارة منذ بدئها حتى ختامها، وما كتب فيها من مقالات، وما صدر عنها من رؤى وكلمات وقصائد شعرية، ثم أضيفت بعض المواد الأخرى التي تتعلق بحضور طه حسين في الثقافة السعودية.
يقع كتاب محمد القشعمي الصادر عن النادي الأدبي بالرياض في (348) صفحة ويتناول صدى زيارة عميد الأدب العربي طه حسين للمملكة العربية السعودية(1374هـ - 1955م) كما جاء بعنوان الكتاب الذي كتب الدكتور حسن النعمي في مقدمته:" طه حسين في السعودية ! ماذا يعني ذلك؟ الزيارة التي قام بها طه حسين للسعودية جذبت أنظار الأدباء في ذلك الحين، فتنادوا مرحبين بالضيف، ورأوا في زيارته مغنمًا للثقافة السعودية، وخروجًا من محليتها إلى رحابة الثقافة العربية، ولم يتوان طه حسين أن يمنح مضيفيه ما ينتظرون من الإشادة، فالزيارة كانت استكشافًا لطه حسين بقدر ما كانت حدثًا عند أدباء السعودية سطروه في مقالاتهم قبل وأثناء وبعد الزيارة ... والزيارة التي انفعل بها أدباؤنا وعدوها حدثًا تاريخيًّا تشكل اليوم تاريخا يعني الباحثين "
ويشكل كتاب القشعمي وثيقة تاريخية ترصد زيارة طه حسين للمملكة التي استمرت (19) يوما، كل ما ألقي فيها من محاضرات وكلمات وما نشر عنها في الصحف والمجلات، وهي زيارة رسمية كانت ضمن مؤتمر اللجنة الثقافية لجامعة الدول العربية في دورتها التاسعة في 15 يناير سنة 1955 بمدينة جدة ، لكن لقاءات طه حسين بالمثقفين السعوديين كانت على هامش الزيارة الرسمية وهي كانت الأهم والأكثر بروزا في ذلك الوقت.
و قسم بافقيه كتابه إلى ثمانية أقسام، تضمنت صلة طه حسين بالمثقفين السعوديين، وما كتبه من بحوث ومقدمات عن الأدب والثقافة في المملكة، وطائفة مختارة مما كتبه المثقفون السعوديون عن طه حسين، وحواراته الصحفية في الصحافة السعودية، وحضوره في الشعر السعودي، وتوثيق للزيارة التي قام بها طه حسين للسعودية. وقد تضمن كتاب بافقيه ( 41 ) مادة متنوعة ، سوى ما كتبه هو واضعا رؤيته كباحث، وجاءت المواد كالتالي:
- مقالات طه حسين وخطبه ومقدماته وكلماته عن الأدب والثقافة في المملكة.
وبلغت هذه المواد التي جمعها بافقيه 10 مواد ، عبارة عن 6 مقالات ومقدمات، و3 كلمات أو خطب، ومقالة في مجلة صرخة العرب.
و (16) مادة مقالية وشعرية وصحفية ترحيبا بطه حسين عبارة عن: 9 مقالات صحفية، 3 حوارات صحفية 4 قصائد شعرية ,مقالة عن طه حسين لأدباء ونقاد سعوديين وغيرها من المواد.
هذه المواد التي رصدها بافقيه في كتابه، تشكل مادة ثقافية، قام بقراءتها وفحصها،
واشترك المؤلفان في إيراد (24) مادة متنوعة، ما بين المقالات والكلمات، والأخبار الصحافية عن زيارة طه حسين للسعودية، فيما أورد بافقيه (20) مادة ثقافية لم ترد في كتاب القشعمي، منها: الهوى والشباب، وتقديم طه حسين لديوان الفلالي، وكتابة طه حسين عن رجالات الحجاز للعطار، وتقديم كتاب الأمير عبدالله الفيصل" وحي الحرمان" وغيرها من الموضوعات، وأورد القشعمي (38) مادة خبرية وحوارية ومقالية عن طه حسين لم ترد في كتاب بافقيه منها: قصيدة الشعراوي، رثاء حمد الجاسر لطه حسين، كلمات لعبدالله عريف، وعبدالعزيز الرفاعي، وخطاب عبدالعزيز السلامة، ، وغيرها من المواد، التي قد تحتاج إلى مراجعة تاريخية دقيقة.
ومن هنا يمكن الدعوة إلى إصدار كتاب مشترك، أو متكامل يضم بشكل موسع هذه العلاقة الثقافية بين طه حسين والمثقفين السعوديين، وهذا ما يمكن توسمه في الباحثين في المرحلة المقبلة..
أخيرًا وفي مجلة : (صرخة العرب) العدد السادس ، القاهرة، يوليو 1955م كتب الدكتور طه حسين في مقالة بعنوان:" المملكة العربية السعودية وماذا تركت في نفسي" كتب يقول:" تصور أهل البادية في البلاد العربية السعودية بعد أن ينشأ منهم جيل تخرج في المدارس الحديثة، وتزود من التعليم على الطرق الحديثة بمثل ما يتزود به الشباب في البلاد الأخرى، وقد أثر ذلك من جميع نواحي الحياة في البلاد العربية السعودية أولا، وفي جاراتها من البلاد الأخرى، فسترى أن مستقبل هذه البلاد أعظم روعة مما يظن لأول وهلة وأنها مقبلة – بإذن الله – على أن تكون حياتها المستقبلة جديرة بحياتها الماضية وأن يشرق منها النور الإسلامي لهداية العالم مرة أخرى في مستقبل : أعتقد أنه لن يكون بعيدا " .

